حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
بعد نشر الحلقة الثالثة من سلسلة “فاس تحت المسبار” تلقيت وابل من اللوم والنقد على تعبيري عن وطنيتي ومواطنتي باستحضار شيء من ماضي فاس ، الذي ربما لن يعود ، ولكنه يلهم العقل في كيفية التعامل مع مدينة تذكّرني بأني لست مجرد عابر فوق ترابها، بل شاهد، ومسؤول، وابن مُطالَب بأن أكتب ما أراه، لا ما يريده الآخرون أن يُرى.
لم أنفعل ولم أقلق وذكرتهم فقط بأن فاس ليست ككل المدن ، فهي مدينة تكتب أبناءها قبل أن يكتبوها
وهي — بالنسبة لي — ليست مدينة فقط؛ إنها ذاكرة مُتجسّدة، ورائحة طفولة، وجرح قديم لا يلتئم إلا ليعاود السؤال:
كيف لمدينة بهذا التاريخ أن تُهزم بهذه السهولة؟
كبرت في فاس قبل أن أفهم معنى “مدينة”.
كانت الأزقة أول خرائط العالم التي حفظتها،
وكانت أصوات الباعة في “طالع وهابط”و”السلالين”والطالعة لكبيرة” أول موسيقى سمعتها،
وكانت القرويين — بتلك الهيبة التي تقف بها فوق الزمن — أوّل مكان شعرت فيه بأن للمعرفة قداسة.
أتذكّر طفولتي مثل مشاهد فيلم قديم:
أمشي مع أبي بين الدور العتيقة،
أستمع لقصص عن علماء وشرفاء وتجار جاءوا من أقاصي الدنيا بحثًا عن النور.
كنتُ يومها صغيرًا، لا أفهم السياسة ولا الاجتماع،
لكنني كنت أفهم شيئًا واحدًا:
أن فاس ليست مكانًا… بل ميراثًا.
ومع مرور السنين، تغيّرت المدينة.
لم تعد تلك التي في ذاكرة طفولتي.
تهالك ما كان شامخًا، واختفى ما كان حيًا،
وبدأتُ أرى الشقوق في الواجهة،
والتعب في الشوارع،
واللامبالاة في المكاتب،
والفوضى تزحف على ما كان يومًا رمزًا للنظام والدقة والجمال.
وهنا بدأ الألم.
ألمٌ لا يشبه غضب المواطنين العابر،
بل أشبه بإحساس الأب حين يرى ابنه يضيع من بين يديه.
كنتُ أتنقل بين الإدارات لأقضي شؤونًا بسيطة،
فأكتشف أن الوقت في فاس أكثر قابلية للهدر من أي مكان آخر.
كنت أستمع لحكايات شباب يبحثون عن فرصة،
فتبدو المدينة وكأنها لا تسمع.
كنتُ أمشي في الأحياء المهمّشة،
فأرى مدنًا أخرى داخل المدينة:
مدنًا منسية،
بشرًا بلا صوت،
وطموحات تُدفن قبل أن تولد.
كلما كبرتُ، كبرت أسئلتي.
وكلما ازداد وعيي، ازداد وجعي.
وأدركتُ — ربما متأخرًا — أن المدينة ليست أسوارًا ولا طرقًا،
ولا ميزانيات تُدار من فوق،
بل هي علاقة أخلاقية بين الإنسان ومكانه.
وإذا انقطعت هذه العلاقة… ماتت المدينة.
كتبت هذا الكتاب لأن فاس — بماضيها الذي بدأ قبل دول كثيرة — لا تستحق حاضرها الذي يشبه الانطفاء.
وكتبت لأنني — ابن هذه الأزقة — لا يحق لي أن أرى الأخطاء وأصمت،
ولا أن أرى الفساد وأتعايش معه،
ولا أن أرى الإهمال وهو يتحول إلى عادة.
هذا الكتاب ليس شعارات،
وليس تصفية حسابات مع أحد،
وليس بحثًا أكاديميًا جافًّا.
إنه محاولة للقبض على حقيقة مدينة تعيش تناقضًا مريرًا:
تملك كل شيء يتيح لها النهوض… لكنها محاصرة بمن لا يملكون الجرأة ولا الكفاءة لقيادتها.
سأكتب عن الإدارات التي تتعطّل فيها حياتنا،
وعن الصحة التي تصبح امتيازًا بدل حق،
وعن النقل الذي ينهار كل يوم،
وعن شباب تخرّجه الجامعة ليغادر فورًا،
وعن تراث يُترك ليأكله الغبار،
وعن تاريخ يحاول أن ينهض… ولا يجد من يمد له يدًا.
أكتب لأنني مدين لهذه المدينة — كما يدين الابن لأمه — بكلمة حق.
وأكتب لأنني أرى ما يمكن أن تكونه فاس، وليس فقط ما أصبحت عليه.
وأكتب لأن الصمت لم يعد خيارًا…
ولأن الحب — حين يكون صادقًا — لا يكتفي بالذكريات، بل يسعى للإنقاذ.
فاس ليست مجرد موضوع لهذا الكتاب.
إنها روحه.
وما بين طفولتي فيها وشهوتي اليوم للدفاع عنها،
تشكّل هذا العمل:
محاولة لإعادة الاعتبار لمدينة تُصرّ أن تبقى عظيمة… رغم كل من يحاول التقزيم
ولا شك أن المنتقدين يعلمون أنّ مستقبل فاس لن تحدده كتاباتي، بل الناس الذين يعيشون فيها، ويسألون كل صباح:
إلى أين نسير؟
وما الذي نتركه للجيل القادم؟
إنقاذ فاس ليس ترفًا، ولا حنينًا، بل ضرورة حضرية وأخلاقية وتاريخية.
وأناهنا لا أدّعي امتلاك كل الإجابات، لكني آمل أن يفتح بابًا للنقاش الجدي، وأن يضع لبنة في معركة الوعي التي تحتاجها المدينة.
لأنّ فاس، مهما مرضت… تظل مدينة تستطيع أن تُشفى.
ومهما أُهملت… تظل مدينة تستطيع أن تُنقذ.
ومهما تراجعت… تظل مدينة قادرة على النهوض من جديد ضدا في كل الخونة الكارين الذين أقول لهم “انتظروا فالقادم .