المسخرة السياسية الجديدة التي يبكي فيها“حماة النزاهة” خوفاً من… النزاهة!

حميد طولست ،كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

يبدو أنّ المشهد السياسي في المغرب يعشقُ تكرار النكات الثقيلة، لكن هذه المرّة النكتة جاءت بوقارٍ برلماني ولُغةٍ دستورية مُنمّقة، وبطلها المجموعة النيابية للعدالة والتنمية التي رفعت شعار: “نُخَلِّق الحياة السياسية… لكن رجاءً، لا تُطبّقوا علينا القوانين ونحن في حالة تلبّس!”.
فالحزب الذي عقد الندوات وألقى الخطب ودبّج البلاغات دفاعاً عن “تحصين البرلمان” و”حماية العملية الانتخابية” و”مكافحة الفساد السياسي”، خرج اليوم ليصرخ بأن منع المشتبه في تورطهم أو المحكوم عليهم ابتدائياً من الترشح “يمسُّ بقرينة البراءة”.
جميل جداً! لكن لماذا تتذكر بعض الأحزاب الدستور فقط حين يصبح القانون مهدداً لمقاعدها وليس حين يصبح الفساد مهدداً لثقة الشعب؟
النائب عبد الصمد حيكر أكد أن المنع قبل الحكم النهائي “غير دستوري”. طبعاً… ومن يخبرنا بالحل؟ الحلّ – حسب رأيه – هو أن تتحمل الأحزاب “مسؤوليتها السياسية”. يا سلام! كأننا لم نرَ كيف تتعامل الأحزاب مع مسؤوليتها عندما يتعلق الأمر بتزكية “المعطّلين قضائياً” و”المرمّمين أخلاقياً”.
لكن المفاجأة جاءت من وزير الداخلية الذي ذكّر الجميع بأن المحكمة الدستورية هي صاحبة القول الفصل، ثم قدّم لهم دروساً سريعة من تجارب الديمقراطيات التي يحبّون الاستشهاد بها فقط عندما تخدم خطابهم… لا عندما تكشف تناقضهم.
أمّا الأغلبية… فقد مارست المسخرة ذاتها ولكن بنبرة مرتعشة!
فرق الأغلبية أيضاً خرجت تصرخ احتجاجاً على تطبيق القانون التنظيمي الجديد فور نشره في الجريدة الرسمية، لأن تطبيقه قد “يحرم” حوالي 50 برلمانياً من مقاعدهم التي ما زالت دافئة تحتهم.
يا لَهُ من ظلم! أن يُطلب من النائب المحكوم بتهمة جنائية أن يغادر مقعده قبل أن يُكمل مدته البرلمانية… وكأن التهمّة ليست جناية بل زكام سياسي بسيط.
لذلك سارعت هذه الفرق إلى تقديم تعديل يجعل القانون يسري فقط بعد نهاية الولاية الحالية… أي: أجلونا حتى ننهي السنوات المتبقية من “الخدمات البرلمانية!”.
وهنا تنطبق الحكمة الشعبية:
“إذا سمعت أحدهم يتباهى بشجاعته في معركة بين الحق والباطل… فاعلم أنه اختار صفَّ الباطل سرّاً.”
أيها المغاربة… لا تنخدعوا!
في الأيام المقبلة، ستسمعون أصواتاً تتفنن في العويل السياسي، ترتدي عباءات الاصلاح المزيفة، وتتلون بلون الوطنية حسب الظرف. سيبكون على الدستور، يدافعون عن “حق الترشح”، ويهاجمون القوانين بدعوى “الدفاع عن العدالة”.
لكن الحقيقة؟
من يخاف من القانون… إما أن يكون القانون ضيّقاً عليه، أو هو واسع جداً عليه.
احذروا من الذين يصرخون كثيراً: فالصادق يعمل في صمت، أما من يملأ الدنيا ضجيجاً فغالباً يخشى أن يسمع الناس صوت الحقيقة.
ميّزوا بين من يبني ومن يهدم، بين من يريد حماية الوطن ومن يريد حماية مقعده، بين من يدافع عن الدستور ومن يدافع عن “حقه المكتسب” في الهروب من المحاسبة.
المغرب مُقبل على تغيّرات جوهرية
ما حدث ليس سوى ارتباك سياسي أولي أمام التغييرات التي أعلن عنها جلالة الملك، وشرحها وزير الداخلية بوضوح شديد:
المرحلة المقبلة لن تشبه ما سبقها.
وهذا وحده كافٍ لجعل المتطرفين والعدميين والأصوليين يرتجفون… فالزمن الذي كان فيه “القانون على المقاس” يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وسيأتي يوم – وهو قريب –
يعلم فيه الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *