حميد طولست
قراءة في الرؤية الواقعية والاستباقية للملك الراحل الحسن الثاني المتجاوزة للسرديات القومية والدينية التقليدية التي قادت إلى استعصاء حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومستقبل الشرق الأوسط.
في خضم الصراع الطويل بين العرب وإسرائيل، تميزت بعض المواقف النادرة بالشجاعة والواقعية، وعلى رأسها موقف الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، الذي أدرك مبكراً استحالة محو إسرائيل من الخريطة، ودعا بدلًا من ذلك إلى إدماجها ضمن المنظومة الإقليمية، عبر مبادرة سياسية تتجاوز منطق الصدام وتحتكم إلى العقل والمصلحة.
إسرائيل: واقع لا يمكن إنكاره :
منذ إعلان قيامها سنة 1948، أصبحت إسرائيل كياناً معترفاً به دوليًا، عضواً في الأمم المتحدة، ومدعوماً من القوى الغربية الكبرى. وعلى مدى العقود، تحولت إلى قوة ديمقراطية متقدمة في قلب منطقة يعاني معظمها من الاستبداد والتخلف الاقتصادي والسياسي. وفي وقت واصل فيه الكثيرون في العالم العربي خطاب الإنكار والممانعة، كانت إسرائيل تعزز مكانتها في النظام الدولي، وتنسج علاقات اقتصادية وأمنية وعلمية مع القوى الكبرى.
والذي جاء في تصريح شهير، قال الملك الحسن الثاني:
“إن العرب لن يتمكنوا أبداً من إيجاد حل أو تسوية المشكل؛ لأن إسرائيل دولة لا يمكن أن تختفي. لو كنت مكانهم لاعترفت بإسرائيل، وأدمجتها في حظيرة الجامعة العربية.”
بهذا الموقف، لم يكن الحسن الثاني يتخلى عن القضية الفلسطينية، بل كان يحاول إنقاذها من الانهيار التام، عبر استبدال خطاب الصراع الوجودي بخطاب التفاوض السياسي الواقعي. فالمستقبل، كما رآه، يجب أن يُبنى على إدراك أن لإسرائيل مصالح، كما أن للعرب مصالح، وأن التقاطع بين هذه المصالح هو السبيل إلى التعايش والاستقرار، على عكس ما تروّجه التيارات القومية والدينية المتطرفة، فإن الإسرائيليين والعرب يشتركون في الكثير من المقومات الثقافية واللغوية والتاريخية. اللغة العبرية والعربية تنتميان إلى نفس الجذر السامي، والتقاطع الديني والتاريخي واضح في العديد من المفردات الثقافية والرمزية، بدءاً من أسماء الأنبياء والملائكة، إلى تشابه البنى الاجتماعية والدينية.
فإسرائيل ليست جزيرة في أوروبا أو امتداداً للغرب، بل هي دولة في قلب الشرق الأوسط، وستبقى جارة دائمة للدول العربية، مهما حاول البعض إنكار ذلك.
التحول الإفريقي وإخفاق المقاربات القومية :
اليوم، بينما لا تزال بعض الدول العربية تجرّم “التطبيع”، تدخل إسرائيل إلى الاتحاد الإفريقي من أوسع أبوابه، كعضو مراقب، بما يحمله ذلك من دلالات على توسع نفوذها الدبلوماسي. من يمكنه أن يواجه إسرائيل في إفريقيا؟ هل ستفعلها الجزائر مثلًا، التي لم تتردد في التصويت لقانون يجرّم التطبيع، لكنها تقف عاجزة أمام تحولات السياسة الإقليمية؟
إن العداء المطلق لإسرائيل لم ينتج سوى نكسات متتالية، بينما تقف تل أبيب في موقع متقدم ديمقراطياً وتكنولوجياً واقتصادياً. وإذ تعيد تموقعها في القارة الإفريقية، فإن ذلك يتم عبر أدوات القوة الناعمة والتعاون التنموي والعلمي في مقابل الفكر القومجي والإيديولوجي العاطفي، تبدو إسرائيل دولة عقلانية في بناء علاقاتها: لا تهتم بمن يرفع الشعارات، بل بمن يملك رؤية نفعية متوازنة. تطلب من شركائها ما يمكن أن ينفعها وتنفعهم به. السلام، التعاون الاقتصادي، الشراكة العلمية، والتبادل الأمني… تلك هي مفردات اللغة الإسرائيلية الجديدة، التي نجحت في فرض نفسها على دول كثيرة ، فالاعتراف بإسرائيل لا يعني التخلي عن الحقوق الفلسطينية، بل يعني الانتقال من خطاب الرفض العدمي إلى سياسة التفاوض الذكي. ولعل من أكثر ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم هو منطق الحسن الثاني: لا للعناد العقيم، نعم للعقلانية السياسية ، الرؤية السديدة للحسن الثاني، التي كانت تُعد “مرفوضة” قبل عقود، أصبحت اليوم أقرب إلى منطق الإجماع الدولي، بل وأقرب إلى رغبة جزء كبير من العرب أنفسهم، بعد أن أثبت التاريخ أن المواقف الواقعية تبقى، والمواقف العاطفية تذوب مع الوقت.
وهذا لا يعني أني أأيد العمل الإجرامي الصهيوني ضد الغزاويين والذي هو نتيجة عدم الإستفادة من الرؤية الاستراتيجية والدبلوماسية السديدة للحسن الثاني ، التي تنص على بناء علاقات عقلانية تحكمها المصالح المشتركة، مع إسرائيل كـ”واقع دولي” لا يمكن إنكاره دون إنكار حقوق الفلسطينيين.