بقلم : علي العرابي
التكنولوجيا ليست مجرّد أدوات نستخدمها بل قوّة تعيد تشكيل الإنسان نفسه، وعيه، علاقته بذاته، وبالآخرين وبالعالم من حوله. تأثيرها لا يُقاس بما تُسهِّله فقط بل بما تُغيّره في طريقة الوجود ذاتها، فهي لا تُضيف إلى حياتنا وسائل جديدة فحسب بل تُعيد تعريف معنى الزمن، والعلاقة والحرية.
أوّل أثر عميق للتكنولوجيا هو تسريع الزمن، فقد كان الإنسان في الماضي يعيش الزمن كخبرة داخلية: انتظار، صبر، وتدرّج، أمّا اليوم فقد تحوّل الزمن إلى ضغط دائم، كل شيء فوري، سريع وقابل للاستهلاك، هذا التسارع لا يمنح الإنسان حرية أكبر بل يسرق منه العمق. نفكّر أقل، نشعر أقل وننتقل من شيء إلى آخر دون أن نقيم فيه حقًا، وهكذا يتحوّل الإنسان من كائن يتأمّل إلى كائن يلاحق، من حضورٍ داخلي إلى حركة بلا توقف.
ثانيًا، غيّرت التكنولوجيا معنى العلاقات الإنسانية، فالتواصل لم يعد لقاءً بين ذوات بل تبادل إشارات وصور ومقاطع فيديو، هذا القرب الرقمي خلق وحدة أعمق، نحن متصلون دائمًا لكننا نادرًا ما نكون حاضرين حقًا، يظهر الإنسان لكنه لا يُرى، يتكلّم لكنه لا يُسمَع. يتحوّل الآخر من كائن إنساني إلى شاشة ومن علاقة حيّة إلى محتوى يُستهلك وهكذا يُختزل القرب في التفاعل ويُستبدل العمق بالاستجابة السريعة.
ثالثًا، أثّرت التكنولوجيا في وعي الإنسان بذاته، فالإنسان المعاصر لم يعد يرى نفسه من الداخل بل من خلال الخوارزميات، والمقارنات، والأرقام، والإعجابات. لم تعد القيمة تُبنى على التجربة أو المعنى بل على ردود الفعل الخارجية وهذا ما يجعل الإنسان غريبًا عن نفسه فيبدأ في التمثيل بدل العيش وفي عرض صورة عن ذاته بدل الإصغاء إليها. تصبح الهوية مشروعًا بصريًا، لا مسارًا داخليًا.
ومن زاوية أخرى لم تُلغِ التكنولوجيا الحرية لكنها أعادت تعريفها. نملك خيارات أكثر لكننا أقل قدرة على الاختيار الواعي. نتحرّك داخل أنظمة ذكية لكنها توجّهنا بصمت. الخطر الحقيقي هنا ليس في السيطرة الصريحة بل في الطاعة الطوعية: أن يظنّ الإنسان أنه حرّ بينما هو مُدار، أن يعتقد أنه يختار بينما اختياراته مُقترَحة سلفًا.
التكنولوجيا تخلق وهمًا بالانتماء وسط اكتظاظ العالم، لكنها تُعمّق الغربة الداخلية. تمنح مشاعر زائفة بالسعادة حين نحقّق إنجازًا في عالم افتراضي بينما يظلّ الداخل فارغًا وللأسف يسير العالم في هذا الاتجاه بوتيرة متسارعة؛ الجميع منشغل بهاتفه، ونادرًا ما يكون أحد حاضرًا لما يجري خارج الشاشات. تمرّ اللحظات وتمضي الأيام دون أن نعيشها فعلًا.
لا شكّ أن التكنولوجيا جزء من مسار العالم ولا يمكن إنكار فوائدها، لكن الخطر يكمن في أن تتحوّل من وسيلة خُلقت لمساعدتنا إلى قوّة تقودنا دون وعي. المطلوب ليس رفضها بل استعادتها إلى حجمها الحقيقي، أن نستخدمها دون أن نذوب فيها وأن نعيش اللحظة قبل أن تمرّ لأن أسوأ ما قد يحدث للإنسان ليس أن يتأخّر بل أن تمرّ حياته كلّها بسرعة دون أن يشعر بها.
حين تقودنا الوسيلة بدل أن نخدمها، نفقد وعينا قبل أن نفقد السيطرة.