ابتسام لشكر بين حرية التعبير ووصاية الخطاب الديني والسياسي. جدل الجامعي والرميد أنموذجًا.

حميد طولست

أعادت تصريحات الناشطة الحقوقية ابتسام لشكر الجدل حول حرية التعبير وحدودها في المغرب إلى الواجهة، بعد أن أثارت تفاعلات واسعة لم تقتصر على الأوساط الحقوقية والسياسية فحسب، بل امتدت إلى النقاش الفقهي والديني. وإذا كانت لشكر معروفة بمواقفها الجريئة والصادمة أحيانًا، فإن الضجة الأخيرة تجاوزت شخصها لتتحول إلى اختبار حي لموقع حرية التعبير في الفضاء العام المغربي، ولعلاقة الدين بالقانون والسياسة.
وفي قلب هذا الجدل، برزت تدوينة لوزير العدل السابق مصطفى الرميد على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي، تناول فيها تصريحات لشكر بلهجة حادة، استحضر فيها لغة “الوعيد” و”الزجر” ودعا ـ بشكل مباشر أو ضمني ـ إلى متابعة قضائية ضدها بدعوى الإساءة إلى “الذات الإلهية”.
وقد اعتبر كثيرون أن الرميد، بحكم موقعه السابق على رأس وزارة العدل ورئاسته للنيابة العامة، كان عليه أن يكتفي بالنقاش الفكري أو القانوني، بدل الاصطفاف في موقع “المفتي” أو “المحرض”، وهو ما أضفى على تدوينته بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز مجرد رأي شخصي.
وفي مواجهة ذلك، بعث النقيب عبد الرحيم الجامعي برسالة مطوّلة إلى الرميد، اتخذت شكل مقالة فكرية/حقوقية بليغة حملت عنوانًا دالًا: “رسالة إلى الأستاذ مصطفى الرميد: لست لا مفتيا ولا مرشدا، فلا تكن محرضا…”.
الجامعي، المعروف بدفاعه المستميت عن الحريات الفردية والجماعية، ذكّر الرميد بأن: حرية الرأي والتعبير حق كوني، لا يحق لأي شخص أو مؤسسة مصادرته تحت أي ذريعة دينية أو سياسية.
الرميد بتدوينته لم يكتف بالنقد، بل مارس ـ من حيث لا يدري ـ سلطة الوصاية والاتهام، حين لبس “عمامة المفتي” و”جبة القاضي”، وهو لم يعد لا وزيرًا ولا رئيسًا للنيابة العامة.
دعوة الرميد الصريحة أو الضمنية لإنزال العقاب بلشكر، تفتح الباب أمام “قضاة الشارع” لإصدار أحكامهم المسبقة، وقد تحرض على الكراهية والعنف.
اختلاف الرؤى الدينية والفلسفية حول مسائل مثل “الذات الإلهية” أو “المصير الأخروي” قديم وممتد في التاريخ الإسلامي، ولم يحسم حتى اليوم، بل كان سببًا في نفي الفلاسفة وحرق كتب بعضهم. وبالتالي، فالنقاش في هذه القضايا ليس طارئًا ولا يجوز تأثيمه أو تجريمه.
إذا كان الرميد متضررًا فعلًا، فالقانون يتيح له أن يتقدم بشكاية كطرف مدني أمام القضاء، بدل ممارسة ضغط سياسي أو معنوي عبر تدويناته.
القضية أبانت مرة أخرى عن عمق التوتر بين خطابين في المغرب:
خطاب حقوقي/حداثي يدعو إلى إطلاق حرية التعبير بلا قيود، حتى وإن مست معتقدات راسخة، معتبرًا أن الرد على “الفكر” يكون بالفكر لا بالقمع.
وخطاب سياسي/ديني يرى أن حرية التعبير ليست مطلقة، وأن “المقدسات” خط أحمر لا يمكن تجاوزه، بل يجب أن تحميه التشريعات الزجرية.
لكن اللافت أن هذا الجدل لا ينفصل عن واقع أوسع، حيث لا تزال السلطة التنفيذية تميل إلى تجريم بعض أشكال التعبير، فيما يتشبث الفاعلون الحقوقيون بمطلب “تحرير القانون الجنائي” من مواده المقيدة للحريات.
أن قضية ابتسام لشكر ليست حدثًا عابرًا، بل هي مرآة تعكس إشكالية العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وبين القانون والمرجعية الدينية، وبين الفضاء العمومي وسلطة الدولة.
وقد أظهر سجال الجامعي والرميد كيف يمكن لمواقف شخصية ـ إذا صدرت من رموز سياسية أو حقوقية ـ أن تتحول إلى مؤشرات كاشفة عن عمق الأزمة.
إنها دعوة مفتوحة إلى إعادة التفكير في كيفية تدبير الاختلاف داخل المجتمع، بعيدًا عن منطق التخوين أو التحريض، وقريبًا من روح النقاش الحر، حيث يُردّ على الكلمة بالكلمة، لا بالعقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *