حميد طولست،كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن بعض البرلمانيات — سامحهن الله — قد اكتشفن أخيرًا أن «الأقلام» ليست للتصحيح، بل للتدوين.
تدوين من أحبّهن ومن كرههن، من مدحهن ومن “نهش فيهن”، من بوأهن ومن تجاهلهن.
وكأنّ السياسة صارت دفتر خواطر مراهقةٍ عاطفية، لا قبة تشريعية يُفترض أن يُكتب تحتها مستقبل الوطن.
قالت السيدة المحترمة، بكل ثقة فلسفية:
“ليست كل الأقلام للتصحيح، فبعضها للتعبير، وبعضها للتدوين، ندون وندون ولا ننسى، ولكن نبتسم.”
يا سلام! ابتسمي إذن ما شئتِ، لكن لا تبتسمي من جيوبنا.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن ورقةً واحدة ليزور الطبيب، تطلب برلمانية الأمة «ورقةً واحدة للسفر إلى الخارج من أجل العلاج»، على غرار زملائها في مجلس المستشارين.
تلك هي العدالة المجالية الجديدة: عدالة الورقة الواحدة.
فبينما يراجع المواطن أوراقه بحثًا عن موعدٍ في مستشفى عمومي، تراجع النائبة أوراقها بحثًا عن تأمينٍ خاصٍّ ومصاريف حجٍّ مؤمَّنة من ميزانية البرلمان.
والفارق بين الورقتين، هو الفارق بين “الدولة الاجتماعية” في الخطاب، و“دولة الامتيازات” في التطبيق.
الحقّ يُقال، لقد أبدعت السيدة في تدوينتها، لكنها نسيت أنّ الأقلام التي لا تُصلح… تُفسد.
البرلماني الذي لا يصحّح هو مثل الطبيب الذي يكتب وصفةً لنفسه ويترك المريض يموت بالانتظار.
وإذا كانت أقلام النواب قد جفّ مدادها عن مراقبة الحكومة، فها هي تسيل اليوم لتصحيح بنود تأمينهم الصحي، لا نظام التأمين الصحي للمغاربة.
إنها أقلام من نوعٍ خاص، تُكتب بها ميزانيات “الراحة التشريعية”، وتُوقّع بها صفقات “الرفاه البرلماني”.
أقلام لا تعرف مداد الهموم، بل حبر الامتيازات.
وفيما يسطر الشعب مطالبه في دفاتر المستشفيات، يسطر نوابه بنود الرحلات العلاجية إلى باريس.
لقد تحوّل البرلمان من سلطةٍ رقابية إلى نقابةٍ للامتيازات.
صار النائب موظفًا كبيرًا يبحث عن تأمينٍ ضدّ الازدحام، وضدّ الانتظار، وضدّ المحاسبة أيضًا.
ربما قريبًا سنسمع عن “تأمين ضدّ النقد الشعبي”-كالذي طالبت به بعض البرلمانيين-، أو “منحة الابتسامة البرلمانية”، تكريمًا لمن يدوّن ويبتسم في آنٍ واحد.
في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، يُمنح النائب تأمينًا سياسيًا ضدّ الابتزاز.
أما في ديمقراطيتنا “قيد التجريب”، فيبدو أن بعض البرلمانيين يريدون تأمينًا ضدّ كل شيء: المرض، النقد، وربما حتى ضدّ ضميرهم إن استيقظ يومًا بالخطأ.
ولأننا شعب كريم، سنبتسم مثلهم.
لكننا — على طريقتنا — سنبتسم ابتسامة من فهم اللعبة:
أن أقلام النواب تكتب باسمنا، لكنها لا تكتب لنا.
وأن الدولة الاجتماعية، كما يراها بعض ممثلي الأمة، هي تلك التي “تؤمّنهم” من الشعب، لا التي تؤمّن الشعب منهم.
اللهم ارحمنا… قبل أن تُضاف “مصاريف الحج” رسميًا إلى ميزانية البرلمان.