إشكالية القراءة الدرامية عند عبد الكريم برشيد

إنجاز: د الغزيوي أبو علي

إن التأمل في التحليل النقدي للنص، سيجد نفسه مشدرها أمام هذه القراءات النقدية، فهناك من تعامل مع المؤلف، وهناك من تعامل مع القارئ، وأخيرا النص، وهذه المراحل اختلفت تبعا لسنة التطور وقانون الممارسة التأويلية، فالمؤلف هو بؤرة الإبداع ومركز الفهم والشرح والتأويل، يوجه القراءة سواء من الناحية التاريخية أو الاجتماعية والنفسية، وهذه السلطة التأليفية دفعت العديد من النقاد إلى ربطها إما بالزمكان أو بالبيئة والعرق، أو الطبقة المؤدلجة، لذا يقول: ولن تكون العناصر المكونة (بكسر الواو) للفن المسرحي في صلب التساؤلات الأساسية التي نحن بصددها، إلا بمقدار كونها تساؤلات تصيب العملية المسرحية في الصميم: كأزمة النص المسرحي وضبابية العلاقة مع الجمهور وأزمة النقد المسرحي، ولابد من الإشارة أيضا، إلى مسألة عودة انبعاث الأطقم المسرحية والفنية القديمة / الجديدة، والتي عومها على السطح الثقافي في بلادنا، المنتجون التقليديون وتجارة الفن، والمنتجون البعيدون عن “الثقافة” أو الذين ينطلقون من إيديولوجيات ضيقة بهدف خدمة أنظمة أو أفكار سياسية معينة تؤثر على تسييس الفن عموما، وعلى ربطه بشكل دقيق، بأهداف محددة سابقا وكما يريد لها أصحابها أن تكون – رغم أن الفن غير منفصل عن السياسة بالمطلق –، وينحرف المسرح عن أهدافه الأساسية التي تتسم بالشمولية وبالبعد الإنساني، وبمعالجة الوضع البشري في العمق، ولسوف يلقي جانبا بالمتعة وبالمجالية أيضا، لذا عكف برشيد على توظيف دلالات المدنس عبر مقاربة فرجوية تستدعي الرغبة في تجاوز حدود الجسد لتقانق الروح اللوامة، والتي تهيمن على قلب المتلقي، فتجعله باحثا عن الدافع العميق لحياته الفردانية، لافتا لأهوائه من سذاجة وغلو دون مراقبة ولا معاقبة، فالاحتفال عند برشيد هو انقلاب ضد المقدس وسيطرة على الذات المتفرجة، لأن البحث عن “صورة الذات” على صعيد المسرح لدينا سوف يستدعي عرض ونقاش بعض مشكلات المسرح العربي، التي ينفرد بها، أو التي يشترك فيها مع المسرح العالمي، كما تقول الباحثة بن المداني ليلة، وهذه الخاصية جعلت الكتابة الدرامية عند برشيد تعانق الأسئلة المرتبطة بالإبداع، وبالعوامل الثقافية والإيديولوجية، فالمدنس ليس خاصية ثابتة في المتلقي، بل هو هبة غير سوية تخلع عليه الرغبة واللذة، مما يجعل الذات تعانق الشيطاني لتقويم الوجود الاحتفالي، إذن هل برشيد يعانق الشيطان في إبداعاته؟ ولماذا استحضار الرمز؟ وهل يخاف سلطة الرمز والمقدس؟ وكيف يوظف إيقاع الزمكان في الجسد الممسرح؟ أسئلة كثيرة ومتنوعة تقوم بالإيحاء السريع لتقوم مقام أسئلة أخرى، وليأخذ فعل الكتابة شكلا وعلامة ورمز دون توافق قياسي، وبهذا يصبح الرمز عند برشيد أيقوني ويقول أحد النقاد: أما المسرحي (أي من يمتهن مهنة التمثيل أو الكتابة أو الإخراج) قد يمكنه الاستفادة من المسرحية العالمية كنص – على سبيل المثال – وذلك بإخراجها بطريقة تخدم صورة “الذات العربية”، من خلال التوليف والإسقاط وابتكار لغة جديدة في العرض المسرحي وفي دفاتر الإخراج، لكن هذا الأمر لن يغني عن حاجة أساسية تملي التوجه أكثر فأكثر نحو الإكثار من النصوص المسرحية المنتجة العربية والتي تتصدى لمعالجة الواقع العربي، والعمل على تحسينها ووضعها في مصادف الجودة والروعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لا يمكننا فصل المسرح في العالم العربي عن المسرح في العالم بالنسبة للمشكلات التي بات المسرح – بشكل عام – يواجهها راهنا، لذا عمل برشيد يفتح الطريق للغة الرمزية، باعتبارها قناة لا تحاكي الثابت والمسموع، بل هي مرآة تعكس صورة موجودة على مرآة ثانية، حصلت فيها بموجب انتصاب موجود محسوس قبالتها كما يقول الفارابي، فالاقتراب من هذه الإشكالات كما قلت يقتضي منا بالضرورة من التحديدات الأولية الواردة في السياق الاحتلافي البرشيدي وبالخصوص البيانات المراكشية، والبيضاوية، وذلك لفهم مصدر وطبيعة لغة الكتابة الرمزية كعملية استعارية التي تعبر عن رغباتها بطريقة رمزية قابلة للنقاد وراء الرقابة الفرجوية ويقول الناقد: إن البحث عن “صورة الذات”، لا يتجلى فقط في طرح المشكلات والمسائل الاجتماعية في شرقنا، بل يتجلى أيضا في كيفية التعبير عنها، أي في امتلاك الأدوات الخاصة بالتعبير، التي تميزه عن أدوات مسرح آخر، وعن المسرح العربي على وجه الخصوص، إذن فهل البحث عن تلك الصورة، هو بحث داخل “صورة الآخر” وبتعبير آخر، هل البحث عن الخصوصية في التعبير المسرحي هو في رحم السائد من التعبير الغربي المعمم لدينا وعلينا؟ سؤال يدخل الذات إلى الرمزي ليؤدي بالضرورة إلى انقسامها وإلى تعددها، بحيث تكون الذات الممسرحة على المستوى التحليلي قد تمفصلت عن الوعي الإبداعي، واندمج في لعبة الاختفاء والإيحاء كوسيلة لإجراء تعارضات تمايزية وتنوعية، إنه بالأساس تعبير غير مباشر عن المكبوت المقموع في الواقع ويرى لاكان << أن كل الإشكالات كانت تنصب أساسا على اتصال الرمزي بالخيالي قصد بناء الواقعي>> ص88، فالذات المحتفلة تتشكل عبر هذا التحول الذي يقترحه علينا برشيد، وتتمفصل ضمن التالوث الذي ينطلق من الخيالي وإلى الواقعي وأخيرا الرمزي، لأن الذات البرشيدية المبدعة لن تأخذ صولتها إلا كوسيلة تتحدث وتنطلق بنظام الرمز والأسطورة، وبالتالي لا توجد الذات بدون التفكير اللغوي كما يرى لاكان، وخارج كل مرجعي وتعالي، لذا يسعى برشيد إلى إبداع كوجيطو مسرحيا “أنا هنا أحتفل إذن أنا الآخر احتفالي” أي أنا أفكر كإنسان مبدع فبما أنني حيث أفكر في الاحتفالية تفكيري، كما يرى لاكان (ص517)، فالذات البرشيدية لا تأخذ كينونتها إلا عن طريق النظام الرمزي، لأنها تخاف من سطوة السلطة والمراقبة والعقاب كما يرى فوكو في مؤلفه ص97، وبرشيد يحاول دائما في مؤلفاته أن ينشطر ضمن هذه اللغة الممسرحة، حيث تفقد مركزيتها لتتحول إلى ذات أخرى دون البحث عن اليقين العلاجي، ولكن عن طريق اللغة اللاواعية يعمد المبدع برشيد إلى تحويل كتابه إلى استعارة حلمية لكي يصبح التكثيف والاستبدال إلى الدال الأصلي المؤجل، ويقول أحد النقاد على الرغم من وجود صيغ مسرحية شفوية ومدونة لدى العربي، والتي عمل الرواد على استخدامها من خلال دمجها في صيغ مسرحية متقدمة – كما لدى القرب – فإن هؤلاء أرادوا بذلك توظيف وتثمير ما لدينا من حالات وأفكار في المسرح، لكن من خلال مفتاح التقنية الغربية أولا، والتي ظلت تطغى وتغلف مجمل الصيغ المسرحية المعروفة وهكذا، فلسوف نجد أنه خلال مسار البحث عن “صورة الذات” في المسرح العربي والذي لم يكن منتظما طيلة الفترة التي امتدت منذ عهد الرواد وحتى الآن، إن ذلك البحث كان دأبه رؤية الصورة داخل “صورة الآخر” (المسرح الغربي) المهيمنة، بسبب ما قدم “الآخر” من نظريات وتقنيات وحلول إخراجية، ثم إن هذا البحث عن توكيد الذات وعن صورتها، يعاني من مشكلات تواجه المسرح عموما في كل أنحاء العالم، كوضعية المسرح إزاء التلفاز والفن السينمائي، ومشاكل الإنتاج والدعاية والإعلان وما إلى ذلك، غير أنه ينفرد دون غيره بمشكلات خاصة، نستطيع إيجازها في: (أ) المسرح العربي بين الخصوصية في التعبير وأدوات التعبير العربية – (ب) مأزق العلاقة مع الجمهور – (ج) مأزق النقد المسرحي والنقاد المسرحيين – (د) مأزق النص المسرحي.

فالكتابة البرشيدية لها منطق خاص، أو بالأحرى عندما تتموقع داخل السياق السوسيونفسي، فإنها عبر علاقاتها المتشابكة وسيروراتها الإيحائية والمجازية، تعكس لنا في النهاية بلاغة إيقاعية روحية متعلقة باللغة الثانية اللابرشيدية، لأن هذا الإقرار بالوظيفة الرمزية والسلطوية دليل على أن الذات البرشيدية تقترح علينا قراءة خطية كإشكالية تراثية وليست كإشكالية عقلانية مرتبطة بكتابات إبستمولوجيا موضوعية، ولفهم أدق ما ذكرته فإن برشيد لا يصنع لنا الاحتفالية كإرث إنساني بل يقربنا من ذواتنا العربية والأمازيغية دون تجاوز الحدود القارية، هكذا تتحدد معالم أولية للقراءة البرشيدية للعمل الدرامي المدون لديه في متونه، بحيث يكون مرتبطا بالتراث العربي الجوهري وبأحلام اليقظة الشعرية والجمالية العربية، للكشف عن الأسس النظرية للكتابة الدرامية ويقول أحد النقاد في هذا الصدد: وإذا كان لا ضير من الاستفادة التقنية المسرحية الغربية، إلا أن اقتحام أدواته وتقنياته لعالم المسرح لدينا، وحيث لم تكون مسرحا بكل معنى الكلمة، ولم نعمل بشكل جدي على تحويل تلك الأشكال في التعبير إلى مسرحية علمية خالصة، يشبه أي اقتحام من نوع آخر، ضمن الغزو الثقافي الذي يهدف إلى التعبير (ص51)، في أنماط الحياة والممارسات الفكرية والاجتماعية، كالعادات والتقاليد واللغة والتراث، إنه الإقحام القسري لعناصر ثقافية جديدة، هي إلى حد ما غريبة عن حياة الشعوب التي تتعرض للغزو، والأداة الجديدة الدخيلة مهما كان نوعها، يصارعها الإنسان، ويعاني منها ثم يتأقلم معها فيما بعد، بعد أن نشهد تحولات درامية، لكن وبعد مرور فترة زمنية طويلة، يصبح من العسير على الشعوب تعريب أو تنقية أدواتها التعبيرية الأصلية التي لها في الحياة من تلك الأدوات والعناصر التي أدخلها “الآخر”، وفرضها فرضا بحكم الغلبة.

إن البحث في إمكانية التأسيس الإبستمولوجي للاحتفالية، يجعلنا نتساءل عن هذا التقابل الإشكالي بين تمطين من الكتابة، وذلك لفهم جوهر وظيفة الرمز، واللغة، والتكثيف، والاتساق، والاستعارة، والرمز والسلطة… قد يبدو للقارئ في البداية أن هذه الكتابة النقدية التي باشرتها هي عبارة عن دينامية غير صورية، تستمد وجودها النقدي الفعلي من كتابات برشيد اللاشعورية، ومن خياله الذي يؤسس سيرورة الرمز والاستعارة لكي يضعنا أمام الجمالي والفني الدرامي، فبرشيد يحاول دوما أن يحاول ازدواجية أصيلة لفهم طبيعة التفاعل بين الذات والواقع، والكتابة والرمز، والأنا أو السلطة، لذا فبرشيد عبر هذه الثنائية أصبح عاجزا عن إيجاد فلسفة احتفالية تطابق الاحتفاليات في ثورتها المعاصرة، إذن فهل مشروعه الاحتفال هو مجال إبراز هذه الفلسفة الدرامية المطابقة لنا؟ سؤال مركزي يحتاج إلى دراسة دقيقة وقادرة على الأسئلة التي تدعم هذه الاحتمالات لأنه رهان صعب على برشيد أن يبني لنا قارة احتفالية ضمن القارات العالمية كما في إسبانيا والبرازيل والهند، وبرشيد يعي جيدا أن الأمر يتعلق بالإبداع الجمالي والفني الشيء الذي جعلنا نكتفي بطرح الإشكالات أكثر الإجابة عليها ويقول أحد النقاد: فلو أخذنا “السيارة” – على سبيل المثال – التي ليست من ابتكارنا وصنعنا، والتي حولت مجرى الحياة اليومية، وألغت بالمقابل وسائل كانت لدينا كالجمل والحصان، واختصرت المسافات وغيرت المساحات، فإننا نجد أن العودة عنها حاليا سوف تعيد لحظة المأساة أو الدراما الأولى التي عشناها وقت دخلت علينا، وينسحب الأمر على كل التكنولوجيا الحديثة، لأن سلخ الأداة عن حياتنا بعد فترة طويلة، يحدث مأساة شبيهة بمأساة البداية.

والمسرح لدينا عليه كي يتمكن من إيجاد معادل تعبيري لتعابير الحياة، أن يرصد وينقي أدوات الحياة في التعبير اليومي، نظرا لأنها قد اختلطت مع الظروف (ص52). وانطلاقا من هذا الطرح فإن لغة برشيد الدرامية تعتمد الحدس المباشر، والاسترجاعية لتفسح المجال للذات الراغبة في تحطيم أسوار الأجناس لإيجاد عقل يجيد مجادلة مبادئه وأصوله كما يقول باشلار ص9 – 10، فتبدلت الشخوص – ابن الرومي – وامرؤ قيس، ولونجا والنمرود… هي قوة واعية، لعبت دورا مهما في بناء التحليل للوظيفة للغة الدرامية، حيث يتم إبراز الانفعالية والانتقائية كوظيفة ثانية، وأداة للتواصل الإدراكي والذهني، والحدس الصوفي، كل هذا أبدع حسب برشيد لحظة تدوينية جديدة كالموضة، وتحولا فكريا عميقا، يقوم بتبديل مسارات التاريخ مثل لحظة سقوط التفاحة، أو حل مسألة رياضية ليدع تسميات وإيتيكات تجعله ينبذ المقدس ليمد الكلمات بمواقع أخرى وبدلالات مغايرة، واحتلت الشياطين سماوات فكره فوق سماوات لغته، وكلما ابتعدت أكثر فأكثر كلما كانت تعبيرا عن قوة عليا للتعقيد التاريخي الجاهلي أو العباسي، أو الحديث والمعاصر، فهذا التمركز في التراث يعني الكلام عن الكتابة واللغة والمعنى، والخيال، هو الذي أعطى سلطة للدلالة، فأصبح القياس النموذجي تقاس عليه النماذج الفكرية والإبداعية، ويقول أحد النقاد في هذا المقام: إن المسرح كما الحياة، ودون المبالغة في المقاربة بينهما، لا يستطيع الاستغناء عن أداة تقنية غريبة، ولا يستطيع إلغاءها دون إيجاد بدائل لها، تحاكي على الأقل بدائل في الحياة اليومية المتطورة والمخزون الثقافي لدى الشعوب على حد سواء، إنه لا يستطيع ذلك دون العثور على تحويل جديد يستطيع أن يحل مكان التحويل الذي أحدثته تلك الأداة الخارجية أو تلك التقنية سابقا، وذلك حرصا منا على ألا تتكرر المأساة على خشبة المسرح، كما في الحياة عند إلغاء أدوات ووسائل دون إيجاد بدائل عنها، فالكتابة البرشيدية كتابة وصفية وتعميمية وليست احتفال معرفي بل ملتزقة بالمؤلف، ما دام النص غير مكتمل إلا به، فهذا مغاير للنهج البنيوي، لأن دلالاته تتضاعف مثل المتوالية الرياضية فالسؤال الموجه إلى عبد الكريم برشيد: هل بإمكاننا تحقيق كلية نصية منظمة دون الأخذ بالاعتبار ما تهدف إليه أنت؟ وكيف تتشكل الاحتفالية عندك؟ وما موقفك من التقديس الاحتفالي؟ سؤال يرعب الحقيقة المجنونة، ويبدع شفراته لاستكشاف الكهوف البلورية في النص البرشيدي، حيث يتداخل ما يهبط من السقف الشيطاني ليندمج مع ما ينبت من الأرض، ولم يعد القارئ شخصا ملعونا بالتقنية، بل وظيفته صارت تبحث عن أسئلته الخاصة به فلم تعد الحقائق التراثية تتلاءم مع متطلبات الإنسان المعاصر، بل أصبح كل شيء بمقدار ما تؤشر اللغة المصنوعة من أفكار في الوعي المفبرك ولهذا يقول جاك ديريدا: إن الحقيقة لا تخرج خارج اللغة. (الكتابة والاختلاف) ص36، فبرشيد لم يستطع أن يغادر ميتافيزيقا التراث، بل اعتمد التطابق والتمثيل للنص التراثي الغير المتناقض، داعيا الألفة واحتواء الذات بمرجعية مهادناتية، رغم دقاته الناقوسية اللانهائية، فهو الفنان بالجنون كما يرى أفلاطون، حيث جعل المسرح غذاء للفقراء والحرافيش وتطهيرا لهم وهذه الرؤية تعيدنا إلى مناقشة برشيد لمعرفة طريقة الكتابة الدرامية، وأيضا لغته المرتبطة برؤية العالم ولعبته الاختزالية، ومعناه الإرجاعي المرتبط بالتاريخ الماضي، لأن تثبيت المسرح الهامشي ينتج لنا معنى ثالثا كشاهد عن معناه دون اكتمال السلسلة التوالدية ويقول الناقد: فالمسرحية (أو المسرح) كوسيلة تعبير فنية لدينا، في بلاد العربية، يجب أن تلتقط لحظات التحول والتأثر والتغيير، وعلى المسرح أن يسجل اللحظات الدرامية جميعها لحركية الواقع مع الزمن، فالمسرح لن يقدم جديدا إذا هو عرض فقط لحالة جديدة دون ربطها بما سبق، إذ أن عليه أن يعرض للحظة التي تم فيها التحول من حالة إلى أخرى ومن القديم إلى الجديد، في هذا التقليد أو في تلك العادة أو ذاك السلوك، ثم يقبض على التفاصيل، والمسرح كوسيلة تعبير فنية لدينا، لن يقدر على القبض الفعلي على أدوات الحياة عن التعبير، وتفسير استعمالاتها اليومية طالما ظل يستخدم بديلا عنها أدوات أخرى قد أدخلها “الآخر” في ميدان المسرح، كأدوات تعبير فنية مسرحية نادرة ولا وجود لغيرها من أدوات، وبرشيد يركز في متونه على الفردانية التي تمثل العقل والمساواة والحرية، وبتحرره من القيود واستعادة فرديته كقصدية عامة التي يملكها الوعي كما في مسرحية ابن الرومي في مدن الصفيح فتفكير المثقف ابن الرومي هو تفكير في الأنا كمثالية من اللحظات التي لا تحصل إلا مرة واحدة، فابن الرومي يقيم علاقة مع العالم، لكي يجرب المعيشي ولكي يتكئ السعادة على تمثيلاتها، وعلى ممارسة الفرد لحريته وحب الآخر، كما يقول ميسرا حي روبير في كتابه (نباء السعادة) traité du bonheur ص87، فالكتابة هي امتلاك منظم، وإنتاج المعنى، وهنا توحي لنا حتى على المستوى البنيوي البيولوجي بتناظر ما بين إنتاج المعنى وبين لغة اللغة التي قال بها رولان بارت في كتابه الأسطورة، إنها سلوك ذاتي بالضرورة لذا يقول أحمد أبو زيد في هذا الصدد <<أما السلوك الرمزي فهو سلوك الشخص نفسه من حيث هو إنسان>> (الرمز والأسطورة في البناء الاجتماعي) ص53، وبرشيد يجبرنا على أن نعيش على سطوح ذواتنا، وأن نرتب العالم الممكن ترتيبا دراميا، هكذا أصبحت عنده امتلاكا وحلما غير متحقق إلا بين الازدحام السياسي والفني وبين الواقع والكبث، وبين الأصالة والمعاصرة، حيث يختلك الحلم المسلوب بالواقع وبالحلم المر ليعلن عن رغبته في التحقق من هذا الواقع المنشود، وحتى يظهر لنا الحلم العربي الذي ضاع، ولم يبق إلا بساط الريح، ومصباح علاء الدين، وكلها أوهام لا تكفي لامتلاك هواء الذات الدرامية ويقول أحد النقاد في هذا الصدد: إن دراسة وفهم الطريقة التي سيتلقى بها جمهور المسرح الرسالة المسرحية والتي هي كناية عن مجمل الإشارات والأفكار والحالات التي تحدث على خشبة المسرح وتبث باتجاه صالة المشاهدين، سوف تساعد المسرحيين كما النقاد، على تعديل فحوى وشكل الأداء المسرحي، بمعنى بلورة العمل المسرحي المقدم، ودفعه باتجاه إيجابي، وإذا كانت العين ثقافة المشاهد مع تفاوتها هي التي ستتيح له ولعينه بأن ترى جيدا ما تريد، وهذا العلم الغربي الذي سار بموازاة علم اللسانية، فيما بعد وتأثر به مع “سوسور” و”بيرس” قد مكن أصحابه من الاستفادة منه على صعيد التعبير المسرحي نصا وتمثيلا، وعلى صعيد أنماط الحياة أيضا، ونحن باستطاعتنا الإفادة منه أيضا، في سبيل تطوير الأعمال المسرحية وتحسين وتصويب العلاقة بين المسرح وجمهوره لدينا، وتوسل النقد المسرحي العلمي والموضوعي، وهكذا توصل هذا العلم إلى تصنيف عملية التلاقي بين المسرح وجمهوره في ثلاث محطات أساسية هي: المرسل (الممثل) والرسالة (المنتج) والمتلقي (الجمهور)، فالمتون البرشيدية مملوءة بفراغات شطرية، وهي ظاهرة منتشرة في شكل قصيدة درامية، لدرجة تحتاج إلى دراسة خاصة، لأنها تطرح الأسئلة على أهميتها ويقول لاكان: إن الإنسان لا ينتج اللغة بقدر ما تنتج اللغة الإنسان، ص154 من كتاب اللغة الرمز لعبد الهادي عبد الرحمان، فالناقد هنا لا يلجأ لاستخدام ميزان دقيق يزن به أمور المسرح في علاقته بالجمهور، كما أنه لا يمتلك المعايير الدقيقة ونقاط الاستعلام الصحيحة التي يحاكم على أساسها العمل المسرحي، إذن كيف سيساهم النقد في تطوير المسرح في العالم العربي، دون مواربة واستسهال للأمور، وحيث لغة نقد العرض المسرحي، هي على سبيل المثال مختلفة عن لغة نقد العرض المسرحي المكتوب؟ فقاموس برشيد حافل بنماذج عدة وقضايا كثيرة تحتاج إلى بحث معمق، واختيارنا لهذه المتون جاء عفويا لنؤكد على أن علاقة اللاواعي اللغوي الدرامي بالبنية الإبداعية الدرامية، خلقت صراعا على وحدة الماهية، أنها المؤثر قطعا على تشكل ثقافة المبدع سوى صراع مكشوف فيه، لأن الذات لا تنتج ذاتها دون وجود الجوهر المتفاعل معها، مما يعني في المقابل تعارضا مع حجة الفكر المحافظ، لأن الجوهر بمفرده لا ينتج إلا بوجود الأصل، هكذا تنشأ الثقافة الدرامية من جوهر مستقر ومن أصول متقلبة متعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *