حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي
في إطار برنامج “موضوع للنقاش” الذي تطرحه قلم الوطن، يبرز ملف التعليم اليوم كأحد أكثر القضايا إلحاحًا في المجتمع المغربي، ليس فقط باعتباره شأنًا تربويًا أو تقنيًا، بل باعتباره قضية تمس يوميات الأسر، وتؤثر في مستقبل الأبناء، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بثقة المجتمع في المدرسة العمومية.
لقد أصبح التعليم في المغرب يعيش على وقع تحولات متسارعة، اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، تفرض على الجميع—أسرة ومدرسة ومؤسسات—طرح أسئلة عميقة بعيدًا عن الانفعال أو إصدار الأحكام الجاهزة، والبحث عن فهم أوسع لما يجري داخل المدرسة المغربية.
فما الذي يحدث اليوم؟ وأين يكمن الخلل؟ وكيف يمكن استعادة الثقة في التعليم العمومي؟
الرقمنة في التعليم: فرصة للتطوير أم توسيع للفجوة؟
مع توسع الرقمنة في التعليم، خاصة بعد التجارب التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة، أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية: منصات رقمية، محتويات تفاعلية، دروس عن بعد، موارد تعليمية مفتوحة ،وكلها أدوات تَعِدُ بتقريب المعرفة من المتعلم، وتوفير فرص جديدة للتعلم الذاتي.
لكن في المقابل، يطرح هذا التحول سؤالًا جوهريًا: هل الرقمنة تفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، أم أنها تعمّق الفجوة بين المتعلمين؟ في واقع الأسر المغربية يكشف عن تفاوت واضح في الإمكانيات: أسر تمتلك حواسيب وإنترنت سريع وفضاءً مناسبًا للتعلم ، وأخرى تعاني من ضعف الولوج إلى الوسائل الرقمية أو انعدامه
حييث نجد أحيانًا كثيرة أكثر من تلميذ في بيت واحد يتقاسم جهازًا واحدًا…
هنا تتحول الرقمنة من أداة للإنصاف إلى عامل جديد من عوامل عدم تكافؤ الفرص، وهو ما يفرض التفكير في الرقمنة ليس فقط كوسيلة تقنية، بل كخيار اجتماعي يحتاج إلى عدالة في التوزيع وتكافؤ في الولوج.
جودة التعليم العمومي: سؤال لا يزال مفتوحًا رغم الإصلاحات المتتالية، ما يزال سؤال جودة التعليم العمومي يطرح بإلحاح داخل المجتمع المغربي. لكن المشكلة أن هذا السؤال غالبًا ما يُختزل في جانب واحد، بينما الواقع أكثر تعقيدًا.
فأين يكمن الخلل الحقيقي؟
هل في: المناهج الدراسية التي قد تبدو أحيانًا بعيدة عن واقع المتعلم؟ أم في ظروف التدريس داخل المؤسسات التعليمية؟ أم في الاكتظاظ داخل الفصول؟ أم في ضعف التجهيزات؟ أم في العلاقة بين المتعلم والمدرس؟ أم في منظومة أوسع تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية؟
الحقيقة أن التعليم لا يمكن عزله عن محيطه، فالتلميذ يأتي إلى المدرسة وهو محمّل بظروفه الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، وهو ما يجعل المدرسة أمام تحديات تتجاوز دورها التقليدي.
وهنا يصبح الإصلاح التربوي مسؤولية جماعية، لا مسؤولية المؤسسة التعليمية وحدها.
الدروس الخصوصية: دعم ضروري أم عبء إضافي؟
من الظواهر التي أصبحت جزءًا من الواقع اليومي للأسر المغربية، الانتشار الواسع للدروس الخصوصية التي هناك من يرى فيها: وسيلة لتعويض النقص داخل المدرسة ، ودعمًا إضافيًا لتحسين المستوى الدراسي ، وضمانًا لفرص أفضل في الامتحانات
وفي المقابل، هناك من يرى أن الدروس الخصوصية: أصبحت عبئًا ماليًا إضافيًا ، تعمّق الفوارق الاجتماعية ، تخلق نوعًا من “تعليم بسرعتين”: تعليم لمن يستطيع الدفع، وآخر لمن لا يستطيع …
وبين هذين الرأيين، يظل السؤال مطروحًا: هل أصبحت الدروس الخصوصية جزءًا من منظومة التعليم غير المعلنة؟ وهل يمكن الحديث عن تعليم عمومي متكافئ في ظل هذا الواقع؟
أزمة القراءة: هل فقد المجتمع علاقته بالكتاب؟
من الأسئلة التي تفرض نفسها أيضًا، تراجع علاقة المجتمع المغربي بالكتاب والقراءة، فهل السبب هو: التحول الرقمي وهيمنة الشاشات؟ أو ضعف التحفيز داخل المدرسة؟ أو غياب فضاءات القراءة داخل المجتمع؟ أم تغيّر أنماط الحياة اليومية؟ وقد تكون كل هذه العوامل مجتمعة.
حيث أن القراءة لم تعد أولوية لدى كثير من التلاميذ، وأحيانًا حتى لدى الأسر، مع غياب التحفيز المستمر، يصبح الكتاب ضيفًا نادرًا داخل البيوت.
لكن القراءة ليست مجرد نشاط ثقافي، بل هي أساس بناء المعرفة، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التعلم الذاتي ، وهنا يبرز دور المدرسة والأسرة معًا في إعادة الاعتبار للكتاب.
العلاقة بين التلميذ والمدرس: أزمة ثقة أم سوء فهم؟
زاوية أخرى لا تقل حساسية، تتعلق بعلاقة التلميذ بالمدرس.
وهل نحن أمام أزمة ثقة متبادلة؟ أم سوء فهم متراكم داخل الفضاء التربوي؟ وهل تغيرت أدوار الجميع: وهل أصبح التلميذ أكثر انفتاحًا على العالم ، والأسرة أصبحت أكثر تدخلًا في المسار الدراسي ، والمدرس أصبح يواجه تحديات جديدة داخل الفصل ،جعلت توترات أو سوء فهم ينشأ وفي ظل هذه التحولات، ويؤثر بشكل مباشر على جودة التعلم ، ونجاح العملية التعليمية التي تعتمد أساسًا على علاقة إيجابية بين المدرس والمتعلم، وتقوم على الاحترام المتبادل والثقة والتواصل.
المدرسة المغربية أمام تحدي المستقبل.
وفي صلب هذه التحولات، يظل السؤال الأكبر: إلى أي حد ما زالت المدرسة قادرة على أداء دورها في بناء المعرفة داخل المجتمع المغربي؟
لذلك فالمدرسة اليوم مطالبة بـ: مواكبة التحول الرقمي ، تحسين جودة التعليم ، تقليص الفوارق الاجتماعية ، إعادة بناء الثقة داخل الفضاء التربوي ، تشجيع القراءة والمعرفة .وهي مهام ليست بالسهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضًا ، لأن المدرسة المغربية ما تزال تمتلك طاقات بشرية مهمة، وتجارب ناجحة، ونماذج مضيئة، تحتاج فقط إلى دعم أكبر، ورؤية أوضح، ونقاش هادئ ومسؤول.
النقاش الهادئ والمسؤول، الذي لا يطرح هذه الأسئلة بهدف إصدار الأحكام الجاهزة، بل إلى فتح نقاش هادئ ومسؤول حول واقع التعليم والمعرفة في المغرب.
نقاش يضع: مصلحة التلميذ في المقام الأول ، ويشرك دور الأسرة في قلب العملية التعليمية ، ويعلي أهمية استعادة الثقة في المدرسة العمومية…
لأن التعليم ليس مجرد ملف إداري أو تقني، بل هو رهان المجتمع بأكمله. فبين الرقمنة، وجودة التعليم، واستعادة الثقة ، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
كيف نبني مدرسة مغربية قادرة على مواكبة التغيير، وصناعة المعرفة، وتحقيق الأمل في مستقبل أفضل للأجيال القادمة؟ بعيدا عن بهرجة “مدرسة الريادة” …