مسخرة محمد سعد برادة: الوزير الذي اكتشف أن الجودة توجد دائماً… بعيداً

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في زمنٍ تُقاس فيه جودة التعليم بمدى قدرة الوزراء على اختراع مبررات جديدة لفشل المنظومة، خرج علينا وزير التربية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، بتصريحات تصلح أن تُدرّس في معاهد “فن تبخيس المدرسة العمومية”.
الرجل، خلال لقاء حزبي بميسور، لم يخطئ فقط في السياسة، بل تفوّق على نفسه في الكوميديا السوداء.
مذكرات وزير… لا علاقة لها بوزارته
بدأ السيد الوزير حكايته كما يبدأ كتّاب السير الذاتية عادة:
“لأدرس جيدا أرسلني أبي لبلاد بعيدة…”
تصريح حميمي ولطيف… لولا أنه جاء من وزير مسؤول عن تعليم ملايين الأطفال الذين لم يُتح لهم لا السفر ولا البعيد ولا حتى القريب أحياناً.
وبدل أن يكون هذا التذكير دافعاً لتحسين المدرسة العمومية، تحوّل إلى إشهار مجاني للمدارس الأجنبية، وإلى توجيه مباشر للأسر كي تبحث عن “بدائل” لا يستطيع 90% من المغاربة دفع رسومها، حتى لو باعوا عشاءهم اليومي واشتراك الإنترنت الذي يتابع منه الوزير نفسه هذه النصائح.
المدرسة الرائدة… ومسار السيدة نصف الساعة
لم يكتف الوزير بتعريفنا بمسيرته الدراسية، بل قدّم حالة دراسية مؤثرة:
سيدة من ضواحي الدار البيضاء تقطع نصف ساعة يومياً لتوصل ابنتها إلى “مدرسة رائدة”.
والوزير يروي القصة بنبرة من اكتشف للتو أن التضحية قيمة وطنية يجب أن تُمارس في اتجاه واحد:
من المواطن نحو المدرسة العمومية… وليس العكس.
أما السيدات اللواتي فضّلن مدرسة قريبة – لأنها الوحيدة المتاحة – فقد نالهن نصيب من اللوم، وكأنهن اخترن المدرسة الأقرب لا لغياب البدائل، بل لكسل تربوي مزمن.
“الأستاذ الجيد”… معدن نادر يجب التنقيب عنه
وبعين الخبير في الموارد الطبيعية، قدّم الوزير نظرية جديدة:
قرب المدرسة من البيت لا معنى له، المهم هو الأستاذ الجيد.
وإلا فابنك – حسب نظرية برادة – قد لا يحصل على البكالوريا، لأنك ضيّعت عليه “ربع ساعة من النقل”.
ومع هذا المنطق، يبدو أن الوزارة تستعد لإصدار تطبيق جديد:
“GPS الأستاذ الجيد”
ابحث عن موقعه، ثم انتقل إليه حيثما كان… المسؤول العمومي لن يأتي به إليك.
غضب مهني… متوقع ومفهوم
تصريحات الوزير لم تمر مرور “النكتة الثقيلة”.
نساء ورجال التعليم اعتبروها إهانة مباشرة لمهنتهم وللمدرسة التي يسهرون داخلها على ما تبقى من هيبتها.
الصفحات المهنية على مواقع التواصل تداولت المقطع مرفوقاً بتعليقات لاذعة، بعضها قال صراحة:
“الوزير باغي يلصّق الفشل فالآباء… ويخرج منها بحال الشعر من العجين”.
وهو انطباع لا يبدو مجانياً: فالسيد الوزير لم يتحدث عن برامج، ولا عن إصلاحات، ولا عن نوايا تحسين الجودة، بل اختار الحل الأسهل:
“سير قلب على الجودة… على الله تلقاها”.
خلاصة الكرونيك: ما هكذا تُخدم المدرسة العمومية
يمكن للوزير أن يخطئ في التقدير، أو في التواصل، أو في الحسابات السياسية.
لكن أن يخطئ في الانتماء الطبيعي لوظيفته، فهذه درجة جديدة من “التمشخير”.
فالمدرسة العمومية ليست حيّاً صناعياً كي يُقال للمواطن:
“قلب على المصنع اللي خدام فيه مزيان”.
هي خدمة عامة…
ومسؤولية دولة…
وموقع شرف لمن يتولى حقيبتها، لا مناسبـة للبوح بقصص السفر العائلي.
تصريحات محمد سعد برادة ليست سقطة عابرة.
إنها مسخرة سياسية مكتملة العناصر:
وزير يتباهى بتجربة خارجية، يروّج لحلول لا يستطيع المواطن تحمّلها، ويلوم الناس على قرب بيوتهم من مدارسها.
ولولا أنها حقيقية لقلنا إنها مادة من تأليف ساخر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *