كرة القدم المغربية، لا تموت بتعادل لكنها قد تختنق بضجيج أبنائها !

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

لا شك أن من تابع الولولة الجماعية، والصراخ الهستيري، والبكاء الحار، واللطميات الرقمية التي أعقبت تعادل المنتخب المغربي مع نظيره المالي (1–1)، في الجولة الثانية من دور المجموعات لكأس إفريقيا 2025، سيظن – لو لم يشاهد المباراة – أن المنتخب الوطني قد انهزم بسداسية نظيفة، أو خرج من البطولة مكسور الجناح، أو أن “الكرة المغربية” قد لفظت أنفاسها الأخيرة بين شوطي المباراة.
أما من شاهد المباراة فعلاً، فسيجد نفسه أمام لغز محيّر:
لغز شعب يريد فوزًا دائمًا، بلا لعب، بلا منافس، بلا تعب، وبلا منطق كروي.
فجأة، تحوّل التعادل – نعم التعادل، تلك النتيجة التي تعيش في قلب قوانين كرة القدم – إلى جريمة وطنية، تستوجب المحاسبة، والإقالة، وإعادة كتابة تاريخ الكرة المغربية من الصفر.
المنتخب لم يكن منسجمًا؟ صحيح. الفرص قليلة؟ نعم. الروح القتالية لم تكن في ذروتها؟ ممكن. لكن منذ متى أصبحت هذه الملاحظات إعلان حداد على كرة القدم الوطنية؟
من يسمع بعض التحليلات المغربية بعد المباراة، سيعتقد أن منتخب مالي فريق هاوٍ، تشكّل صدفة، وجاء إلى كأس إفريقيا للتنشيط السياحي لا أكثر.
مع أن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا: منتخب مالي فريق شرس، منسجم، يضم نخبة من اللاعبين الشباب القادمين بقوة، ويحمل مشروعًا واضحًا وطموحًا لإسعاد شعبه بلقب قاري أول.
لكن المشكلة ليست في مالي، بل في خيال بعضنا. نحن نريد منتخبًا يفوز دائمًا، وفي كل مباراة، وبكل الطرق، وبأقل مجهود…
نريد كرة قدم بلا منافسة، بلا صراع، وبلا مفاجآت. نريد – باختصار – أن نلعب لوحدنا فوق المستطيل الأخضر.
وهذا، للأسف، يخالف قاموس كرة القدم، الذي يقوم – لمن نسي – على ثلاث نتائج: فوز، تعادل، هزيمة.
ولا يمكن حذف أي واحدة منها إلا إذا لعب المنتخب وحده، ووقف الخصم يصفق.
لأن كرة القدم – على عكس ما يعتقد محللو “الواتساب” – تُحسم بجزئيات صغيرة: تمركز، قرار، لحظة شرود، كرة ثابتة، نفس طويل… والميدان له أهله.
ومهنة التدريب ليست في متناول “من هبّ ودبّ”. فالفرق بين الكلام والنزول إلى الملعب، كالفرق بين من يقول “العصيدة باردة” ومن يضع يده فيها.
الحقيقة البسيطة التي ضاعت وسط الضجيج: مباراة المغرب ومالي كانت معركة كروية حقيقية، فوائدها أكثر من سلبياتها.
درس عملي في التنافس الإفريقي، وفي حدود التفوق، وفي ضرورة التصحيح.
ولهذا، يستحق منتخب مالي الشكر، لا الشتم، لأنه أجبرنا على رؤية عيوبنا بدل تغليفها بالنتائج.
أما دعاة:”أقيلوا وليد الركراكي فورًا، وعيّنوا طارق السكتيوي قبل فوات الأوان”،فهم نفس الأشخاص، نفس المنطق، نفس الذاكرة المثقوبة ، التي جلد أصابها السكتيوي جلداً بعد تعادل في كأس العرب أمام عمان، واتهموه حينها بالإفلاس التكتيكي، والزروقية، وقلة الحيلة.
المنطق الرياضي العميق لا يُدار بالعاطفة وحدها، ولا بانفعالات المدرجات، بل بالمعطيات، وبالمسار، وبالقدرة على التكيّف مع ضغط المنافسة.
الفرق تُبنى في الأوقات الصعبة، لا في صور الاحتفال ، والوقوف مع الفريق حين يفوز أمر سهل ، أما دعمه في لحظات الشك والتراجع والضغط، فهنا يُقاس صدق الانتماء.
والمشجع الحقيقي لا يظهر فقط في الانتصارات ، كمشجعي اللحظة الذين يصفقون للنتيجة. أما الأوفياء فيساندون المشروع.
المطلوب اليوم ليس إعلان الطلاق مع المنتخب الوطني، ولا رفع المشانق الإعلامية، بل مساندته حتى يحوّل ضعفه إلى قوة، وتردده إلى روح قتالية، ويواصل مساره الذي اعتاد – رغم تعاقب الأجيال والنجوم – أن يحافظ فيه على حضوره القاري.
أما كرة القدم المغربية، فلا تموت بتعادل…
لكنها قد تختنق أحيانًا بضجيج أبنائها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *