حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
بلغت كأس أمم إفريقيا مراحلها الختامية، ولم يعد يفصل القارة السمراء عن لحظة التتويج سوى صافرة نهائي طال انتظاره. وبين ضجيج البداية وهدوء العدّ التنازلي للنهاية، برزت حقيقة واحدة فرضت نفسها دون حاجة إلى دعاية أو تبرير: المغرب لم ينجح فقط في احتضان “الكان”، بل قدّم درسًا متقدّمًا في معنى التنظيم، الجاهزية، والتحكم في التفاصيل الدقيقة، حتى حين كانت الظروف المناخية تضع الجميع أمام اختبارات صعبة.
منذ المباراة الافتتاحية، بدا واضحًا أن الأمر لا يتعلق بدورة عادية، بل بمشروع متكامل اشتغل عليه البلد بعقلية احترافية، حيث تضافرت البنية التحتية الحديثة، والتخطيط المحكم، والقدرة على التدبير المرن للأزمات. ملاعب جاهزة، ممرات منظمة، توقيت مضبوط، وخدمات لوجستية اشتغلت بسلاسة لافتة، وكأن البطولة تُدار بعقل ساعة سويسرية لا تترك مجالًا للارتجال.
غير أن العنصر الأهم، والذي غالبًا ما يُغفل في تقييم نجاح التظاهرات الكبرى، هو الجمهور. فالجماهير التي لم تكن مجرد ديكور صوتي، بل شريك أساسي في إنجاح أي بطولة ، حيث قدّم المشجع المغربي صورة حضارية نادرة في الملاعب الإفريقية: لا اقتحام لأرضية الميدان، لا عنف يُذكر داخل الملاعب أو في محيطها، ولا مشاهد فوضى تُفسد متعة الفرجة. ساد الانضباط، واحترام المنافس، والالتزام بتعليمات المنظمين، في مشهد يعكس وعيًا جماعيًا راكمته التجربة، وثقافة رياضية نضجت مع الزمن.
هذا السلوك لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تفاعل إيجابي بين الجمهور، والمنظمين، والسلطات المحلية والأمنية، وكل المتدخلين الذين اشتغلوا في صمت، ما جعل البطولة تمر بسلاسة حتى في لحظات الضغط القصوى ، كالظروف المناخية القاسية أحيانًا، والرطوبة المرتفعة أحيانًا أخرى، لكنها لم تمنع الآلة التنظيمية من الاستمرار بثبات، كاشفة عن بلد يمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على تدبير التظاهرات القارية والدولية بثقة واقتدار.
وسط هذا السياق، جاءت شهادة وليد الركراكي، صادقة وبسيطة كعادته، حين وصف الجمهور المغربي بعبارته الشعبية المكثفة: “اللي بغا يقتل كلبو كيقول فيه السعار”كردًا على أصوات حاولت التشكيك والترويج لفكرة “الامتيازات”. ، لخصت الكثير من الجدل المفتعل. مؤكدا على أن المغرب استحق كل انتصاراته داخل الملعب، دون أسرار خفية أو كواليس مظلمة، بفضل ذاك جيش المشجعين، 65 ألفًا في المدرجات، المدعوم بالحضور الجماهيري الكثيف خلف الشاشات، يمدون اللاعبين بطاقة لا تُقاس بالأرقام.
كان جواب الركراكي عمليا ومفحما لكل محاولات التشكيك في لعبة لا تعترف إلا بما يحدث في النهاية فوق العشب، كلما كان الأداء مقنعًا، والانتصار مستحقًا، فإن بقية الكلام يسقط تلقائيًا خارج الحسابات.
والأهم من كل ذلك، أن هذه النسخة من “الكان” لم تكن هدفًا في حد ذاتها، بل محطة ضمن مسار أكبر ، يبدو المغرب جاهزًا، ليس فقط لإنهائها بنجاح، بل لاحتضان رهانات كروية أضخم، بعقلية احترافية وتنظيم يضاهي كبريات التظاهرات العالمية. مونديال 2030 الذي لم يعد حلمًا بعيدًا، بل أفقًا يُبنى لبنةً لبنة، فوق أرضية صلبة اسمها التجربة، والثقة، والوقائع الملموسة.
ولعل شهادة المدرب إيريك شيل- الذي لم يكن يُجامل، بل يصف ما رآه بعين مدرب عاش التفاصيل من الداخل.- في المؤتمر الصحافي الذي أعقب نصف النهائي بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، جاءت لتُغلق باب النقاش. بتهنئة حارة للمغرب على “التنظيم الاستثنائي” لهذه النسخة من كأس إفريقيا للأمم 2025، وعلى التأهل إلى النهائي الذي كان عن جدارة واستحقاق، لم يكن يُجامل، بل يصف ما رآه بعين مدرب عاش التفاصيل من الداخل.
لم يتبق سوى النهائي، والرسالة وصلت بالفعل: المغرب بلد قادر على الجمع بين كرة القدم، والسياحة، والتنظيم المحترف، والانتصار. وحين تتكلم الوقائع، يصبح الانتظار مجرد إجراء شكلي قبل أن يُشيد الحلم بنتيجته.