حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في زحام التأويلات وضجيج التحليلات، يطفو قرار عزيز أخنوش بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار كحدث سياسي استثنائي، لا لأنه قلب موازين اللعبة، بل لأنه كسر ـ ولو مؤقتًا ـ واحدة من أقدس التقاليد الحزبية المغربية: التشبث بالكرسي حتى آخر قطرة تصفيق.
هكذا، وبجرة قلم، يتحول الانسحاب إلى شجاعة، والتخلي إلى بطولة، واحترام القوانين الداخلية إلى رسالة أخلاقية في زمن صار فيه التحايل على تلك القوانين رياضة وطنية، يمارسها زعماء يخلطون بين القيادة السياسية وحق الإقامة الدائمة في الزعامة، وبين الحزب والضيعة الخاصة.
هناك، فعلًا، فرق شاسع بين من ينسحب ـ أو يُنسحب ـ بشرف، ويفتح المجال لما يُسمّى مجازًا بـ«الدماء الجديدة»، وبين من يتشبث بالكرسي كما يتشبث الرضيع بـ“بزولة مو”، لا لشيء سوى خوفًا من الجفاف السياسي بعد سنوات الحلب.
قد لا يكون قرار أخنوش شخصيًا خالصًا، وقد يكون «فوقيًا» بامتياز، وقد يكون مجرد إجراء وقائي لضمان عدم عودته إلى رئاسة الحكومة من الباب أو من الشباك… لكن، ورغم كل ذلك، يبقى القرار ـ paradoxalement ـ إشارة رمزية على أن السياسة يمكن أن تعرف لحظة خجل، أو على الأقل لحظة استراحة.
ويا لها من لحظة محرجة لأولئك الذين جعلوا من الزعامة قدرًا أبديًا، ومن الحزب وسيلة للعودة المتكررة، ولو بعد التقاعد المريح. وهنا يصعب تجاهل أسماء اعتادت الظهور كلما ظن الناس أن المشهد تغير: لشكر، بنعبد الله، وعبد الإله بنكيران، الذي ما يزال يتصرف وكأن المغرب صحراء سياسية قاحلة لا تنبت إلا اسمه، وكأن مستقبل البلاد متوقف على حنجرته وحدها.
وحتى لا يُساء الفهم، فهذه ليست شهادة حسن سلوك سياسية لعزيز أخنوش. الرجل الذي خلط السياسة بالمال، وأدار الشأن العام بعقلية المقاولة الكبرى، مهمشًا التجار الصغار والمتوسطين، ومحولًا الولاء إلى شرط غير معلن للنجاة الاقتصادية. رجل لم ينسحب لأن السياسة نداء أخلاقي، بل لأن السياق قال له: “سير فحالك”.
ومع ذلك، يبقى في المشهد ما يستحق السخرية الإيجابية: أن يتحول من خلط السياسة بالمال إلى نموذج يُطالب ـ ولو تهكمًا ـ بـ«إكمال الجميل»، كما تمنت مايسة سلامة الناجي، بأن يصطحب معه جوقة الكاتبات والمساعدين الذين تحوّلوا، بفعل المعجزة التنظيمية، إلى نواب ووزراء ورؤساء مؤسسات، في حملة تطهير رمزية من بقايا “المازوطيين” الذين أزكموا أنوفنا بحزاقهم السياسي.
أما الإعلام… فلا خوف عليه. صحيح أنه سيتيتم قليلًا من “فلوس أكوا”، لكنه تعود على الفطام المؤقت، وسرعان ما يجد بزولة جديدة، فالسوق مفتوح، والولاءات قابلة للتجديد.
في النهاية، لا نحن أمام زهد سياسي، ولا أمام ثورة أخلاقية، بل أمام لحظة نادرة تذكّرنا بأن أبسط ما يمكن أن يفعله سياسي في المغرب هو أن ينسحب… فيُصفَّق له. ، بدل أن يستجدي العودة للكرسي فيصفر و”يحيح “علي، وهنا، تحديدًا، تكمن أعظم سخرية في القصة كلها.