الكرونيك سوداء ساخرة بلاغ “البيديجي” أو حين تصبح فنزويلا أقرب من العيون… والصحراء تمرّ عابرة في السياسة،

كما في السيرك، ليست المشكلة في البهلوان، بل في الجمهور الذي يُطلب منه أن يصفّق وهو يعرف أن اللعبة مكشوفة. وما بلاغ “البيديجي” الأخير ليس سوى فقرة إضافية في عرض سياسي طويل، عنوانه العريض: الدفاع عن سيادة الآخرين… ولو كانوا أعداء سيادتك. فجأة، وبقدرة بلاغية خارقة، تحوّل حزب العدالة والتنمية إلى محامٍ دولي متنقل، يترافع بحرارة عن “اختطاف” و”اعتداء مرفوض” طال رموز دولة لا تُفوّت فرصة واحدة للطعن في الوحدة الترابية للمغرب. دولة لا تعترف بسيادتنا، لكنها تستحق – في نظر البلاغ – كل هذا الحنان القانوني، وكل هذا البكاء السيادي الصادق… أو شبه الصادق. البلاغ، في جوهره، ليس دفاعًا عن فنزويلا، بل تجربة روحية في الأممية السياسية، حيث تُغسَل الخصومات، وتُمحى الذاكرة، ويُطلب من المغاربة أن ينسوا أن هذا النظام نفسه يموّل ويدعم مشروع الانفصال، فقط لأن ميثاق الأمم المتحدة – المسكين – استُحضر فجأة كشاهد زور نبيل. الغريب ليس أن يقع اليسار في هذا الفخ؛ فاليسار، تاريخيًا، يعشق الثورات البعيدة أكثر من أوطانه القريبة ، لكن الغريب حقًا أن يقع حزب ذو مرجعية إسلامية في غرام سيادة دولة معادية، وأن يتحدّث بمنطق “الاعتداء على الرموز” وكأن تلك الرموز لم تكن يومًا جزءًا من آلة تستهدف الأمن القومي المغربي في المحافل الدولية. هنا لا نتحدث عن خطإ سياسي عابر، بل عن ارتباك في البوصلة: هل الصحراء قضية وطنية أم تفصيل مزعج في نشرة القانون الدولي؟ هل سيادة المغرب قضية ثابت أم رأي قابل للنقاش حسب حرارة البلاغ؟ البلاغ حاول أن يبدو رزينًا، لكنه خرج مرتبكًا؛ حاول أن يكون دوليًا، فانتهى غريبًا عن المزاج الوطني. أراد أن يلعب دور “حامي الشرعية الدولية”، فسقط في دور “واعظ أممي” يوزّع دروس الأخلاق السياسية من فوق منصة لا ترى من الوطن سوى ظله. وفي لحظة درامية مؤثرة، وجد “البيديجي” نفسه يعزف خارج السرب، خارج الأوركسترا الوطنية، تلك التي لا تعرف سوى لحن واحد: الصحراء مغربية… دون هوامش، دون شروح، ودون بلاغات مرتبكة. وحين يدافع حزب مغربي عن سيادة دولة تعادي وحدته الترابية أكثر مما يدافع عن صحرائه، فذلك ليس اجتهادًا في القانون الدولي… بل إفلاسًا وطنيًا مُغلفًا بورق الأممية. أما الخلاصة؟ فهي بسيطة حدّ القسوة: حين يصبح الدفاع عن سيادة فنزويلا أكثر حماسة من الدفاع عن سيادة المغرب، فالمشكل ليس في القانون الدولي… بل في الذاكرة السياسية القصيرة، والبوصلة التي تدور بلا شمال. حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *