أخنوش وبن كيران: وجهان لعملة واحدة في إدارة ملفات الإصلاح الكبرى.

حميد طولست 

رغم التباين الظاهري بين عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وعزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، سواء من حيث المرجعية الفكرية أو الخلفية الاجتماعية والسياسية، إلا أن التجربة الحكومية لكل منهما تكشف عن قواسم مشتركة عميقة، لا سيما في التعامل مع ملفات الإصلاح الكبرى التي طال انتظارها. فمن بن كيران، الذي رفع شعار “الإصلاح في ظل الاستقرار”، إلى أخنوش، الذي وعد بـ”دولة اجتماعية” ونموذج تنموي جديد، لم تشهد القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها ملفا صندوق المقاصة والتقاعد، اختراقًا فعليًا، رغم تشخيص دقيق من مؤسسات رقابية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات. ففي ولايته الحكومية (2011-2017)، أطلق بن كيران واحدة من أكثر الخطوات جرأة حينما قرر رفع الدعم عن المحروقات، في إطار ما وصفه بـ”إصلاح صندوق المقاصة”. ورغم الكلفة السياسية والشعبية لهذه الخطوة، إلا أنها ظلت ناقصة، إذ لم تشمل المواد الأساسية الأخرى، ولم تُواكب بإجراءات حقيقية لتعويض الفئات المتضررة، بل زادت من حدة الفوارق الاجتماعية. أما إصلاح صندوق التقاعد، فقد تم بعجلة وارتجال، عبر الرفع من سن التقاعد ونسبة الاقتطاع، دون معالجة جوهرية لاختلالات الحكامة أو توسيع قاعدة المنخرطين. أما أخنوش فقد جاء بعد انتخابات 2021 محمّلاً بوعد “التغيير عبر الكفاءة”، وببرنامج انتخابي فخم. غير أن واقع تدبير الملفات الثقيلة، خاصة ما تعلق بإعادة النظر في صندوق المقاصة أو التقاعد، لم يشهد سوى بعض التصريحات المطمئنة دون أي إجراءات ملموسة. وبالرغم من التحسن النسبي في مداخيل الدولة بسبب الظرفية الدولية، فإن الجرأة السياسية على تفكيك بنية الريع أو مراجعة منظومة الدعم الاجتماعي ظلّت غائبة. صندوق المقاصة عاد ليتضخم في ظل دعم مباشر للغاز والقمح والسكر، بينما لا يزال إصلاح التقاعد ينتظر حوارًا اجتماعيا مؤجلاً، ومقترحات لم تخرج بعد من أدراج وزارة المالية. ويبقى ما يجمع الرجلين، رغم اختلاف المرجعيات (الإسلامية لبن كيران، والليبرالية لأخنوش)، هو غياب الإرادة السياسية الفعلية والعجز عن الحسم في ملفات إصلاحية مفصلية ظلّت رهينة الحسابات السياسية والتكلفة الاجتماعية. كلاهما فضّل الإصلاحات السهلة أو الجزئية، مع تجنّب مواجهة “جيوب المقاومة” أو مراكز النفوذ الاقتصادي التي تستفيد من الوضع القائم. وقد يكون الفارق الوحيد أن بن كيران عبّر عن ألمه مما سماه “التحكم”، في حين أن أخنوش يبدو أكثر انسجامًا مع هذا التحكم ذات ورغم اختلاف الخطاب والواجهة بين أخنوش وبن كيران، لم يفلح أيٌّ منهما في تفكيك منظومة الريع البنيوي أو إرساء دعائم عدالة اجتماعية فعلية ، بقدر فلاحهما استمرار سلب المواطن ليس فقط من حقوقه، بل من كرامته سواء بالإهانة الصريحة للمواطن المغربي ، التي لم يتردد بن كيران في استخدام تعبيرات مهينة في مخاطبة الشعب، وبلغ الأمر حد تشبيه المعارضين له بـ”الميكيوبات” و”الحمير”، عندما رفضوا استغلاله لقضية فلسطين، في مشهد يكشف استبطانًا لتفوق أخلاقي مفترض على المجتمع، و المبطنة التي وإن لم يصرّح أخنوش بها شخصيًا، فإن بعض أعضاء حزبه جسّدوا خطابًا إقصائيًا صادمًا، كما في تصريح نائبة جماعة أكادير التي طالبت علنًا كل من لا يتبنى “مبادئ أخنوش” أن “يحزم أمتعته ويغادر البلاد”، وهو خطاب يفضح ضيقًا بالرأي الآخر واحتقارًا لحق المواطن في التعدد والتعبير. الأمر الذي جعل المواطن المغربي هو الحلقة الأضعف،بين شعبوية بن كيران التقنية ونخبوية أخنوش الانتقائية، والمخاطَب الدائم بخطابات التقشف أو التهديد أو التحقير. والنتيجة واحدة: غياب الإصلاح العميق، واستمرار سلب المواطن ليس فقط من حقوقه، بل من كرامته أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *