حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن إبستين كان سيئ الحظ حقاً ، بسقوطه في يد دولة علمانية، أمريكا بديمقراطيتها وقوانينها “الكافرة بنعمة الله”، تلك التي لا تبحث للمجرمين عن مخارج فقهية، ولا تجتهد في اختراع الأعذار،ولا تسارع إلى تحويل الجريمة إلى مؤامرة كونية على “أهل الخير”.
لو أن إبستين فقط أعلن ولاءه لأحد التنظيمات الإسلاموية في بلادنا، وانضم إلى رهطهم، أقسم بالأيمان المغلظة أن الجموع كانت ستُحشد، والمنابر كانت ستشتعل، والمظاهرات كانت ستتجه نحو السفارة الأمريكية مرددة: “لن نسلمكم أخانا المظلوم!”
وسيخرج علينا الخطباء والوعاظ يشرحون، بكل هدوء ووقار، أن ما جرى في الجزيرة لم يكن إلا عملاً خيرياً وإنسانياً: مجرد “مساعدة على القذف” على الطريقة “النجارية”، لا تختلف كثيراً –في نظرهم– عن مساعدة شخص في حالة خطر!
أما إن كان لا بد من لوم، فاللوم –كالعادة– يقع على الفتيات “الكاسيات العاريات”، مع استحضار عشرات النصوص والاجتهادات حول ما يجوز وما لا يجوز في دقائق التفخيد والنكاح، حتى يتحول الضحايا إلى متهمين، ويتحول الجاني إلى “شيخ مظلوم”.
يا للخسارة! مسكين إبستين ، لم يجد من يأخذ بيده إلى “الطريق المستقيم”. فلو أسلم –لا قدر الله– وربّى لحية، وأطلق على نفسه لقباً جهادياً من قبيل “الشيخ جبري أبو ستين”، لربما عاش بيننا مكرماً، يأكل ويرتع، ويذوق ما لذّ وطاب من الصغيرات والغلمان، ثم إذا مات ، ربما بنوا له جزيرة في الجنة!
هكذا نحن: أمة فاشلة في استثمار طاقتها، بارعة فقط في استهلاك الأحداث ، ننشغل بنقاشات صاخبة حول أي قضية، ونستدعي معارك مات أبطالها منذ قرون لنقاتل حولها اليوم، ونفتي في تفاصيل فقهية لا علاقة لها بجوهر المشكلة.
لكننا –بالمقابل– نصاب بالخرس والعمى أمام قانون الله الصارم في الأرض: من يزرع يحصد ، حتى لو كان أشد الناس كفراً.
ومع الأسف ، ننسى أننا لسنا أفضل لمجرد أننا ولدنا مسلمين ، لقد صغّرنا الدين، وحرفناه حتى صار أليفاً لا يزعج أحداً، لا يغير واقعاً، ولا يبني مصنعاً، ولا يقيم مختبراً علمياً ، وحبسناه داخل المساجد، التي تيعجز عن مقاومة الفساد المالي، أو التلوث البيئي، أو انهيار التعليم، أو ظلم العمال، أو نهب الحقوق.
وفي المقابل، نجد أمماً نصفها بالكفر والانحلال قد حاكمت “إبستينها” وسجنته، لأن دينها –الديمقراطية– ليس نسخة مضروبة ،
والمصلي الصادق فيه ليس فقط من يركع ويسجد، بل:الموظف الذي لا يرتشي، والمهندس الذي لا يغش في مواص في مواصفات البناء، والمعلم الذي يبني العقول بضمير، والسياسي الذي يتفانى في خدمة وطنهه ، وكل من تمكنت الصلاة من نهيه فعلا عن المنكر ،