حميد طولست
تتجدد المواعيد الانتخابية في المغرب، لكن بدل أن تُعيد للسياسة معناها كمجال للتعبئة الجماعية والتنافس حول المشاريع والبرامج، تحولت إلى عبء على ذاتها وعلى المجتمع. فالمواطن الذي يراقب هذا المشهد، يزداد اقتناعًا بأن ما يجري ليس سوى مسرحية متكررة بوجوه متبدلة وشعارات سريعة الذوبان. النتيجة المباشرة هي اتساع دائرة فقدان الثقة في العملية الانتخابية وفي الأحزاب التي تشرف عليها، بعدما صار همّها الأساسي مراكمة الأصوات لا إقناع الناس بخطاب أو إقناعهم بجدوى الانخراط.
التحاق الإعلامية مايسة بحزب التقدم والاشتراكية لم يكن مجرد حدث فردي، بل نموذج مكثف لاختلال أعمق يعيشه المشهد السياسي المغربي. فقبل أشهر فقط، رفعت شعار القطيعة مع “الوجوه القديمة” وهاجمت قيادة الحزب، وعلى رأسها نبيل بنعبد الله، بعنف. لكنها سرعان ما أعلنت أن توجهات الحزب ومبادئه الأقرب إلى قناعاتها. هذا التحول السريع لم يأتِ نتيجة مراجعة فكرية عميقة أو قناعة إيديولوجية جديدة، بل بدا أقرب إلى خطوة براغماتية لولوج البرلمان عبر منصة حزبية جاهزة.
هذه الحالة تضع أمام المواطن صورة واضحة: السياسة في المغرب ليست التزامًا ولا مشروعًا جماعيًا، بل مجرد تبادل أدوار وتفاهمات ظرفية. الخطاب السياسي قابل للتبديل في أي لحظة، والشعارات لا قيمة لها حين تفرض موازين الانتخابات منطقها، أما المواقف السابقة فمصيرها النسيان بمجرد أن يظهر أفق انتخابي جديد.
أحزاب تُكرّس العزوف بدل أن تواجهه
المعضلة لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى الأحزاب نفسها. ففي مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء، لا تتردد هذه الهيئات في استقبال الوافدين الجدد بترحيب مبالغ فيه، حتى وإن كانوا بالأمس القريب خصومًا شرسين. يُقدَّم التحاقهم على أنه “قيمة مضافة”، ليس لوزنهم الفكري أو السياسي، بل لما قد يجلبونه من أصوات أو متابعين. بهذه الحسابات الضيقة، تُضحي الأحزاب بما تبقى من رصيدها المعنوي، وتكرس صورة الانتهازية السياسية في أعين المواطنين.
السلوك الذي ينعكس بوضوح على مؤشرات الثقة. كما في آخر استطلاع للرأي أنجزه المركز المغربي للمواطنة، أكد أن حوالي 95% من المستجوبين لا يثقون في الأحزاب السياسية، مقابل 5,2% فقط الذين عبروا عن ثقتهم بها. هذه الأرقام الصادمة تكشف حجم الفجوة بين المواطن والعمل الحزبي، وتُظهر أن أزمة الثقة بلغت مستوى غير مسبوق.
أي رهان للمستقبل؟
أمام هذا الوضع، يصبح الرهان الأساسي اليوم هو إعادة الاعتبار لمفهوم النائب البرلماني: رجل دولة قبل أن يكون رجل دعاية، صاحب تكوين وتجربة قبل أن يكون صاحب شهرة أو متابعين. من دون هذا التحول، ستظل الديمقراطية واجهة شكلية، وستظل الثقة بين المواطن والمؤسسات عرضة لمزيد من التآكل، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى حياة سياسية تليق بتحدياته التنموية والديمقراطية.