الأديان سبب الحروب !

حميد طولست

لطالما ساد الاعتقاد بأن الأديان هي المحرك الرئيسي للحروب عبر التاريخ، وأنها المسؤولة على قتل الملايين وتدمير المدن وتأخير التقدم الإنساني ، حيث يرى البعض أنه لولا الصراعات الدينية لكان الإنسان قد بلغ مستويات متقدمة من التطور، ما يطرح التساؤل : هل الحروب الدينية كانت السبب الرئيسي للصراعات البشرية عبر العصور، وإلى أي مدى يمكن اعتبار هذا الادعاء دقيقًا؟.
فعند دراستنا لتاريخ الحروب، نجد أن النزاعات الدينية لم تكن العامل الوحيد أو الأهم في كثير من الأحيان. فالحروب كانت ولا تزال تنشأ بسبب عوامل متعددة، منها:كالصراعات السياسية التي لم يكن للدين فيها دور محوري، مثل حروب الإمبراطوريات التوسعية وحروب الإسكندر الأكبر وحروب نابليون بونابرت. وصراعات المصالح الاقتصادية: حيث كانت الحروب تُشن للسيطرة على الموارد والثروات، مثل الحروب الاستعمارية في أفريقيا وآسيا.والصراعات القومية والعرقية: مثل الحروب التي قامت على أساس التفوق العرقي، كما حدث في الحربين العالميتين.وهذا لا يعني إنكار وجود حروب دينية، فالتاريخ شهد العديد منها، مثل الحروب الصليبية، وحروب الإصلاح البروتستانتي، والفتوحات الإسلامية، ولكنها غالبًا ما كانت تحمل دوافع سياسية واقتصادية مغطاة بغلاف ديني.
أما الشق الثاني من السؤال ، الذي يعمم القول بإن الحروب الدينية أخّرت التقدم العلمي والثقافي، فيغفل بأن العلوم والفلسفة قد ازدهرت في العصور الإسلامية في بغداد وقرطبة رغم ما عرفته من صراعات الدينة، نفس الحال بالنسبة لأوروبا، حيث كانت فيها الكنيسة راعية للعلم والمعرفة في فترات معينة ، على الرغم من محاكم التفتيش والقمع الديني ، بينما لم تكن الحروب الكبرى في العصر الحديث ذات طابع ديني ، مثل الحربين العالميتين ، ومع ذلك دمرت مدنًا وأخّرت النمو الاقتصادي. ما يثبت بأن “الأديان هي سبب الحروب” وأنه لولا الأديان، لتقدم الإنسان أكثر مما هو عليه اليوم ، تعميم مفرط لا يعكس الحقيقة الكاملة، ولا يقدم دليلا علميا يثبت على أن غياب الأديان كان سيؤدي إلى تسارع التقدم العلمي، لأن التحديات السياسية والاقتصادية والصراعات البشرية وطمعهم في السلطة والثروة ستظل موجودة كأداة تستخدم في إشعال الحروب، حتى في المجتمعات غير الدينية، التي تقدم أدلة على أن الأديان ساهمت في تعزيز الأخلاق والتضامن الاجتماعي، مما ساعد على بناء حضارات مستقرة.
وتبقى ‏الحرب الوحيدة المجدية – كما قال د / مصطفى محمود في كتابه ” زيارة للجنة والنار- هي الحرب على الكسل ،و الحرب على الجهل ،و المسارعة إلى الأخذ بالأسباب ،و الاعتماد على الذات ،و ما فعلته اليابان و نهضتها من الصفر و بلوغها القمة و الصدارة في سنوات قليلة ،و ما فعلته سانغافورا، و ما فعلته ماليزيا ،و ما فعله الحفاة في الصين .”
حميد طولست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *