ابوعلي الغزيوي
تقديم:
إذا كانت العلوم الإنسانية بالأمس أسيرة الفلسفة، وأسير تصور فيلسوف واحد، يختزل كل المقترحات التاريخية للممارسات التفلسفية في هذا المنجز الواحد المفرد، لم تعد هذه العلوم الإنساوية ولم تعد كمفهوم وممارسة، التي ستصبح من المسلمات التي تستبد بالتعريف وتقيده فهما وممارسة، فالمقترح الذي أقدمنا على دراسته تبدت حالات الانفصال واضحة، فالبعد الإنساني بدأت تتلاشى أو تتراجع أمام إقدام حداثة
عرفت العلوم الإنسانية تطورا مهما مع نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين واتخذت طابعا علميا، بحيث كشفت وجود اختلاف وتنوع في الثقافات، حيث تحطمت معه مركزية العقل الغربي، وبهذا تراجعت الأنساق الفلسفية التي ترسم بدايتها من عهد أفلاطون إلى هيجل، لكن فوكو رأى أن هذا التراجع ظهر كع نيتشه وماركس وفرويد، حيث كشف لنا عن الاختلاف لهذه القيم والثقافة والسياسة التي كانت تتحكم في كل فعالية غربية، ووجد مكانا جديدا انطلاقا من السؤال المركزي ما حاضرنا؟
فهذا السؤال المركزي قربه إلى إبراز الأبعاد الابستيميات التي تحكمت في إبداع المعارف والأفكار، وسيعتبر نفسه أنه القادر على معرفة هذا النسق المتحكم في العقل الغربي وذلك بواسطة البعد الإثنولوجي والاركيولوجي والجنيالوجي (النتشوي، فهذه النماذج العليا المسطرة من طرفه سيجعله ينفلت من الطابع الميتافيزيقي والعليانية الهيجلية (الضرورة والشمولية والغائبية)، فهذه القطائع هي تدمير الفكر لأنه لم يهتم بالإنسان ككائن مفكر متميز، لأنه فكر الأنوار هو عبارة عن تزوير من طرفه لأنه لم يهتم بالإنسان إلا مع القرن 19، وحاولت العلوم الإنسانية اكتشاف الأنظمة المتحكمة في الإنسان بعد إعلان موت الله وموت الإنسان، وهذا ما أكده في كتابه “الكلمات والأشياء”، حيث أكد فيه أن عصرنا هو هروب من الجنس الهيجلي ومن الماركسية والوجودية وخاصة سارتر، فهذا الأخير هدفه هو البحث عن الإنسان الحر ثم دعا مفكري الفينومينولوجيا إلى الاستيقاظ من السبات الانتربولوجي، لأن الاعتماد على الذات المعرفية هو انتقال من طابع كلاسيكي إلى طابع ابستيمي حديث ومعاصر، لأنه تاريخ تغير الأماكن والصراع والخضوع، إذن ما العلوم الإنسانية؟ سؤال بديهي وأساسي، لأن فوكو رأى في كتابه “الكلمات والأشياء” أن علم الاجتماع هو الطاغي في العالم الفرنسي والإنجليزي، لأن الإنسان حسب فوكو كان جزءا من البيولوجيا والفيزيولوجيا.
إذن كيف ظهر هذا الكائن الحي؟ وما هي العلوم الإنسانية؟ كيف تكون البعد البرديكمي؟
أسئلة كثيرة ومتنوعة تقربنا إلى كتاب ديلتاي “مدخل إلى العلوم الإنسانية” حيث يحاول الدلتاي أن يميز بين العلوم الثقافية والعلوم التجريبية، فالأولى ترتبط بالفهم، والثاني ترتبط بالبعد التقنيني، وهذا ما أكده ليفي شتراوس في كتابه “الانتريولوجيا البنيوية” وأيضا في كتاب “الكلمات والأشياء” ص: 335 و398، لأن العلوم الإنسانية تعتمد على الفهم الثقافي حينما تم الالتفات إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية والنفسية الإنسانية، وبذلك أصبح موضوع الإنسان تؤطره الوضعيات المغايرة، وضعيات تجاوزت فيها الفلسفة علمية العلوم الإنسانية وخاصة مع ليفي شتراوس وياسبرز الذي أكد باستحالة موضوع علم الاجتماع وعلم النفس باعتبارهما كاريكاتير للفلسفة (Initiation à la méthode, philosophique, P : 92)، إذن فالفسفة تنازلت عن مكانتها للأداب وللمنطق وللسانيات، وللعلوم الإنسانية كما يرى فوكو (Lecture pour tous, FR3) (حوار) فهذه العلوم الإنسانية تعيش عصرها الذهبي في الأنتولوجيا والأنترولوجيا واللسانيات والتحليل النفسي والتاريخ، وهذا ما جعل فوكو بدوره يرفض أن يكون فيلسوفا أو مؤرخا “كتاب لهيدت وابت” (البنيوية وما بعدها) سلسلة عالم المعرفة، ع.206، ص: 127. وفي أركيولوجيا المعرفة، ص: 18، فنصوص فوكو لا يمكن تصنيفها، حيث أصبحت هذه الذات فجوة لمرور الخطاب، فلم يعد هناك وعي للذات ولم تعد هناك فلسفة بالمعنى الكلاسيكي، إذن لم تعد الرؤية الديكارتية ولا الكانطية ولا السبينورية أمام التحولات البنيوية مع ليفي شتراوس وسوسيرو فوكو…
وهذا ما يؤكده الطاهر وعزيز “البنيوية”، ص: 33 في هذا العدد ” فالعلوم الإنسانية إما أن تكون بنيوية وإنما أنها لن تكون أبدا”. فالعلوم الإنسانية قبل شتراوس قسمت الواقع لتحتفظ بما هو لا متغير من أجل بناء علاقات ثابتة، فهذا الفراغ سيحاول ليفي شتراوس أن يسده وذلك بالبحث عن الثابت وراء الكثرة والتنوع (البنيوية) ص: 20. لذا نجد أيضا جلاكان في أطروحته المرأوية واللاشعور وأيضا ليفي شتراوس بالنسبة لدراسة الكجتمعات وخاصة في كتابة “البنيات الأولية للقرابة” وديريدا في قراءته سوسير قد اعتبر نصوصه ليست علمية، فقد أقصى الكتابة لصالح الكلام باعتبارها وسيلة تستخدمها الميتافيزيقيا لتجعل من الزمن نقطة فتمنح لنصوصها صفة الحضور وخاصة في كتابه “دروس في اللسانيات العامة” فهذا المؤلف هو عبارة عن رؤية ميتافيزيقيا غريبة من حيث أن الصوت هو كذلك الحضور المركزي كما نرى في كتاب جونتان كلر “جاك ديريدا البنيوية وما بعدها” العدد 206، ع: المعرفة، ص: 224و225 – فديريدا يتعامل مع نصوص العلوم الإنسانية بأنها نصوص فقط وأنها جزء من تاريخ الميتافيزيقيا والمركزية الغربية، ويرى حركة هذه العلوم الإنسانية أنها مسيجة بمركزية العقل فهو الذي يحدد تاريخ الفلسفة وهو بذلك لا يتساءل عن أسسها الإبستيمية في هذه العلوم ومناهجها، بل دخل في نقاش مع اللسانيات والإتنولوجيا من أجل الاستمرار في قراءة الفلاسفة بطريقة ما” كما جاء في الكتابة والاختلاف، ص: 296 و421.
وهذا التصور لا يدل على موضوعية علمية، بل ينطلق من فكر المفكر وتأملاته وتأويلاته، وذلك حسب التوظيف والممارسة، لأن الفلسفة كما نعرف قد هيمنت طيلة فترة طويلة، لكن مع هذه الهزات المعرفية بدأت العلوم الإنسانية تبحث عن مواضيعها وخصوصياتها التي تميزها عن الخصوصية الفلسفية، إذن أننا فعلا أمام أنماط مختلفة ومتنوعة من التعالق بين الفلسفة والعلوم الإنسانية، لذا عمل فوكو باستخدام المنهج الأركيولوجي وديريدا بالمنهج التفكيكي.
ويكون في هذا الصدد فوكو في كتابه “نظام الخطاب وفي جينيالوجيا المعرفة” ترجمة أحمد السطات وعبد السلام بنعبد العالي، 1988، ص: 30.
“إن عرصنا كله حاول بكل الوسائل أن يفلت من قبضة هيجل سواء عن طريق الابستولوجيا أو عن طريق ماركس أو عن طريق نيتشه”.
وانطلاقا من هذا الطرح الفوكاوي نستشف أن الفكر لابد أن ينفلت من هيمنة الفكر المثالي دون طرح الاختلاف مع الماركسية والوجودية والفينومينولوجيا كما يرى ميرلوبانتي وأيضا كما يرى زكريا ابراهيم في كتابه “دراسات في الفلسفة المعاصرة”، ج.1، ص: 495، من هنا نستخلص أن الفكر الفرنسي هو فكر هيجلي نجه عند سارتر وعند ماركس (الشبا الإنساني – الهيجلي) الذي ينادي بالوحدة الشمولية للوجود الإنساني، وصاحب نظرية الفينومينولوجيا (ميرولوبونتي حافظ على الروح الهيجلية وخاصة في تعامله مع التراث، حيث وظف عدة مفاهيم كالماهية – والأنا والوعي والذات، وهذا يساير ما طرحه هيبولت الذي ترجم كتاب “فينومينولوجيا الروح” إلى اللغة الفرنسية، لأن الشمولية والتاريخ والعقل والكلية كلها مفاهيم أعاد فيها فوكو النظر وخاصة في كتابه كما يقول السيد ولد اباه (التاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو”، ص: 21-22 و26-26، وتبعا لسنة التطور المنهجي وقانون الممارسة الاختلافية فإن فوكو يحاول أن ينفلت من جلباب هيجل رغم أن أستاذه هيبوليت كان هيجليا، ويقول فوكو “إن الانفلات من قبضة هيجل، يعني أننا نقدر بدقة تكاليف هذا الانفلات وأننا واعون إلى أي حد هو تقريب منا بطريقة ماكرة وأن ما تبقى لدينا من هيجلية هو الذي يسمح لنا أن تفكر ضد هيجل، ثم ألا تكون استغاثتنا من هيجل مكيدة نصبها لنا ليكون ثابتا هناك في انتظارنا، نظام الخطاب، ص: 30، وانطلاقا من هذا الطرح يبدوا لي أن فوكو قد تأثر بهذا العالم الكلياني وبثورة نيتشه وبجورج بطاي وبهوريس بلانشو، وهذا التنوع هو ضد الاحتواء الذي تمارسه المؤسسة للخطاب الفلسفي لأنه الانطلاقة من هذه القبضة الحديدية يعني لنا الخروج من دائرة إشكاليته ومقترحاته، فكل حديث عن تاريخ كلي وشامل، أو قراءة كليانية أو غائبة هي سيرورة وعي أو بناء الذات، حيث أمسى كلاما مرفوضا، في هذا السياق حيث استعان بلانشو بالأدب والبلاغة والأسلوبية كتفاعل مغاير وكحفر جديد في التاريخ من أجل تجاوز التاريخ المؤسساتي، الذي طبع النهج الكلاسيكي لكن فوكو وديريدا وباطاي وبلانشو وباشلار وكريستيفا، وفليب سوليرز وبارت يريدون تدمير كل الرؤى التي تحيل إليها أوهام الاقتباس وكل الأنسجة الكلاسيكية، والعودة إلى اللاتاريخ من أجل الوقوف عند المؤجل الذي لا يرتبط بالحاضر وهذا بالضبط ما جعل نيتشه وفوكو يؤكدان على أن التأريخ حقبة معينة أمر ينبغي أن يتعرض للتعرية وللتغيير وهذا ما أكده فوكو في حفريات المعرفة أننا نجد أصل المحاولات الانقلابية التي قام بها التاريخ الجديد والابستمولوجيا الانفصالية على التاريخ الهيجلي، لأن الإصغاء إلى النصوص كما يرى ديريدا يعني البحث عن التقاطع والنواقص النظرية والغموض الاصطلاحي والايديولوجي الذي ساد الساحة الغربية، وهذه الإعادة هي بمثابة خلق معازل، لأن المفاهيم مثل القطيعة والعائق أمست مفاهيم مبحوثة فيها داخل التأريخ الفلسفي والعلوم الإنسانية، ينبغي إدماجها في الكل وإيجاد مكانا لها في الصيرورة العامة فقد اعتبر باشلار أن مفهوم القطيعة الإبستمولوجية حدثا من جوهر التقدم العلمي الذي يظهر دوما عبر قطيعة بل قطائع دائمة، إذن فابستمولوجيا القطيعة تحول دون أي تصور لبناء الذات، وتقوم الوعي بالمفهوم السارتري لهذا ليس باشلار ببعيد عن عالم فوكو عند أعلن في كتابه نظام الخطاب، فليست الأخطاء رواسب أو أجساما غريبة بل لها وظائف إيجابية وفعالية تاريخية ودور لا يمكن فصله عن دور الحقائق، نظام الخطاب، ص: 14، إذن فالعلوم الإنسانية هي بنيوية تحاول الابتعاد عن الفكر الهيجلي من خلال خلخلتها لمفهوم الذات (اللاشعور) الذي هو بإراديكم باعتباره حاضرا في لسانيات سوسير وفي أنثروبولوجيا شتراوس كل هذا ساعد فوكو في جعله أن يعيد التفكير في تفويض الذات (نظام الحطاب، ص: 30، فلم يرد أن يدرس تاريخ هذه اللغة وإنما بالأحرى أراد أن يدرس هذا الصمت أركيولوجيا، لأن الميتافيزيقيا كما نقول هي فلسفة الحضور لأن الحفريات ليست إلا كتابة ثانية وعودة أو رجوع إلى سر الأصل ذاته كما يقول (ح.م، ص: 129، لأنها لا تتحدثنا، كما تحدث القدماء وما فكروا فيه وكأنه التغير لم ينل من هذا الفكر لكنها ليس إلا اختلافا بين الماضي والحاضر، لذا فالعلوم الإنسانية هي معارف مستنيطة من العلوم الدقيقة باعتبارها أنوية تمثيلية تساعدنا لمعرفة الأنا، والذات والنفس والهوية، والبيئة والزمن والمكان وهلج، فهي كما قلت عبارة عن ملتقى الطرق لم تستطيع أنه تعيد هذا الإنسان لكي يفكر في ذاته، ولا في مجاله، بل عملت العولمة على خنقه وجعله إنسانا خارج المعرفة، لأننا لم نعد محتاجين علم الاجتماع، ولا علم النفس، ولا الأنتروبولوجيا بل الهدف هو بناء الإنسان الألي الممركز.
وهذا البناء هو تقويض المعرفة الإنسانية كليا من دون تقويض الأحكام المعولمة، لأنه هو الذي صنع هذا اليقين، وهذه الثقافة المضادة والوعي الثالث ينخرطان في تاريخ الفكر الغربي حيث ترى فوكو في كتابه “الكلمات والأشياء” معتمدا على الأركيولوجيا دون القول بأن العلوم الإنسانية هي امتداد للتأملات المتراكمة، هكذا يفترض فوكو أن الحياة الإنسانية ليست نتاج نزوة مركزية، بل هي مؤسسة يكتنفها الإبهام المستعصي (التاريخ والجنون، ص: 56)، لأنها تنطلق من الذات المركزية دون طرح الأسئلة حول هذا المهمش كما يرى ليفي شتراوس في (القارية العائلية والأنتروبولوجيا البنيوية)، إذن كيف نستطيع نحن العرب أن تكسر المركزية ونؤسس قارة إبستيمية معاصرة.