حميد طولست، كاتب ساحر وناقد اجتماعي.
من حقّنا اليوم أن نتكلم، لا لأننا نعشق الخصومات الكروية، ولا لأننا نهوى تبادل التهم بين الجيران، بل لأن الصمت أحيانًا يتحوّل إلى نوع من التواطؤ مع العبث. ولسنا مُطالبين – لا أخلاقيًا ولا رياضيًا – أن نُجمّل القبح، أو نُسمّي الاتهام المجاني “رأيًا محترمًا”، أو نصف الخيال المريض بـ“تحليل كروي”.
ثم إن الله، كما جاء في كتابه الكريم، لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم… ويبدو أن كرة القدم، في منطقتنا، أصبحت واحدة من أكثر ساحات الظلم صخبًا.
آخر فصول مسلسل هذا الظلم الرديء، اتهام فوزي لقجع – الرجل الذي لم يعد يُتهم فقط بتطوير الكرة المغربية، بل صار متهمًا أيضًا بالتحكم في الحكّام، والنتائج، وربما حركة الرياح فوق الملاعب – بالتأثير على التحكيم لصالح المنتخب النيجيري.
وهنا، اسمحوا لنا بسؤال بريء، يكاد يكون طفوليًا: لو كان لقجع يملك فعلًا هذا النفوذ الأسطوري، فلماذا اختار لمنتخب بلاده نيجيريا كخصم؟
ألم يكن من الأجدر، حسب منطق “المؤامرة الذكية”، أن يختارالجزائر؟
ألم يكن أكثر “اقتصادًا في الجهد”؟
ألم يكن أكثر “أمانًا في الحسابات”؟
فالمنتخب المغربي، شئنا أم أبينا، يقف اليوم على قمة الكرة الإفريقية: الأغلى من حيث القيمة السوقية، الأكثر استقرارًا تقنيًا، والأوضح مشروعًا وهويةً.
في المقابل، فإن المنتخب الجزائري – مع كامل الاحترام لتاريخه – يعيش منذ سنوات حالة تذبذب لا تخطئها العين، بين تغييرات تقنية، وأداء متراجع، ونتائج لا توازي الضجيج المصاحب لها.
منطق الكرة يقول – حتى لمن لا يعرف التسلل من الركنية – إن مواجهة الجزائر اليوم أسهل نظريًا من مواجهة نيجيريا.
نيجيريا التي تفيض بالمواهب، وتملك لاعبين في أقوى الدوريات، وتعرف كيف تحوّل المباراة إلى معركة تفاصيل لا تُؤمَن عواقبها.
فهل يُعقل أن “المتآمر” يختار الطريق الأصعب؟
هل الساحر الحقيقي يُصعّب تعاويذه على نفسه؟
أم أن المشكلة ليست في فوزي لقجع، بل في عادة قديمة… اسمها الهروب من الاعتراف بالتراجع؟
في كل مرة تخسر فيها بعض العقول مباراة، تبحث عن شماعة: مرة الحكم، مرة الكاف، مرة المغرب، ومرة “اللوبي”.
أما الحقيقة البسيطة، المؤلمة أحيانًا، فهي أن كرة القدم لا ترحم من يتوقف عن التطور، ولا تجامل من يعيش على أمجاد قديمة.
المغرب لم ينتصر لأن لقجع “ضغط على زر سري”، بل لأنه اشتغل، صبر، وبنى مشروعًا.
والمواجهة مع نيجيريا لم تكن مؤامرة، بل اختبارًا حقيقيًا… اختاره منتخب لا يخشى أحدًا.
أما من يرى في كل فوز مغربي مؤامرة، فربما عليه أن يراجع التشكيلة…
لا نظرية المؤامرة.