ذ: الغزيوي بو علي
المسرح هو تعبير عن الحياة وعن الإنسان والكون فيما يخالجنا من إحساسات وتفاعلات باطنية التي نعيشها في حاضرنا متخذين من تجارب غيرنا مواعظ وحكم فتفاعل هذه العوامل تمثل صورا حية وناطقة.
تتقاطع خطوط تجربة الاحتفاليين في مجموعة من البيانات التي تسجل الواقع التي تحياه الجماهير العربية وبين المواقف المتباينة التي تتخذ الاحتفالية بسلا إلى الإثارة والتدليل عن قصد.
ومن خلال قراءتنا لهذه البيانات والكتابات الاحتفالية استكشفنا مدن قدرة الاحتفالية المستندة إلى تجربة الجماهير وتماسك هذه التجربة مقابل تفكك وضعف المناهج المطروحة على الساحة المغربية: النقد المعياري – البنيوي – السميائي – الحداثي – السيولوجي – اللساني – التاريخي – الوصفي فالاحتفالية إرث ناضج وفاعل في تحريك هذا الواقع الرتيب وهي القادرة على فهم أسس الصراع وتحليلها دون اللجوء إلى الترميز والتعمية.
فإذا كان عبد الكريم برشيد هو المؤسس الأول لهذا المنهج كما يدعي في كتابه (الاحتفالية مواقف مغادرة) حيث يفتح في البساط الخيالي أفق التجربة الاحتفالية في الوطن العربي، فبيانات مراكش 76 – 77 – 79 نمت خارج المؤسسة بالمفهوم الفوكاوي، حيث ترتبط بالإنسان ومع الإنسان ومن خلال تجارب فرسانها أعطت لهذا الاتجاه جغرافية عربية إذ أعادت قراءة التراث وأعلنوا القطيعة مع الغرب فرغم هذا الإعلام الخصوصي فهو يهدف إلى تحقيق هذا الوعي ولكن هذا الوعي ناقص، حيث يفتقر إلى الداخلي القائم على التجربة فتبدو هذه الدعوة موصوفة من الخارج كما يقول الدكتور رحى المنيحي – فالتجربة الرشيدية رغم شاعريتها الهادفة إلى التأكيد على هوية مسرح عربي فإنها لا زالت بعيدة عن بعد التأسيس والتنظير لأن المتصفح في ذاكرة الإنسان العربي سيجد أنه لم يكن يعرف هذا الفن نظرا لعدة اعتبارات منها: أولا البعد الديني – والصراع – وطغيان الغنائية كما يقول ميشال عاصي في كتاب الأب والفن ص: 184 و185، فهذا الغياب هو الذي يريد أصحاب الاتجاه الاحتفالي أن يزرعوه في ذاكرتنا، لأن البنية لا تنبث إلا بتوفير الشروط الملائمة وإيجاد أرض خصبة ومناخ ملائم.
فالمسرح الاحتفالي يهدف إلى تمثيل وتمجيد منظومات التصنيف المصوغة في الأوساط العربية فهذا الإنزال الجماهيري هو تأكيد لوجودها إن لم تتحلها أن تفرض نفسها عليها كما يقول مصطفى الرمضاني في أطروحته لنيل الدكتورة ص: 314 فصور الاحتفال كما قال برشيد هو جهود لتأويل الإنسان في كليته وإدماج عد كبير من الرموج وتقديم تعريف للوجود يفرض على الجميع (الأقلام ع: 9 س: 16 1981 ص: 150 فالاتجاه الاحتفالي رغم غنائيته وبراعته الفرجوية فإنه لا زال متعثرا وغير مفهوم نظرا لعدة اعتبارات منها أولا:
1)- هل الاحتفالية من صنع برشيد؟
2)- هل حددت الاحتفالية اللغة الدرامية؟
3)- ما الفرق بين اللغة والعناصر الدرامية؟
4)- ها علاقة الاحتفالية بالمناهج الغربية (أرطو – أدامون – سالاكرو – كريبع – كروتوفسكي)؟
5)- ما هي سمات الممثل الاحتفالي؟
6)- ما هي مواصفات القارئ الاحتفالي؟
إنها أسئلة متعددة وغير متناهية تحاول أن تنطلق من الأسئلة المفتوحة لتنمو في التقنية والفكر وهذه الأسئلة تمض لتفرض نفسها على المهتمين بل لتصبح رمزا متعددا للمسرح إذ تنشأ مع ذلك عن التاريخ المسرحي المعاصر لا أن تدعى لنفيها السبق والنهاية أليس أمرا عسيرا أن تهمل هذه الحركة أو المدرسة رغم برشيد يرفض هذا الإسم كل التجارب المعاصرة إذ تظل هذه الحركة المسرحية البرشيدية متساوقة مع المناهج المعاصرة مع تعثيف الشخصية الاحتفالية على ذاتها إلى درجة تفرض منظورا في العمق رمزيا يسمى الاحتفالية البرشيدية فاين تيمد، وعبد الرحمان بن زياد، والصديقي، وحوري الحسين، ومحمد الكغاط، وحسن المنيحي، وعبد القادر البدوي… ووهلم جرا، إنها أسئلة تطاردني رغم كثرتها من يريد التفصيل، الرجوع إلى بحث لنيل شهادة استكمال الدروس لسنة 93 – 94 تحت إشراف د. محمد الكغاط قراءة سيميائية لاتجاه الاحتفالية برشيد نموذج مرقم تحت 1622.
تقول د. هند قواص: الإنسان العربي بطبيعته ولد فنانا موهوبا وشاعر ولكن لم يكن في ذلك الوقت معروف بفن التمثيل ولكف كل ما كان يحصل أخذه للمسارح الغربية بحد آخره. وطبقته لأن هذا الفن هو البديل لما نفتقده في الحياة من توازن بين الإنسان وبين العالم الذي يحيط به المدخل إلى المسرح العربي دار الكتاب اللبناني بيروت ص: 58 – 59 وانطلاقا من هذه القولة يتبارى لنا أن هذا الاتجاه تولد نتيجة حوار التاريخ السبعيني مما دفه بهذا الاتجاه الهاوي إلى التعبير عن هذه المأساة التي كسحت الإنسان العربي وهذا الاتجاه توغل في المأساة العربية كما تقول البيانات وعمل على إيجاد عوامل مختلفة التي تؤثر في هذا المجتمع العربي قصد إخراجه من هذه البراثين ومن تلك الترهات اليومية المحيطة وهذا التوجه اتخذ كما ذكرت شكل مدارس وجماعات وروابط أساسية تلتقي أنظارهم على أهداف أسلوبية وسياسية وتربوية.
والقارئ في صفحات النقد المسرحي يرى أن ذلك النقد لم يكن يساير المرح لم يكن ذا صبغة أكاديمية كما نتصوره في العصر الحديث (تيارات أدبية بين الشرق والغرب للدكتور ابراهيم سلامة ص: 235 إذا كان المذهب السائد في السلحة المسرحية هو الاتجاه الصحفي والمعياري حيث يعتمد على تحليل النص ودراسته من حيث البلاغة وقواعد العربية وتقسيمه إلى جمل أو أبيات على أنها وحدة فنية مستقلة بذاتها (مذاهب الأدب ص: 64 فالمسرح مسألة معرفية نسبية وغير مطلقة حيث يتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان بدوره يتغير فهو الذي يبدل هذا الفن ويحييه لأن تجاربه تمتد إلى أعماق التقاليد والعادات القديمة (انطولوجية الأدب المغربي د. هنرس دويلر منشورات بلون وأكيد أن جوهر المسرح مرتبط بالشعائر الدينية والطقوس الاجتماعية كما يقول الطيب الصديقي: (الأقدام ع: 4 – س: 16 – 1981 ص: 61 – 62 لكن الاتجاه الاحتفالي حاولت أن تفسر هذا المجتمع وتطوره ولكن لم نعرف شكل هذا التطور لأن هذا الاختلاف ناجم عن اختلاف في المصادر والمتابع التي تستند إليها تفسيراتهم معنى هذا أن المسرح إذا كان فنا متكاملا وبشريا فإن ذلك يضع علينا سؤالا ما يكون هو مدار هذا المبحث هل حددت الاحتفالية منهجها النقدي؟ ألم يوجد هناك تيار أرطي في ذاكرة الاحتفاليين يقول عبد الرحمان زيدان في هذا الباب ما يلي: إن الصديقي مثلا يتحكم في انتباه الجمهور فيركز انتباهه على ما هو بصري أحيانا وعلى ما هو سمعي أحيانا أخرى، الأقلام ع: 4 س: 12 – س: 1981 ص: 68 فهذا الانجذاب المغناطيسي نجده عند أرطو وكريم واداموف وسارتر لأن المسرح يتجاوز ذاته كونه أنه فن إنساني من أقدم الفنون راسخ الجذور وأكثر حساسية التي تخترق الحياة ويفجر كل الصور حتى يصبح في النهاية واحد من التحديات الاجتماعية كما جان دوفينيو في كتابه سوسيولوجية المسرح ص: 86 لأن أية علاقة بين الاتجاه والجمهور هو المكان الدرامي (الحلقة – البساط – الموسم – سلطان الطلبة – سيدي الكتفي – عبيدات الرما) مجلة الفنون المغربية سنة الأولى العدد 6 ماي 1974.
الثقافة الجديدة ع: 2 شتاء 1975 ويقول فان دوفينيو (إن المسرح كلمة مبنية وبذلك فهو كشف ميكانيكي ومنذ أن يستخدم الإنسان اللغة ليلتقي بجسر إلى نفسه أو إلى الآخرين ومنذ أن يحاول التوصل ليواجه الصراع الذي يضنيه لتصبح اللغة سلاحا وتعبيرا إيجابيا.
فالملتقى في الكتابات العربية غير محدد نظرا لعدة اعتبارات منها غياب الديمقراطية حرية التعبير بالمفهوم الذي أعطاه فوكو للحرية في نظام الخطاب ص: 26 فالقارئ العربي المسرحي قارئ كسول لا يستطيع أن يساير النهج المعاصر كما تقول خالدة سعيد في كتابها حركية الإبداع فالقارئ حسب ياوس يحتل مكانة بارزة داخل النسق الأدبي حيث يتلقى النص ويتفاعل معه كما تؤكد الاحتفالية ولكنها لم تحدد هذا القارئ طبيعته طبقيته وفق انتظاره فياوس بمجهوداته قدم لنا إرثا جماليا جديدا تستطيع من وراءه أن تحدد أفق انتظاره:
1)- أن يكون عارفا للأدب.
2)- أن يضم نفسه إلى جانب القراء المثقفين.
3)- أن يميز بين اللغة اليومية واللغة الشعرية أي بين الحقيقة والخيال.
فالاحتفالية لم تدرك هذه العناصر بكليتها بل حاولت الاعتماد على البند الثالث من هذا الأفق ولنا عودة إلى الموضوع.