حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في ذكرى رحيل الحلاق الطيب، الإنسان الذي نقش حضوره في ذاكرة حي فاس الجديد وقلوب ساكنيه، نستحضر اليوم ملامح رجلٍ لم يكن مجرد حلاقٍ بسيط، بل كان جزءًا من طفولتنا، من وجداننا، ومن الحكاية الصغيرة التي صنعت دفء ذلك الزمن.
كان المرحوم “جبيلو”—كما يحلو لزبنائه من كل الأعمار أن ينادوه—واحدًا من تلك الوجوه التي لا تُنسى، لأنه لم يكن يكتفي بقصّ الشعر، بل كان يزرع ابتسامة، ويمسح همًّا، ويمنح كل داخل إلى محله نصيبًا من لطفه وخفة دمه.
والدي—رحمه الله—كان من أعزّ أصدقائه وزبنائه، وكان يأخذني إليه منذ نعومة أظافري، كل شهر تقريبًا، ليحلق شعري على “الزيرو” -التعاقد السري الذي كان بينهما؛ ذاك الاتفاق الذي جعلني، لسنوات طويلة، ضحية مقص عمي جبيلو الذي لا يخطئ حرفًا من شروط والدي… والذي كان يجعلني في نهاية المطاف شبيهًا بالقنفذ الصغير!
كانت ضربات مقصه فوق المشط الخشبي التقليدي تُرعبني طفلًا… ثم صرت أجد فيها، في شبابي، إيقاعًا خاصًا: تاك… تاك… نغمات صغيرة لكنها كانت تطمئنني، وترافقني كأنها جزء من ذكريات المكان والناس.
محلّه المتواضع—بكراسيه البسيطة، ومراياه المظببة، وأدواته المبعثرة القادمة من أسواق العطارين والنجارين—لم يكن يومًا محلًّا يجذبك بديكور فخم، ولا بواجهة لامعة.
ولكنه كان يجذبنا نحن الصغار والكبار، لأنه كان يحتوي على أجمل ما قد يمنحه إنسانٌ لإنسان: الابتسامة الصادقة، والنكتة الخفيفة، والروح الطيبة.
كان “عمي جبيلو” في الثلاثين من عمره حين عرفناه، يقف قبالة درب الزاوية، في قلب ذلك الشارع الكبير لحي فاس الجديد؛ هناك حيث صنع علاقات، وربّى أجيالًا، وترك أثرًا لا يمحوه الزمن.
اليوم، ونحن نستحضر ذكراه، نستحضر معها الأيام الجميلة التي عشناها قربه، وتلك اللحظات البسيطة التي أصبحت أكبر بكثير من بساطتها حين صارت ماضيًا.
نسأل الله تعالى أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجزيه عن طيبته وحسن خلقه خير الجزاء، وأن يجمعه بمن أحبّ—وفي مقدمتهم صديقه الوفي، والدي رحمه الله—في مستقر رحمته وواسع جنّاته.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
رحم الله من مضى، وبارك لنا في من بقي، وجعل ذكراهم نورًا لا ينطفئ في قلوبنا.