مناظرة عصيد ولحلو: عندما يغيب الحجاج ويعلو لغط “زمّطو”

حميدطولست

في واحدة من أبرز المناظرات الفكرية التي شهدتها الساحة الثقافية المغربية مؤخرًا، التقى الأستاذ أحمد عصيد، المفكر والناشط الحقوقي المعروف، والدكتور طلال لحلو، الباحث في الفكر الإسلامي، في نقاش علني حول مراجعة مدونة الأسرة وقضية المساواة بين الجنسين. وقد كان يفترض أن تشكّل هذه المناظرة لحظة عالية من لحظات التفكير العمومي، ومنصة لتقاطع الرؤى وتباين المرجعيات، إلا أنها تحوّلت في أعين جزء كبير من المتابعين إلى ما يشبه مباراة لكرة القدم، حيث لا تهم الأفكار بقدر ما تهم هوية “صاحبها”.
فالمناظرة التي دارت بين طرفين مختلفين في الخلفية والمنهج والتكوين، قُرئت من طرف كثيرين بمنطق صدامي اختزالي، بلغ حدّ اعتبار أن الدكتور لحلو “أفحم” الأستاذ عصيد فقط لأنه “تحدث بالفرنسية”، وهي العبارة التي تكررت بكثافة في تعليقات منصات التواصل تحت شعار: “زمطو”.
لكن الحقيقة أن الدكتور لحلو لم يتحدث بالفرنسية الأكاديمية، بل استعمل خليطًا من الدارجة والـ” Largot) ” الفرنسي، أي الفرنسية السوقية، في مقابل لغة فرنسية دقيقة ومحكمة تحدث بها الأستاذ عصيد عندما اقتضى السياق. الأهم من ذلك، أن المحتوى كان غائبًا تمامًا في ذهن كثير من المتابعين، بل إن نسبة معتبرة من الجمهور لم تفهم أصلًا موضوع المناظرة ولا أطروحات الطرفين، فاختزلته في مظهر لحلو، ولحيته، و”أسلوبه الحماسي”.
والمؤسف أن بعض صفحات التيار الإسلامي استثمرت في هذا التلقي العاطفي، وروّجت أخبارًا غير موثقة، من بينها أن جريدة Les Éco صنّفت أطروحة لحلو الاقتصادية كأفضل أطروحة لسنة 2020، وهو ادعاء تم نفيه بعد التحقق، إذ لم تنشر الجريدة المذكورة أي مادة بهذا الخصوص، ولا وجود لهذا الخبر في أي مصدر موثوق باستثناء موقع “هوية بريس” الذي اكتفى بنقله دون أدلة.
رغم كل الجدل، لا يمكن إنكار أن المناظرة كشفت حجم الحاجة إلى نقاشات عمومية رصينة. لكن من الناحية الأكاديمية، بدا واضحًا أن المناظرة كانت غير متوازنة رغم فائدتها، وان المواجهة لم تكن متكافئة. فالأستاذ أحمد عصيد ركز مداخلته على مرتكزات دستورية وحقوقية واضحة، خصوصًا الفصل 19 من الدستور المغربي، إضافة إلى المواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة. حيث أن أطروحته كانت مضبوطة، واستدلاله منهجي، ومفاهيمه محددة بدقة، من قبيل “الكرامة”، و”المصلحة الفضلى للطفل”، و”الاجتهاد التنويري”.
وفي المقابل، فقد كان تدخل الدكتور لحلو عبارة عن مرافعة انطلقت من مرجعية دينية وأخلاقية، ركّز فيها على صور رمزية ومخاوف مجتمعية حول الأسرة والقيم والغرب، لكنها افتقرت إلى البناء البرهاني الصارم، وإلى تفكيك حقيقي لأطروحة الخصم. كما أن ضبط المفاهيم كان في الغالب أقرب إلى الخطاب التعبوي من اللغة المنهجية الدقيقة، ما جعل من تدخله أقرب إلى الخطابة الوعظية منه إلى المرافعة الفكرية.
اللغة وعطب التلقي
ومن أعجب المفارقات ،أن الجدل الذي أثارته المناظرة لم يركز على جوهر النقاش: هل المساواة بين الجنسين ممكنة وضرورية في السياق المغربي؟ هل المرجعية الدستورية أسمى من المرجعية الدينية؟ كيف يمكن قراءة النصوص الفقهية في ظل المتغيرات الاجتماعية؟ وتركز الجدل على من “زمّط من”، في ما يشبه مباريات الهواة. والأسوأ أن كثيرًا من المتابعين لا يفهمون لا الفرنسية ولا مفردات الخطاب الحقوقي، ومع ذلك يصدرون أحكامًا قطعية على معركة لم يستوعبوا شروطها ولا مفرداتها.
هذا الخلل لا يعني فقط غياب التمكين المعرفي، بل يكشف أيضًا عن تحول النقاش العمومي إلى معارك هوية، حيث يكفي أن يكون المتكلم “ذو لحية” أو “يحمل خطابًا دينيًا” ليحظى بتصفيق جمهور لا يسائل الأفكار، بل يباركها لأنها ببساطة “تشبهه”.
في النهاية: كلنا يعلم أن المناظرات الفكرية ليست سباقًا للصراخ أو مسابقة في رفع الصوت، بل مساحة لتقابل الحُجج ومقارعة الأفكار. والانتصار فيها لا يُقاس بعدد المتابعين أو عدد التعليقات على فيسبوك، بل بمدى الالتزام بالمنهج العلمي، وضبط المفاهيم، وتقديم البدائل العقلانية المتماسكة. ومن هذا المنظور، قدّم الأستاذ عصيد مرافعة أكثر انسجامًا واتزانًا، بينما قدّم الدكتور لحلو خطابًا قويًا في العاطفة ضعيفًا في الحجاج.
ومع ذلك، تبقى هذه المناظرة علامة إيجابية في المشهد الفكري المغربي، لأنها تُحيي ثقافة المناظرة التي غابت طويلًا، وتنقل النقاش من التهييج إلى التحليل. لكن إن كنا نطمح فعلًا إلى مجتمع يعرف كيف يناقش، وكيف يختار، وكيف يقارن بين الرؤى، فعلينا أولًا أن نرتقي بلغة التلقي، وأن نكفّ عن تحويل كل اختلاف إلى صراع هوية، وكل حوار إلى معركة تصفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *