أثر بريخت في المسرح العربي

إنجاز: د الغزيوي أبو علي

“بريشت” في العام 1919 بدأت ميوله السياسية تتضح، انضم إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي المستقل، ولقد كان لانفصاله المرير أكبر الأثر في نفسه، إذ أنه ألف مسرحيته “طبول في الليل” في تلك الفترة، كما أظهر أثر هذه الفترة المريرة في قصيدته “أغنية الجندي الأحمر”.

وفي العام 1926 كتب “الرجل رجل” وتمثل هذه المسرحية الخطوة الرئيسية التي جعلت بريشت يتخطى ذاته ويتجاوز مسرحه السابق ليلج عالم (المسرح الملحمي)، وهو مسرح السرد والموضوعية والسياسة والالتزام، وبدأت ميوله اليسارية تتضح، إذ أنه كان مقربا من اليساري غير الشيوعي “فرتز ستيرنبرغ” وإلى الماركسي المناهض للحزب السيوعي “كارل كورستش”.

كما في قاموس المسرح “جون غاسنر – ادوارد كون”

   ترجمة: مؤنس الرزاز

   مراجعة رشاد بيبي

   المؤسسة العربية للدراسات والنشر / دار المعهد للنشر والتوزيع.

                                                                                                           ص43.

لقد استطاع بريشت أن يجدد في حفل المسرح بكل ما في كلمة تجديد من معنى، لقد أبدع بريخت عالما مسرحيا جديدا، إن مسرح بريخت ليس بالمسرح الطبيعي، وإنما هو مسرح واقعي كما أطلق عليه بريخت نفسه.

ويتضح ذلك في كل التفاصيل المسرحية من الإضاءة حتى الموسيقى والملابس، فالموسيقى مثلا في مسرحيات بريخت تتخذ من التغريب هدفا لها.

لقد قرر بريشت في كتابه: “الأورجانون الصغير في فنون المسرح” 1948م، أن وظيفة المسرح أن يكون مبعث مسرة قوية للعامل لا حدود لها من حيث هي متعة فنية، ولكنها مصحوبة بمخاوف تطور دائم، وبالاختصار: اتجه بريشت إلى عناية بالفن وفلسفته: “فأيسر صورة للوجود ليست في تقرير حالة العمال ظاهرا أو عرضا، ولكن في الفن”، وهذا مسلك المتأمل، ولكنه ظل مرتبطا بالمسلك الثوري، بحيث لا نستطيع التوفيق بينهما إلا أن بريشت يرى أن يشف التصوير للواقع عن الغاية منه، دون تصريح به يفسد العمل الفني.

ص156 – 157.

   والنقاش حول مسرحيات بريشت يثير مسائل تخص الأدب الألماني وتراثه من ناحية، كما يثير مسائل عامة حول الأدب واتجاهه العام الحديث، فمنذ حوالي مائة سنة، جدَّ في العالم الغربي اتجاهان فلسفيان كان لهما صداهما في الأدب عامة: هما الاتجاه إلى الإصلاح عن طريق الترقيع والترميم، ثم الاتجاه إلى التعبير الشامل لقطاعات المجتمع بالثورة، إلى جانب القصد في الفلسفة والأدب إلى التجاوب مع الواقع بقبوله كما هو، ولهذه الاتجاهات المختلفة بدورها في تاريخ العالم الفلسفي والأدبي.

وأنكر بريشت أن يكون المسرح مكانا لا تثار فيه المشاعر الإيجابية التي ترمي إلى تغيير العالم، وبانضمام بريشت للحزب الشيوعي أصبحت المسألة معقدة.

ويتساءل “مارتن إسلن” إلى أي حد أمكن بريشت أن يلتزم بعقيدة سياسية، ثم يخلق مع ذلك أدبا حافلا بمعان إنسانية عميقة كما يشف هنا نتاجه الفني في صورته الجمالية؟

ومن أهم ما أثير عنه بريشت في النقد الألماني شرح معنى ما سماه بريشت “المسرح الملحمي”، فقد بيَّنه بيتر سزوندى بأن الإنسان الحديث أصبح أكثر إحاطة بطبيعة نفسه في “موضوعية الذات” التي جعلته يتطلب في المسرح مواجهة نفسه في واقعه، عن طريق النقد الذاتي لهذا الواقع.

وتتسع وسائل “التغريب” حتى تشمل طرق التصوير الأدبية في نصوص المسرحية ذاتها، كي يصير الحدث غريبا في نظر المشاهد، بحيث يشارك فيه بفكره أكثر من شعوره، وعنده أن مجرد تصيير الحدث غريبا في نظر المشاهد يحمله على التفكير في تغييره.

وجوهر المسرح عند “بريشت” أن يعلم الجمهور كيف يخرج من نطاق ذاته، لتكون المسرحيات مقنعة بالتفكير، كالدفاع أمام القضاء، ومن وسائله في ذلك توكيد التناقض بين طوبة المرء وأفعاله… ومن هذه الوسائل كذلك تكرار الشخصية بصورة أخرى.

على الصعيد الإيديولوجي، كان هدف بيسكاتور يقوم في خدمة اليسار الثوري، وتعزيز الوعي التلقي لجمهوره البروليتاري، وتكييف ذلك الوعي مع ضرورات المرحلة الاقتصادية والاجتماعية، باللجوء إلى وسائل هي في آن معا كلاسيكية وجديدة.

أما الشكل المسرحي الذي اختاره، شكل “المسرح الملحمي”، فكان ينبغي عليه أن يكون بسيطا، ومباشرا ومضادا للتعبيرية، وتخدمه أكثر التقنيات حداثة، وأما بالنسبة إلى الآراء فكان يريده “قاسيا، خاليا من كل إيهام ومن كل عاطفية”، بالتعارض الكلي مع الأسلوب التقليدي المبهرج والحافل بالعاطفة الذي كان بيتنا في معظم المسارح الأخرى.

أما بريخت فإنه ظل حتى نهاية حياته، يحفظ الكثير من العرفان لبسكاتور، بحيث أنه أثنى عليه وحياه مرات عديدة في كتاباته، فيقول في إحداها: “لقد أثارت تجارب بسكاتور الفوضى في أعماق المسرح، فهي في نفس الوقت الذي كانت تحول فيه المسرح إلى مصنع حولت صالة العرض إلى صالة اجتماع، بالنسبة إلى بسكاتور كان المسرح برلمانا، والمتفرجون هيئة تشريعية، كانت تطرح بصريا أمام الجمهور تلك المشكلات الكبرى التي تهمه وتتطلب قرارات، أما محل خطابات المندوبين المتعلقة ببعض الأوضاع التي لا تتحمل، فكان يحل أداء فني يعكس تلك الأوضاع، والخشبة كانت تهدف إلى تحريض الجمهور –البرلمان- على اتخاذ قرارات سياسية، مسرح بسكاتور كان يبغي استثارة النقاش أكثر من إثارة الإعجاب، ولم يكن يسعى وحسب لتزويد المتفرج بخبرة ما، بل إلى دفعه نحو استنتاجات ملموسة، يلتقطها من الحياة نفسها، وإلى جعله يشارك بفعالية في وجوده الخاص.

ورغم كل شيء مما لاشك فيه أن بسكاتور قد أدخل إلى المسرح طرافة مثبرة: فالجمهور بوسعه الآن أن يشارك بتجربته الاجتماعية، وأن يشعر بنفسه معنيا بالأحداث التاريخية ويتكلم في الوقت الذي يحظى فيه بالمتعة.

إن مسرحا جديدا –المسرح الملحمي- هو الذي يتلاءم الآن مع الوضع الاجتماعي الجديد الصاعد حاليا، لكنه لن يكون مفهوما إلا من قبل أولئك الذين يفهمون هذا الوضع الجديد.

لم يكن فكر بريخت على ما يحدث فوق الخشبة، بل كان يطال كذلك ما يحدث لدى الجمهور، ومن وراء ذلك، في العالم الواقع خارج رحم المسرح.

فالجمهور بالنسبة إليه “منتج” يلعب دورا أساسيا في المسرح وفي سبيل تغيير المسرح ينبغي كذلك تغيير الجمهور بجعله “منتجا” أي يجعله يتجاوز مجرد كونه كتلة من “التربة الصلصالية” بين أيدي ما كان بريخت يطلق عليه اسم مسرح “الطبخ” أي المسرح الذي يقدم وجبات تذاق وتلتهم وتستهلك.

ما هو التغريب؟ يكتب بريخت: “إن التغريب حادثة أو شخصية، يعني ببساطة تخليص تلك الحادثة والشخصية معا فيهما ظاهر، معروف أو بديهي، وإيقاظ الدهشة أو الفضول بدلا منها”.

وكان هيغل قد قال: “إن المعروف مجهول، لأنه معروف” وبنفس هذه الذهنية جهد الشعراء الرومانطيقيون لجعل كل ما هو مألوف غريبا، يسألنا بريخت بدوره أن ننظر إلى الظواهر العادية كما لو كانت غريبة عنا، بأن نأخذ على سبيل المثال ساعتنا في يدنا ونفحصها: “هل سبق لكم أن نظرتم في ساعتكم عن كثب؟ إن من يطرح علي هذا السؤال يعلم أنني غالبا ما أنظر في ساعتي، ولكنه إذ يسألني على هذا النحو، يبعدني عنا هو معتاد، وعما لا يكون شيئا علي أن أتعلمه”.

إننا نصنع مسرحا لأننا نريد تغيير وتطوير عقلية، وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا.

نشأ المسرح سياسيا وما يزال وحتى عندما يبدو غير مكترث بالسياسة يتحاشى

الخوض في مشاكلها، ويبتعد ما استطاع عن شجونها ودواماتها، فإنه يعبر عن موقف سياسي، ويؤدي وظيفة سياسية هي باختصار صرف الناس عن الاهتمام بقضاياهم المصيرية، وإلهاؤهم عن التفكير بأوضاعهم، وسبل تغيير هذه الأوضاع، ذلك جوهر المسرح وربما الثقافة بعامة في كل زمان ومكان.

المسرح العربي الذي نريد هو الذي يدرك مهمته المزدوجة هذه: أن يعلم ويحفر متفرجه، هو المسرح الذي لا يريح المتفرج احتقانا، وفي المدى البعيد يهيئه لمباشرة تغيير القدر.

فالمسرح فن مركب لا يمكن تقليصه إلى مجرد نص، لأن مثل هذا التقليص يلغيه، أو ينفي بنيته الجوهرية كعلاقة تفاعل بين ممثل ومتفرج، وأي دراسة تتناول تجربة مسرحية اعتمادا على النصوص فقط، تظل قاصرة ولا تستطيع أن تُلم بما هو جوهري فيها.

وينبغي أن لا ننسى أن المسرح هو الفن الجماعي، يظل على حد تعبير جان فيلار أكثر الفنون المهددة بالتوقف أو الاضمحلال، حيث يفقد الحرية، إنه فن ترهنه القيود، ولا يهم أن تكون هذه القيود مخملية (الاحتواء) أو هدنية (المنع والمصادرة).

وبالتالي فإن اهتمام المسرح بالقضايا والشؤون السياسية إنما يشكل عدوانا على فنية المسرح، أو يؤدي إلى ضمور الشحنة الفنية فيه (هؤلاء بالذات، ويا للمفارقة! هو الذين كانوا يسوغون سلق أعمال مرتجلة للتظاهر بمواكبة المناسبات والأحداث!)، هذا النقاش لم يستمر طويلا، فالهزيمة كانت شديدة الوطأة، وأعني أن المسرح منذ نشأته كان سياسيا.

إن الطبعات التي يتوجه إليها مسرح التسييس هي الطبقات الشعبية التي تتواطأ عليها القوى الحاكمة كي تظل جاهلة وغير مسيسة، الطبقات التي يأمل أن تكون ذات يوم بطلة الثورة والتغيير، من هنا كان التسييس محاولة لإضفاء خيار تقدمي على المسرح السياسي.

إذن بالتسييس أردت أن أمضي خطوة أعمق في تعريف المسرح السياسي، إنه المسرح الذي يحمل مضمونا سياسيا تقدميا.

إن مسرحا يريد أن يكون سياسيا تقدميا يتجه إلى جمهور محدد في هذا المجتمع، جمهور نحن نعلم سلفا أن وعيه مستلب، وإن ذائقته مخربة، وأن وسائله التعبيرية نزيف، وأن ثقافته الشعبية تسلب ويعاد توظيفها في أعمال سلطوية تعيد إنتاج الاستلاب والتخلف.

 

ولابد للمسرح أن يعمل على تغيير المجتمع نحو الأفضل في صالح الجماهير العاملة، “ويمكن للعالم المعاصر أن ينعكس في المسرح، ولكن فقط عندما يفهم هذا العالم كعنصر قابل للتغيير”، بشرط أن يكون “التغيير في تركيب المجتمع لصالح الطبقات المحرومة”.

إن مسرح بريخت من الممكن أن يتجاوز الواقع كما ورد في عبارة ماركس حيث يرى “إن الفلاسفة كانوا منشغلين بتأويل العالم مع أن المطلوب هو تغييره”، ولقد عمل بريخت من خلال مسرحه السياسي التعليمي على محاولة فضح الواقع، والعمل على تغييره وعدم اغترابه ويكون من الأفضل ألا ننسى أبدا أن الملحمية والتغريب، يمثلان بحثا عن موقف نشيط للمستمتعين بالعرض المسرحي، وليس رفضا سطحيا للوهم الخادع للمسرح الأرسطي، وألا يسقط في بحر الوعظ والإرشاد المباشر، الذي يحول المشاهد إلى كائن سلبي، بل أكثر سلبية.

وكتب المخرج العربي المصري اللامع كرم مطاوع قائلا، فكم من مبادرات فردية على صعيد المسرح أثمرت وأفرخت حركة مسرحية نابضة فعالة ومؤثرة كما أن بعض الأمثلة على انحرافات المسرح، في ظل بعض أنظمة القطاع العام –ليست بعيدة عن الأذهان- المهم إذن أن يوجد المسرح الذي يعي دوره كمؤسسة ثورية قيادية، تمارس دورها في التغيير بالتعامل مع السلطة ومع الناس، ممثلة مدفعية ثقيلة أمام معركة التحديات التي تفرضها الضرورة، سواء أتت تلك التحديات من (أعلى) أو من (أسفل).

ويتابع كرم مطاوع بعد تجنبه للحديث المتكرر عن أزمة المسرح العربي ليقول بكثافة: “الرأي عندي –كما عند آخرين غيري- إن علل وآفات الحركة المسرحية والثقافية عموما، مردها في الأصل إلى علل وآفات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو دينية، أو كلها أو بعضها مجتمعة، ولعل حركة التاريخ –البعيد أو القريب- وربما المعاصر جدا- يؤيد هذا الرأي، إذن فالدعوة إلى تقويم وترشيد الفن والثقافة ستظل تدور في فراغ كلامي، إلى أن يرشد ويقوم المجتمع أصلا، فلا حياة للثقافة ولا للفنون إلا في إطار اجتماعي ديمقراطي، يمارس في المثقف الأديب والفنان حقه في التعبير في حرية لا يقيدها إلا التزامه بالدفاع عن مصالح الناس وآمالهم، وصيانة مجتمعه من التبعية والتحلل الأخلاقي، وقيادة الجماهير بوعي وثورية على درب تحقيق مصيرها بإرادتها الفعلية، كما يقول في كتابه.

المسرح العربي “إشكالات واتجاهات ما بعد النكسة”.

               رياض عصمت “ضوء المتابعة” دراسات تطبيقية في المسرح العربي.

               منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي – دمشق 1983 – ص19 – 20.

   لقد استطاعت النكسة أن تخلق هزة عنيفة في المسرح العربي: ولكن هل استطاعت يا ترى أن تجعل المسرح يتجاوز إقليميته؟ هل استطاعت أن تجعله يتحرر من الخوف وأن يفلت من مقص الرقابة؟ هل استطاعت أن تجعل الكاتب المسرحي رائدا ومنذرا بدل أن يكون متفرجا أو مهرجا؟

فبريخت إنما ينقل كرسي القاضي إلى كرسي المتفرج، ويحول صالة المسرح إلى قاعة محكمة ويعلم الناس كيف يصدرون الأحكام.

وبريخت إذ يخلق (مسرحا ذهنيا) يرى أن ليس المهم هو ترك المتفرج، وقد تظهرت روحه بل تركه وقد تغير كيانه، أو بالأحرى تركه وفي نفسه بذور التغيير الذي ستنمو خارج المسرح عما قريب، فليس المهم هو التطهير بل المهم هو التغيير، تماما كما أن التفكير ليس أهم من التفكير.

فالموسيقى وسيلة للتبليغ وليست وسيلة لإنعاش الروح، ومهمتها ترجمة النص لا الارتفاع بالنص، وهي تلزم موقفا دون أن تصور حدثا، وتوضيح ماهية السلوك دون أن تعبر عن حالات الروح.

هدف التغريب البريختي إذن هو دفع المتفرج للنظر من جديد إلى الأشياء نظرة فاحصة وناقدة دون أن يستثني من ذلك البديهيات أو المسلمات، وليس معنى التغريب أن يتحول المتفرج إلى معاداة ما يشاهد على المسرح، بل بالعكس، يسعى التغريب إلى فض الاشتباك وإعادة ترتيب المواقع.

وفي رأي بريخت أن التغريب ظاهرة حياتية نمارسها يوميا دون أن ندري، فالتغريب يعي الإنسان مختلف الظواهر، ويعمل على مساعدة الآخرين لكي يفهموها، متبعا نفس الوسيلة للذي يرمي إلى تحويل الشيء العادي المطروح أمامنا بصفة مستمرة إلى شيء فريد له خصوصية، كأننا نراه لأول مرة، فيسترعي الانتباه الآن، ويستوجب إعادة النظر والبحث والفحص من جديد بأسلوب فريد.

لقد قال بيسكاتور إن مسرحه يخاطب الضمير الواعي ولا يقتصر على إثارة الانفعال أو الحماسة، بل يهدف إلى التنوير والمعرفة.

  • قناع البريختية (دراسة في المسرح الملحمي من جذوره الكلاسيكية إلى فروعه العصرية)
  • أحمد عثمان.
  • فصول (المسرح اتجاهاته وقضاياه).
  • المجلد الثاني – العدد الثالث – أبريل – ماي – يونيو: 1982.

                                                                                         ص79

يقول روبرت بروستيان: فالثورة هي الطاقة التي تحفز المسرح العصري مثلما كان الإيمان يحفز المسرح فيما مضى، غير أن الثورة ليست طاقة وكفى، وإنما هي أيضا مجموعة من الأفكار، ومجموعة من القيم، وكلها لها جوانبها الباطنية والظاهرة، كما جاء في كتاب المعنون – المسرح الثوري.

  • دراسات في الدراما الحديثة من إبسن إلى جان جنيه.
  • تأليف روبرت بروستيان.
  • ترجمة: عبد الحليم البشلاوي.

                                                                                         ص369

يقول روبرت بروستيان: وليس المسرح الثوري مسرحا مأساويا، ولكنه يعلمنا كيف نكون رجالا مأساويين، وإذا لم نكن نجد فيه في أغلب الأحوال الطمأنينة والسعادة، فإننا نجد القوة والشجاعة.

يقول روبرت بروستيان: “إذا كانت السياسة هي فن الممكن فإن الفن هو سياسة المستحيل، وما أسرع ما يضحي الفنان الحر بالعالم، دون أن يتخلى عن سلامة رؤياه”، كما جاء في كتاب لروبرت بروستيان.

  • ترجمة عبد الحليم البشلاوي.
  • المسرح الثوري.
  • دون نشر / دون طبعة / دون سنة ص370.

                 

ونعود إلى ما بدأناه، وهو أن الظاهرة المسرحية شقت طريقها وترسخت في الحياة والثقافة العربية، وواكبت الأحداث العربية، بعد هزيمة 1967، حيث انبرى المسرح قويا وأصيلا “يعبر عن غضبة الإنسان العربي وفضح هزائم الأنظمة العسكرية والرجعية، وقد جعل هذا المسرح من القضايا القومية التزاما صريحا وعلى رأسها قضيتا لبنان وفلسطين، ومظاهر التبعية للغرب الاشتراكي أو الرأسمالي، والمخاطر التي تهدد الهوية الثقافية العربية، ونذكر هذه الفترة على سبيل المثال لا الحصر، – سعد الله ونوس- نجيب سرور – سعد الدين وهبة – علي سالم – فوزي فهمي – عبد الكريم برشيد، كما قال في كتاب عبد الرحمن بن زيدان المعنون “جوانب من قضايا وإشكالات المسرح العربي” – عبد الرحمن حمادي وكذا مجلة الوحدة: عدد مزدوج – السنة الثامنة – العدد 94/95 – يوليو – أغسطس 1992 – محرم – صفر 1402ه وفي المجلة المعنونة “التأصيل والتحديث في المسرح العربي” ص33 تصدر عن المجلس القومي للثقافة العربية.

   ويبدو أن هذا الإيمان الراسخ بتأبيد آثار بريخت عن قناعة تامة بما قاله بريخت أن “المسرح الملحمي هو المسرح الوحيد الممكن لإنسان هذا القرن، ففي هذا العصر الذي يجب أن تفهم فيه الشخصية الإنسانية بوصفها المحصلة الكلية لمجموع الظروف الاجتماعية يصبح المسرح الملحمي التي تستطيع تزويد الدراما بالمادة التي تتيح لها تقديم صورة فاعلة تمثل العالم كما جاء في مسرح الدوائر المغلقة لحنا عبود ص266.

لقد استهل بريخت حياته كثائر وجودي، غارق إلى حد غير عادي في الجريمة، وإشباع الغرائز إشباعا أعمى، وفي الانحلال ولم يصبح ثوريا إلا بعد أن سلك كل السبل العمياء في عدميته الأولى كما قال على عقلة عرسان في كتابه بريخت سياسة المسرح ص370.

   لم يعد من الممكن دراسة المسرح الحديث دراسة موضوعية شاملة بمعزل عن فكرة الثورة العالمية، والصراعات السياسية والاقتصادية والفكرية الدائرة في كل مكان، فحتى المسرحيات العابثة التي تعالج موضوعات ميتافيزيقية بعيدة عن الواقع والمعقول، تتخذ موقفا محددا من الثورة العالمية، وتعبر عن رفض كتابها للمشاركة في صنعها أو الدعوة لها، ولا خلاف على أن الثورة تغيير شامل في أوضاع المجتمع بنقل السلطة إلى طبقات الشعب العاملة، ويعيد صياغة علاقات الإنتاج وأوضاع الطبقات، وكل مسرحية تدعو إلى هذا التغيير وتبرره وتمهد له هي مسرحية ثورية.

يقول بيسكاتور: “إن المسرح السياسية كما وضعته في مقدمة أعمالي ليس اختراعا شخصيا، ولا نتيجة للمجتمع السوسيولوجي في عام 1918، وإنما تمتد جذوره في عمق القرن السابق”، كما جاء في كتاب Théatre politique / Erwin Piscator / L’arche editeur – Paris / Collection : Le sens de la marche / 1962.

                                                                                                          ص29

يقول بيسكاتور: “إني ألزم نفسي بتأسيس المسرح على مبادئ علمية وتاريخية التي تحمل معها تعليلات فنية”.

قال بيسكاتور: “إن المسرح يجب أن يخاطب الواعي ولا يقتصر على إثارة الانفعال أو الحماسة، بل يهدف إلى التنوير والمعرفة”، كما جاء في كتابه “Le théatre politiqueErwin Piscator                            

                                                                                                          ص29

أما المسرحية السياسية، فقد تناولها كثير من كتاب المسرح في مصر، وأبرز من كتبها سعد الدين وهبه، الذي قدم سلسلة من المسرحيات السياسية، بعد مسرحيتيه الاجتماعيتين الانتقاديتين: “المحروسة” (1961 – 1962)، “سكة السلامة” (1964 – 1965) و”بئر السلم” (1965 – 1966) إلى آخر سلسلة مسرحياته السياسية كما جاء في – المسرح في الوطن العربي.

  • دكتور علي الراعي.
  • عالم المعرفة / الكويت – 25 صفر / ربيع الأول 1400ه – يناير (كانون الثاني) 1980 ص124.

وإذا كان من المسلم به أن في قدرة المسرح أن يلقن الشعب وطلاب العلم ما تلقنه الجامعات والمعاهد، وإذا من المقطوع به أن أثر المسرح في تنمية الوعي وتطوير الملكات لا يقل بأي الحال عن أثر المدرسة والجامعة، فهل يجوز لنا أن نقتصد في بناء المسارح وإعداد العدة لتكوينها مع علمنا بأنها إحدى الدعامات الأساسية في بناء نهضتنا؟ أليس المسرح عند اليونان القدماء وعند أوربا القديمة والحديثة هو تاريخ حضارة اليونان والغرب، ذلك التاريخ الحافل بثقافات وفلسفات وأفكار لا تصور تطور العقل البشري فحسب، وإنما تقدم لنا إلى جانب ذلك أرقى النماذج التي وصل إليها الإنسان في هذا الفذ الجديد علينا؟ وإذا أتيحت لنا الفرص، وتهيأت لنا الإمكانات أن نطلع أبناءنا وطلابنا على هذا التاريخ الحافل من حضارات الإنسانية، ألا نكون بذلك قد حققنا هدفا جديرا بتطلعنا وطموحنا في نهضتنا الحديثة؟ وهل من سبيل إلى ذلك غير المسرح الذي هو في اعتقادنا المعلم الأول؟ فمن فوق خشبته تعلم الناس العدل والخير والجمال، ومن أفواه ممثليه تعلم الناس الثورة على الظلم، وعرفوا كيف يطورون من نفوسهم ومجتمعاتهم، ويقودونها نحو غد مشرق.

ص6 – 7

فن المسرحية بين فنون الأدب الأخرى:

لعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن فن المسرحية هو أكثر فنون الأدب حاجة إلى نضج الملكة، وسعة التجربة والقدرة على التركيز، والإحاطة بمشاكل الحياة والإنسان، لا لأنه يتعمق إلى جذور الحقائق الإنسانية ويكشف الغطاء عنها فحسب، بل لأنه الفن الذي لا يمكن أن يسلم قياده إلا لفنان يستطيع أن يتقمص مشاعر الآخرين، وأن يجاوز حدود نفسه إلى سواه، فنان قادر على التأثر بالجماعة الإنسانية التي يعيش معها والتأثير فيها، وأنه حينما يحرك جماعة من الممثلين على خشبة المسرح لا يحرك كل أفراد يتعنى كل منهم عواطفه الذاتية، وإنما يربك وسطا اجتماعيا يتفاعل فيه الفرد مع الآخر كما يتفاعلون في الحياة، وتصل بينهم وشائج وعلاقات تحددها سلوكهم ونفسياتهم وأحداث حياتهم ويلونها الصراع الذي يكون بين الفعل ورد الفعل، أو بين الفرد والجماعة أو بين إرادة تكافح مجتمعا للوصول إلى غاية أو إرادة تصارع القوى الغامضة للطبيعة.

مسرح بريخت أو المسرح الملحمي:

   وفي المسرح فضل بريخت ألا يخضع للأصول الدرامية العامة للفن المسرحي، لأنه يؤمن بأن لديه وسائل أخرى قد لا تخضع للوسائل المسرحية التقليدية لكنه يراها تتلاءم معه أكثر في الوصول إلى أهدافه، فاخترع مسرحه الجديد الذي يستخدم شكلا مسرحيا جديدا له وسائله الخاصة وأدواته التي تمكنه من تحقيق هدفه، هذا الهدف الجديد هو الاحتكام إلى الجمهور، جمهور المشاهدين الذين يجلسون في مقاعد النظارة يشاهدون أعماله، إن هدفه أن يصدر هذا الجمهور وسائل مساعدة تساعد الجمهور المشاهد على إعطاء حكمه، فالمسرح عنده وسيلة يقدم من فوقها القضية العامة التي تؤرقه، فالقضية هي الغابة، أما المشاهد والأحداث والمواقف التي تجري على خشبة المسرح ليست إلا وسائط يلقى بها أمام الجمهور لتعينه على إلقاء حكمه الأخير.

وإذا كان المسرح اليوناني قد ظهر في وقت تميز بالتفتح على الفكر الفلسفي والحياة الديمقراطية، فجاءت ولادته طبيعية تبعا لذلك، فإن المسرح العربي ظهر في وقت تميز بطغيان الأطماع الاستعمارية، وسيطرة الرجعية المحلية، فكان عليه أن يقاوم في أكثر من واجهة، وأن يرضي فئات عديدة ضمانا لوجوده واستمراره، وبذلك تأثر بمحيطه أكثر ممن أثر فيه.

ومثل هذه الثقافة التي ندعو إليها، والتي نهض المسرح بجزء كبير منها هي هذه الثقافة التي تمكن كل فرد من الشعور بمسؤولياته وتحملها، ومن القيام بواجبه نحو مشاكل مجتمعه الاقتصادية والسياسية، ومثل هذه الثقافة كفيلة أن توسع من مواهب الفرد وإمكاناته، وتحاول أن تجعله يتطور وينمو جسديا وأخلاقيا وعقليا وفنيا، إنها لا تهدف إلى إثقال كاهله وذاكرته بمحصول ضخم من المعلومات غير النافعة، ولكنها تحاول أن تنمي إمكاناته وقدراته وتكفل له القدرة على التعبير عن نفسه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *