مسخرة سياسية جديدة. مهزلة تحول المثقف إلى “مؤثر” في حضرة الذومالي السياسي !

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

المقدمة
في المشهد السياسي المغربي، لم نعد بحاجة إلى أجهزة قياس دقيقة لمعرفة مستوى الوعي العام؛ يكفي أن نتابع مهرجانًا خطابيا واحدًا لنعرف أين يقف العقل، وأين تجلس السلطة، ومن منهما يُصفّق للآخر. ما حدث في الاستعراض الخطابي الأخير الذي تتبعت عبر “النت “لعزيز أخنوش لم يكن ندوة سياسية، بل كان—بكل شفافية—ورشة لإعادة تدوير المثقف في قالب استهلاكي، يُباع فيه الوعي بالجملة ويشترى بالتأثير.
ولأن المغرب بلد المفارقات الكبرى، فقد وجدنا شبابًا يُفترض أنهم من طليعة العقول، يتدافعون للدفاع عن رجل لم يُعرف عنه لا نضال ولا رؤية، لكن عرف عنه شيء واحد: ثروة تكفي لشراء كل الأصوات… ما عدا صوت الحقيقة.
المشهد لا يحتاج إلى تحليل سياسي عميق؛ يكفي أن ترى مثقفًا قضى سنوات من عمره بين الكتب، وهو يبرّر سياسات لا علاقة لها بالمعرفة، لتدرك أن الكارثة ليست في فساد السياسي، بل في قابلية المثقف للتأجير الفكري.
لم يعد بعض المثقفين ينتجون المعرفة، بل ينتجون رِضا مصطنعًا حول السلطة، تمامًا كما وصف تشومسكي عملية “إنتاج الرضا”، لكن مع نسخة محلية مُحدّثة تتحدث بلغة “الذومالية”: مزيج غريب بين عبادة المال ومحاولة تبريره فلسفيًا.
هؤلاء الشباب الذين يفترض أنهم صفوة الجامعة، يتحولون عند الحاجة إلى فرقة مديح سياسي، يعرفون جيدا مقامات “التطبيل” أكثر مما يعرفون مقامات الفكر. ومهمتهم، كما يبدو، ليست قول الحقيقة، بل تحسين صورة رجل “غني في جيبه، فقير في رؤيته”.
وحين تحدث ميكيافيلي عن أن الحكم يحتاج إلى القوة والفطنة أكثر مما يحتاج إلى الأخلاق، لم يكن يتخيّل أن يأتي يوم يصبح فيه المثقف نفسه هو من يتنازل عن فطنته طوعًا، ويقف بكل ارتياح تحت مظلة السلطة، متنازلاً عن آخر ما يربطه بدوره الأصلي: النقد، التنبيه، والمساءلة.
السياسي قد يستعمل القوة، وقد يُغري بالمنفعة، وقد يراهن على الخوف لتشكيل الولاءات؛ كل هذا مفهوم ضمن قواعد اللعبة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا حقًا هو:
ما الذي يدفع العقل إلى الاستسلام؟ ما الذي يجعل المثقف يتحول إلى ظل باهت لرجل لا يملك من قاموس السياسة سوى لغة المال؟
الجواب مؤلم لكنه واضح: حين يسقط المثقف، يسقط الوطن مرتين—مرة أمام السلطة، ومرة أمام ذاته.
قال أنيس منصور: “إن الناس يختارون من يقنعهم لا من يفكر عنهم”.
لكن الواقع المغربي طوّر هذه المقولة إلى نسخة أكثر مرارة:
الناس يختارون من يخيفهم، ومن يَعِدهم بمقعد في الصف الأمامي إن صفقوا بما يكفي.
أما تشومسكي فكان سيجد في المشهد المغربي مادة ميدانية غنية: الإعلام، والسياسة، والمثقف، والجامعة… كلها تعمل، عن قصد أو عن غفلة، على “هندسة” ولاء جديد عنوانه: ليس المهم أن تفكر، المهم أن تكون في صف الأقوى.
وفي مجتمع تتراجع فيه قيمة المدرسة، ويُختزل فيه الوعي إلى “ترف طبقي”، تصبح الثروة هي الطريق الأسرع نحو النفوذ، ويمسي الدفاع عن السياسي الغني فعلاً نفسيًا أكثر منه موقفًا فكريًا.
إنه دفاع عن وهم الصعود السريع… ولو على حطام الضمير.
فظاهرة المثقف الذي يتماهى مع السياسي الغارق في المال ليست سوى نسخة حديثة من علاقة العبد بسيده:
انبهار بالقوة، انجذاب إلى القرب، وتخلي تام عن الحرية الداخلية.
الفرق الوحيد أن العبد القديم كان بلا تعليم، أما العبد الجديد فغالبًا حامل لشهادات عليا… مع شهادة إضافية في “فن تبرير ما لا يُبرر”.
وحين تُقطع العلاقة بين الفكر والفعل، يتحول العقل إلى أداة تبرير رخيصة.
لا يضيء، لا ينبه، لا يقاوم.
بل يزيّن، ويجمّل، ويصفّق.
وفي الختام لا يمكن لوطن أن ينهض بسياسيين أقوياء في المال وضعفاء في الرؤية، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في السياسي نفسه، بل في المثقف الذي يفرش له الطريق بالتصفيق.
السياسة، في جوهرها، امتحان للضمير قبل أن تكون لعبة مصالح.
والمثقف الذي يبيع ضميره بثمن رخيص لا يسقط عن دوره فقط… بل يُسقط فكرة النخبة من أساسها.
قد ينهار الاقتصاد، وقد تُخطئ الحكومات، وقد يضل السياسيون الطريق؛ كل هذا يُصلح مع الوقت.
لكن حين ينهار الضمير الفكري، وحين يتحول المثقف إلى “ذومالي”،
حينها فقط نفهم أن الخطر الحقيقي ليس في السلطة…
بل في العقل الذي قرر أن يصفق بدل أن يفكر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *