بقلم الاستاذ حميد طولست
تعيش أم الطفل التوحدي معضلة وجودية حقيقية، تتجلى في سعيها الحثيث لفهم الحالة الغامضة التي يعاني منها فلذة كبدها، وإيجاد سبيل يخرجه من دائرة الإعاقة التي تؤرق حياتها وحياته. غير أن هذا السعي، في كثير من الأحيان، قد يتحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر إذا استند إلى معلومات سطحية وغير موثوقة. فأخطر ما قد تواجهه أم الطفل التوحدي أو أي طفل يعاني من اضطراب فرط الحركة والتشتت أو أي إعاقة ذهنية أو جسدية، هو الانجراف وراء تجارب غير علمية أو علاجات غير مثبتة، دون مراجعة المتخصصين. فكم من أم لجأت إلى إعطاء طفلها أدوية دون وصفة طبية، أو اعتمدت على وصفات غير مدروسة من منتوجات أشخاص يدّعون القدرة على العلاج ما يسمى بالطب البديل، أو بالرقية الشرعية، دون أن تكون لديها دراية حقيقية بطبيعة حالته أو ماهية العلاج المناسب له. إن المشكلة الكبرى تكمن في أن الكثير من الأمهات يستقين معلوماتهن من مصادر غير موثوقة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر تفسيرات سطحية ومغلوطة عن اضطرابات الطفولة، يتم تداولها بين مدونين –لا يهمهم غير البوز- لا يمتلكون الخلفية العلمية الكافية للتمييز بين السلوكيات الطبيعية للأطفال والسلوكيات غير الطبيعية التي تستدعي تدخلاً متخصصًا. فبعضهم يخلط بين النشاط الطبيعي للطفل وبين النشاط العدائي غير المبرر، أو بين قلة التركيز العابرة وبين اضطراب نقص الانتباه الحاد. إن اكتشاف وتشخيص اضطرابات الأطفال، مثل التوحد وفرط الحركة وتشتت الانتباه، ليس أمرًا اعتباطيًا يمكن تحديده بناءً على تشابه الأعراض مع منشور إلكتروني أو تجربة شخصية لشخص غير مختص. بل هو مجال طبي دقيق يعتمد على أدوات تشخيصية متقدمة وأساليب علمية مدروسة، لا يمكن أن يقوم بها إلا الأطباء والمختصون النفسيون الذين خضعوا لتدريبات أكاديمية متخصصة. لذلك، فإن الخطوة الأولى والأهم التي يجب أن تتخذها أي أم تشعر بأن طفلها يعاني من صعوبات غير مفهومة، هي تجاهل القوالب الجاهزة، والتوقف عن تصديق كل ما يقال بين الجارات ، وينشر على مواقع التواصل الاجتماعي دون دليل علمي، والتوجه فورًا إلى أهل الاختصاص من أطباء الأطفال، وأخصائيي علم النفس، وخبراء التربية الخاصة. إن حب الأم لطفلها يجب أن يكون دافعًا لها للبحث عن الحلول الصحيحة، لا الاندفاع وراء أوهام قد تزيد من معاناته. فالعلم وحده هو السبيل إلى فهم الحالة وتوفير أفضل سبل الرعاية لها، بعيدًا عن المخاطر التي قد تترتب على الاجتهادات الشخصية والمعلومات المغلوطة. فليس هناك ما هو أخطر على أم طفل معان من فرط الحركة التوحد أو أي إعاقة أخرى ذهنية أو جسدية من محاولتها علاج فلذة كبدها بناء على معلومات سطحية تردها من هنا وهناك دون مراجعة مختص..