الاتجاه البنيوي بين بول ريكور وجاك ديريدا

إنجاز: د الغزيوي أبو علي 

يعد كتاب صراع التأويلات لبول ريكور من بين الكتب المهمة التي حاولت أن تعيد النظر في الفكر الفلسفي المعاصر كالفينومينولوجيا والبنيوية، واللسانيات والتحليل النفسي، طارحا التأويل كخطاب جديد ومغاير، لذا يأخذ بعدين: بعد انطولوجي الذي يجعل الكائن ضمن وحدة منسجمة وهذا الكائن لم يكتشف إلا مع الحداثة أي منذ صياغة الكوجيتو الديكارتي وسبينوزا، بالإضافة إلى الفلسفة الكانطية ووصولا إلى هيجل الذي جعله جماعة مع إبراز الوعي الزائف الذي كان يغلفه كما يرى ماركس ونيتشه وفرويد، وانتهاء بدلتاي وهوسرل وهيدجر وموته مع البنيوية، وهذا التراكم الفلسفي يتطلب منحى معرفي جديد لهذه الذات المتمردة والمتنورة، لأن هدفه اكتشاف الكائن عبر عملية تأويل التأويلات، ويرى ريكور أن التأويل داخل الأنساق الفلسفية وخاصة داخل البعد الفينومينولوجي، لأن الطريق إليها يبقى قصيرا مرتبطا بأنطولوجيا الفهم كما عند هيدجر، أما الطريق الذي يريده مفاده بلورة مثل هذه الأنطولوجيا الذي يتم عبر الحوار مع الحصيلة النظرية والمنهجية التي يتوفر عليها الفكر الفلسفي أي عبر ابستمولوجيا للتأويل ص10، ويرى أن هيدجر في مشروعه قد اهتم بالكائن المحدود لأجل فهمه ما هو موجود وذلك ضمن علاقات مع الكائنات الأخرى، وهذه الرؤية الهيدجرية قطعت مع كل المناهج الفلسفية، إذن ما عاد المشكل المطروح في الفكر بين الموضوعية وبين الموضوع المطروح، ولكنه أصبح مشكل تحديد الكائن ولماهية الكينونة (ص11)، إذن فالمعرفة الفلسفية القديمة أصبحت جراء من الإطار الجديد للتفكير عند ريكور مستعرضا الفيلسوف هوسرل الذي اهتم بالذات كقطب حامل للقصدية، جاعلا هذه الذات حاملة للمعرفة والدلالة من أجل تعويض معرفة التأويل بأنطولوجيا الفهم، لكن هوسرل حسب ريكور اختزل هذا الكائن في بعده القصدي والتواصلي وهذا الكائن المثالي والمنغلق على ذاته الذي لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن علاقات بالعالم كما يقول ريكور في كتابه ص13، فالكائن هو مشكلة تاريخية مرتبطة بالمعرفة الموجودة دون أي تساؤل أو حفر يذكر، لكن ديلتاي أكد على هذه العلاقة الاتصالية بين هذا الكائن والتاريخ، ويرى أن ما كان حدا للمعرفة وهذا العلم ، وما يكون من مفارقة، فإن الانتماء المؤول إلى موضوع فهمه أصبح سمة انطولوجية لهذا المؤول (ص13)، وهذا الطرح هو الذي يعطي لهذا الكائن تجليه الجديد في التعبير وبناء المعرفة، دون حصره في الأسئلة القديمة، لأن صيرورة التأويل هو الذي يمنحه الانتقال من انطولوجية الفهم إلى ابستمولوجية التأويل، وهذا التحوير لا يجعل بول ريكور أسير البعد الأنطولوجي، لأنه اعتمد نقد كل الممارسات التأويلية السابقة من أجل إبراز المختلف والمضمر لبناء أورغانونا للتفسير ولعملية فهم النصوص، إذن كيف نؤسس لإبستمولوجية تأويلية داخل التأويلات الفلسفية الأخرى؟ فإذا كان هيدجر فيلسوفا وجوديا مغايرا لكل الطروحات السابقة التي طرحت من سارتر وكيرجراد وغيرهم فإنه أراد إلحاق المعرفة التاريخية التي نعرفها ونمتلكها بالفهم الأنطولوجي، ألا يجدر بنا أن ننطلق من المعرفة من أجل فهم هذا الكائن داخل التأويلات المتعددة، لأن الكائن هو الدي يمارس الفهم لأنه ضرب منه رغم تعدد التفسير والفهم كما يرى بول ريكور، فالنظر إلى تعريف الإنسان هو الذي يمدنا بتعدد القراءات والتأويلات، الشيء الذي يقربنا إلى انطربولوجية مفتوحة قادرة على فهم الإنسان وتكوينه وطبيعته وثقافته وعاداته وتاريخه كما يرى في ص19، وهذه القراءة الاختلافية هو الذي يسمح لنا أيضا بإبستمولوجية لهذا الكائن داخل التأويلات كموقف فرويد من ديكارت وماركس من هيجل، ونيتشه من الفكر الفلسفي كله، كلها مواقف تريد تحريرها من شموليتها ومن إطلاقيتها لكي ينكشف هذا الوعي الزائف كما يرى ريكور في كتابه المذكور ص26، فالتأويل يكون إذن حسب المعنى  المضاعف، لأنه يتجاوز الوظيفة اللغوية ويقول في هذا الصدد <<نسمي تفسيرا أو تأويلا في فهم التمظهرات أو التجليات المكتوبة للحياة>> ص66، نفس المرجع، فالتأويل يتأسس خارج اللغة لأنه منفتح على العلامات الخارجية، هنا يؤكد ريكور على أن انكشاف هذا الارتباط مرهون بتناول مقاربات أخرى لمشاكل التعدد الدلالي، مقاربات يتغير معها سلم البحث وحيره، وهو ما يؤدي إلى تزايد الدقة العلمية من جهة، وإلى إمحاء الوظيفة الأنطولوجية للغة بما هي قول من جهة أخرى، فهذا الموقف النقدي هو الوعي الذي يحيا في هذا الزخم الكوني، لأنه القاعدة الإنسانية تحكم التفكير الفلسفي، وهي الدرس الجوهري لتاريخ التلقيات لفهم طبيعتها وقضاياها والكيفية التي تمت بها معالجة التأويل من خلال الزوايا الفينومينولوجيا والوجودية والماركسية والبنيوية وما بعد البنيوية وهذا الضرورة الاسترجاعية هي توسيع موقف الانطلاق الريكوري لتلك اللحظات التي لا تعني موت المؤلف أو انغلاق النص، بل الانفتاح على مستقبل المعرفة، إذن ما هي الآلية المنهجية المتحكمة بكتابة ريكور؟ فهذا المقال يقدم معالجة قابلة للنقاش الأكاديمي نظرا لأهمية تفاعل وتكامل كل من الفلسفة والمعرفة، حيث يتجدد محتوى التأويل التفكيكي بدينامية الصور والمواقف الفلسفية السابقة وقدرتها على التأسيس المنهجي من أجل ولادة فلسفة قادرة على اجتياح السوق الاقتصادية الحرة للعالم، كما فعل غاستور باشلار في مشروعه الذي زاوج بين الحقيقة والتجريب وبين المحسوس والمعقول، لأن إلغاء الحدود بين المعارف الإنسانية هي التي جعلت بول ريكور أن يجعل هذا الكائن خاضعا لعدة قراءات وتأويلات، لأن رسم الحدود بين المعارف يعني ممارسة النقد برؤية موضوعية كما فعل كانط في تقسماته الفلسفية والمنهجية كما يرى ريكور. إن رؤيتي لا تتجه إلى البنيوية وتناولها بالتأويل، لأنها تنمي إلى العلم، وإنني لا أرى في هذه الآونة الأخيرة هي مقاربة أكثر خصوبة وذلك لكل مستويات الفهم الذي تعودنا عليه، ص33، ويرى أيضا أن البعد الفينومينولوجي للوعي لا يستطيع أن يواجه اللاشعور الذي بناه سيغموند فرويد، وأن نقده للتحليل النفسي ينبغي أن يساير المنهج الكانطي في حركيته قصد الوصول إلى النواة الغير القابلة للنقاش (ص34)، فتتبع منطق الداخلي لفهم البداية والنهاية لتحرير هذه التأويلات من قيد الانغلاق من أجل الوصول إلى الدلالة العميقة كما حددت عند شومسكي، لأن توحيد بين ماركس وفرويد ونيتشه هي بمثابة مقاومة.

ظهر هذا المنهج في مرحلة ما بعد البنيوية وقد اتخذ عدة تعريفات كالهدم، واللابناء والتحليلية البنيوية وغيرها من التسميات وقد عمل جاك ديريدا بإصدار مجموعة من الكتب الكتابة والاختلاف، وفي علم الكتابة، والصوت والظاهر، وأيضا التشتيت ومواقف وقد عمل مدرسا في جامعة يال في الولايات المتحدة الأمريكية واتخذت طابعا مدرسيا وسميت بمدرسة بال ومن أعلامها بول دي مان وجيفري هارتمان، وقد عمل مع هذا الفريق بإعادة النظر في البنيوية ويقول رامان سلدن <<فممثلوا ما بعد البنيوية هم بنيويين اكتشفوا خطأ طرائقهم على نحو مفاجئ1، فجاك ديريدا أراد أن يقوض الوعي الإيديولوجي الموروث وذلك اعتماد على التحليل السوسيولوجي ويقول في هذا الصدد “إن استخدامه لهذا المفهوم قد أخذ هيدجر بمعنى تحليل بنية ما من طريق نشرها وبسطها على طاولة التشريح مثلما كان يفكر في كلمة ألمانية استعملها فرويد تدل على نوع من التركيب المقلوب”2 من المقلوب، والكلام هو نظام فردي، لأن اللغة هي نظام

1– رامان سلدن “النظرية الأدبية المعاصرة” تر جابر عصفورا – القاهرة دار الفكر ط1 – 1991 ص125.

2– غليسي “مناهج النقد الأدبي” ص180.

اجتماعي وليس فردي، ويقول سوسير في هذا المقام <<إن الشق اللغوي سلسلة من اختلافات لأصوات تتضام مع سلسلة اختلافات لأفكار>>1 ويرى ديريدا أن بعد العلاماتي ليس وحدة متناسقة بين الدال والمدلول، لأن الدال لا يعطي المدلول الواحد الحاضر، كما تعطينا المرآة التي نراها حولنا، فإذا أخذنا كلمة الحب، فإنه يحمل عدة تأويلات حب الذات، وحب الوطن، وحب المرأة، والأرض، وحب الحيوان، وتمضي هذه العملية إلى ما لانهائية لنبدع لنا سلاسل وتيارات متقاطعة من المعنى>>2.

فالنص الأدبي علامة مشكلة من دوال لا تعطي مدلولاتها كما تعطي لنا المرآة الصورة التي نحن عليها، حيث تحولنا إلى عدة معاني، لذا تتعدد القراءات يفضي بالقول إلى موت الكاتب، لأن المعنى منتشر بين الحضور والغياب معا وذلك حسب القراءة التي تتبدل مثل قماش يمتد إلى ما لا نهاية، حيث تتبادل العناصر وتدور على نحو متواصل، وحيث ما من عنصر يكون محددا بصورة مطلقة، وما من شيء إلا وهو واقع في شراك كل الأشياء الأخرى وحامل لأثرها>>3.

إذن يتيح لنا هذا الطرح الديريدي أن عدم رسوخ البنية الفكرية دليل على الاختلاف وسيرورة التأويل والاقتباسات والإشارات على نحو يغدو القارئ حرا في تعامله مع النص دون أي اعتبار للمدلول كما يقول رولان بارت4، وهانس روبير ياوس أيضا، لأن التفكيك ليس منهجا، بل قراءة تلغي التقابلات المشكلة للنظام المؤسساتي (نور / ظلام – متقدم / متخلف)، وديريدا أراد أن يعيد للهامش تاريخه وهويته وأن ينخرط في المتن العالمي.

إن الكتابة هي التي تفكك البنية المهيمنة لكي تحرر الذات من طغيانها وهيمنتها، ومن الأب السياسي الغربي كما يرى إيغلتون، فالقوى الطلابية التي سادت فرنسا 1968 جعلت الفكر الغربي يتعرض لهزات لم يعرفها من ذي قبل، فبدأ المثقف يوجه سلاحه ضد اللغة والثقافة المسيجة بأبراج التقديس هكذا أصبح كل فكر نظامي كلي موضع شبهة بوصفه فكرا إرهابيا5، فالقارئ التفكيكي هو مبدع يقدم للنص هوية مضاعفة تحرره من الدوال ومن إنتاجية اللغة.

فالبنيوية حسب بول ريكور تحاول أن تتداخل مع الفلسفة لتجاوز إمكانات الفهم التي تختزنها، (أي انطولوجيا الفهم)، لأن إعادة المعنى هو المرور عبر الذات والوظيفة العلمية وأخيرا موت الإنسان المعاصر، فهي معادلة لفينومينولوجيا الذات، وريكور ينطلق من اللغة والأنتربولوجيا لمحاكمة هذا الصرح البنيوي الذي يعتمد على العلامة والرمز، دون استحضار البعد التزامني (الكلام) والدياكروني (اللغة) لأن التفسير البنيوي مشروط في كل الحالات بقدر من الفهم التأويلي القديم الذي ينظر إلى اللغة من بعدها اليومي

1– النظرية الأدبية المعاصرة ص126.

2– المرجع نفسه ص127.

3– تيري ايغلتون “نظرية الأخرى” ص223.

4– النظرية الأدبية المعاصرة ص129.

5– إيغلتون “نظرية الأدب” ص242.

(الكلام) والمكتسب وهذا مخالف كما يرى ريكور لأن تعقلن المعنى دون قدر من فهم البنيات (صراع التأويلات) ص60.

إذن فهذا الاتجاه البنيوي الذي يعتمد على التقابل والانغلاق، يقربنا من الإلغاء لكل ملاحظ أو مبدع لأنه يعتمد كما قلت على الوحدات وعلى علاقة التقابل، إذن لماذا ينظر إلى البنيوية على أنها الصور لكل عملية تأويلية ولكل نزعة فينومينولوجية؟ فالجواب يبقى محصورا في الدلالة أي في حقل ما غير قصيدية الذات كما يرى ريكور ص246، فالانحصار في حدود النص المؤسس على الصيغة الوصفية والتبادلية يمنعنا من ملابسة إحداثيات الزمكان والقصيدية كما حددها (هوسرل)، لأن هذا لا يخرجنا من دائرة اللغة رغم إلغاء الوعي واستبعاد الويفة الرمزية (الأنتربولوجية والفهم كما يرى ليفي شتراوس) وهذا يؤدي إلغاء الذات المتحركة والمتعددة، إذن فالذات تبقى مسيجة داخل التحديد التبادلي للعلامات ويمنعها من التحول في الزمان وفي التوابع التاريخية كما يرى جاك ديريدا، فالبنيوية لا تعير اهتماما للمصادر الخارجية ولا للأصول الهامشية، وإنما تتجه نحو البناءات الفكرية الغربية والإنتظامات النسقية في إطار كل مبنى سلفا وهذا ما نراه في هذا الحرب الموجودة بين الغرب والعرب الفلسطينيين.

فخدعة التأويل وزيفه نطالب من الباحثين أن يسرد الجدل في المجال المعرفي، لا أن يسود الانتقاء في تاريخ الفكر والأغراض التي تؤطره، بل لابد من مجموعة من استراتيجيات التواصل المنهجي والنقدي وكذا مقصديات الإبلاغ، لأن محاولة اللاشعور وآلياته في حيثياته النفسية وملابساته اعتبره بنية لغوية (حسب لاكان) كتابات ص145.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *