“الراحل الحسن الثاني وضع الرؤية … وأمريكا واسرائيل حولتها الى محور جيوسياسي”.

حطاب الساعيد

حين قال الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله: “المغرب شجرة جذورها ممتدة في التراب الإفريقي وتتنفس أوراقها التي يقويها النسيم الأوروبي” لم يكن يرسم صورة شعرية عابرة، بل كان يحدد بدقة خارطة الطريق الجيوسياسية للمملكة. وقد التقطت واشنطن وتل أبيب هذه الرؤية الملكية مبكرا، معتبرتين أن المغرب ليس مجرد دولة في شمال إفريقيا بل منصة استراتيجية تجمع بين ثلاثة فضاءات: أوروبا، إفريقيا، والعالم العربي. هذا الإدراك هو الذي دفعهما إلى استثمار هذه المقولة عمليا وعلميا، وجعل المغرب مفتاحا لسياساتهما في المنطقة.

بالنسبة للولايات المتحدة جاءت مقولة الراحل الحسن الثاني بمثابة إطار تحليلي لفهم مكانة المغرب وخصوصيته مقارنة بجيرانه. فقد رأت واشنطن في “جذور المغرب الإفريقية” فرصة للتوغل عبره داخل القارة، مستفيدة من شبكة علاقاته الاقتصادية والدينية والسياسية. ومع صعود القارة الإفريقية كساحة تنافس دولي بين الصين وروسيا والقوى الغربية، أصبح المغرب بالنسبة لأمريكا شريكا مثاليا قادرا على تسهيل حضورها وتنفيذ برامجها التنموية والأمنية. وفي الوقت نفسه اعتبرت أمريكا أن “ أوراق المغرب الأوروبية ” – أي قربه من أوروبا وارتباطه التاريخي بها – توفر لها حليفا يملك قدرة على التواصل مع العواصم الأوروبية الكبرى دون توتر أو حساسيات. وهكذا وظفت واشنطن هذه الثنائية المغربية لتكوين شراكة استراتيجية تجعل الرباط نقطة ارتكاز دائمة ضمن سياساتها في المتوسط وإفريقيا.

أما إسرائيل: فقد فهمت المقولة الملكية بشكل آخر، أكثر ارتباطا بالفرص الاقتصادية والتكنولوجية. فقد رأت أن المغرب بجذوره الإفريقية يشكل بوابة واسعة نحو أسواق القارة التي تعمل إسرائيل منذ سنوات على اختراقها. كما أن ارتباط المغرب العميق بأوروبا وفر لها فرصة الدخول إلى شبكات صناعية وتجارية واستثمارية لا يمكن بلوغها بسهولة. وبفضل هذا الفهم، أعادت إسرائيل ربط العلاقات مع الرباط على أساس واقعي: دولة مستقرة، ذات امتداد إفريقي واسع، وقريبة من أوروبا، وتمتلك شرعية دينية وسياسية تجعلها فاعلا يمكن الوثوق به في التعاون الأمني والاستخباراتي.

لقد استغلت تل أبيب وواشنطن رؤية الحسن الثاني لأنها منحت المغرب مكانة مزدوجة لا تتكرر كثيرا في المنطقة: بلد إفريقي الهوية، أوروبي الامتداد، عربي الانتماء، ودولي الحضور. هذا المزيج جعل منه “مفتاح باب العالم” كما تصفه دوائر القرار في البلدين، خصوصا بعد 2020 حين ارتفعت وتيرة التعاون الأمني والعسكري والطاقة والاستثمارات.

إن نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في بناء علاقة استراتيجية مع المغرب لم يكن مصادفة، بل كان نتيجة مباشرة لالتقاطهما العمق السياسي لتلك المقولة التاريخية. فقد أدرك البلدان أن قوة المغرب تكمن في قدرته على التحرك بين فضاءات مختلفة دون فقدان توازنه. ولذلك عملا على توظيف هذه المكانة لتعزيز نفوذهما في إفريقيا، ولتحقيق استقرار أكبر في المتوسط، وللتأسيس لشبكات تعاون تكنولوجي وأمني تمتد من الرباط إلى تل أبيب وواشنطن.

وهكذا يتضح أن المقولة الملكية لم تكن فقط تعبيرا عن هوية المغرب، بل أصبحت أيضا قاعدة استراتيجية استغلتها القوى الكبرى لبناء شراكاتها معه. لقد فهمت أمريكا وإسرائيل أن الشجرة التي تحدث عنها المشمول برحمة الله الحسن الثاني ليست مجرد تشبيه، بل هي واقع سياسي يمكن المغرب من لعب دور محوري في نظام دولي يتغير بسرعة.
واليوم تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحا من أي وقت مضى، بعدما تحول المغرب فعلا إلى حلقة وصل بين القارات، وإلى شريك موثوق تراهن عليه القوى الكبرى في سياساتها المستقبلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *