بقلم الاستاذ : حميد طولست
في زمنٍ مضى، كانت السيطرة على الأمم مجرد مسألة بسيطة: حصانٌ يركض، سيفٌ يلمع، وخرافاتٌ تُخدِّر العقول. وكانت هذه الخلطة السحرية كافية لصناعة إمبراطورياتٍ مترامية الأطراف، يُساق فيها الجميع تحت راية “نحن خير أمةٍ أُخرجت للناس”—بغض النظر عن رأي الناس أنفسهم في الموضوع!
لكن يا للحسرة! لقد تغيّر الزمن وتغيّرت معه قوانين الهيمنة. لم تعد الجيوش تُقاد بالحماس والشعارات، بل بالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ العابرة للقارات. لم تعد الخرافات تسيطر على الشعوب، بل البيانات والاقتصاد والمعرفة. وهنا وقع العرب في مأزق تاريخي عظيم: كيف يمكن مواكبة العالم الحديث ونحن لا نزال نقيس أمجادنا بعدد الفتوحات القديمة ونُعلِّق فشلنا على نظرية المؤامرة؟
في الماضي، كان يكفي أن يخرج فارسٌ من خيمته، يُلوِّح بسيفه في الهواء، ويُطلق نداءً حماسيًا ليكسب معركةً وربما مملكة. أما اليوم، فإن فارسنا العظيم قد استبدل السيف بالميكروفون، والخيل بمنصة تويتر، وصار يُلقي الخُطب الحماسية عن “العِزّة والكرامة”، بينما الآخرون يُطلقون الأقمار الصناعية ويصنعون السيارات الكهربائية.
نحن في الحقيقة لم نتوقف عن القتال، ولكن معركة اليوم أصبحت تُدار بالهاشتاغات، والصواريخ التي نُطلقها هي تغريدات غاضبة، والانتصارات التي نحتفل بها تُقاس بعدد الإعجابات والمشاركات. أما الهزائم، فلدينا دائمًا المتهم الجاهز: “الغرب الكافر”، “الخونة والعملاء”، أو أي شخصٍ اقترح يومًا أننا بحاجة إلى إصلاح التعليم قبل التفكير في غزو المريخ!
كان أجدادنا يفتحون البلاد، ونحن اليوم نفتح القنوات الفضائية لنصرخ حول أمجادٍ لم نصنعها، ونتجادل عمّن هو الأحق بالخلافة في زمنٍ تُحكم فيه الدول بالخوارزميات وليس بالأنساب.
هل المشكلة في السيف؟ أم في اليد التي تحمله؟ أم أننا ببساطة أضعنا الدليل التوجيهي لعصر الحداثة، وظللنا نبحث عنه في كتب التراث بدلاً من البحث عنه في مختبرات العلوم والتكنولوجيا؟
المهم، إن كنت تقرأ هذه المقالة على هاتفك الذكي المصنوع في اليابان أو كوريا، وتستخدم الإنترنت الذي ابتكره الغرب، فأرجوك لا تغضب كثيرًا… بل فكِّر قليلاً: متى سنُدرك أن العالم تغيّر، وأن “السيادة” لم تعد تُصنع بالخطابات الرنانة ولا بالدعاء على الغير بشتت الله قبوبهم، وعظم الله حزنهم، ووأكثر الله عزاءهم ، وفرق شملهم ،التي تصدح بها منابر المساجد، بل في مصانع الرقائق الإلكترونية ومختبرات الذكاء الاصطناعي؟
حميد طولست.