الروائي بين التراث والحساسية الجديدة

: د الغزيوي أبو علي

دة بن المداني ليلة

ما نريده من خلال هذه الورقة هو أن نؤسس وجودنا ونسرق من هذا الزمن المطلق كينونتنا ووعينا الفرداني، إنها مغامرة ضد المطلق والفكر الآني المتسيب الأفلاطوني، وعشق حول بناء أنطولوجية جديدة، فعبره نخلخل الأنا، ونفكك مركزية العقلانية لمعرفة نسبيتها واختلافها دون ائتلافها.

إن البحث أساس الوجود وتحققه في الزمن والتاريخ، هذه البطاقة التأسيسية تجاوز للأنا الوجودية الانعزالية، ومبدأ أخلاقي الذي يضمن لها البقاء والمعقولية الضدية، وهذا ما دفعنا إلى إعادة طرح إشكالية التراث كمنظومة فكرية تتراوح بين بعدين: بعد غربي وبعد عربي، وهذه الصفة الملازمة للفكر التراثي تعني إعادة قراءة متأنية لكل هذه المفاهيم السائدة وذلك عبر منظور تفكيكي يحاول أن يعري كل الثنائيات التي تلازمه ليكشف عن القوى الخفية للجهاز المفاهيمي المتحكم المتعالي (المقدس – المحرم – السياسة)، كما ينشغل بإظهار تلك الغرابة المكبوتة بفعل المحاكاة والسذاجة المثالية في أزمنة متعددة (السياسة – الثقافة)، وقراءتنا للتراث هي وضع حد لهيمنة القراءة الميتافيزيقية التي يصبح فيها النص هو السيد، والسؤال المطروح: هل استطاع الروائي العربي والغربي أن يوسع منطق الوعي الثقافي الحديث في ظل الثقافات المتعددة السمعية والبصرية؟ والسؤال يبقى غير بريء، بل لازال محكوما بالتعارضات الميتافيزيقية منذ القرن 09، إذ أن أغلب المدارس (الدادائية – السريالية – الرمزية – الواقعية)، عملت على البحث في أروقة الأجوبة الجديدة قصد إيجاد لغة مغايرة وتاريخ جديد غير محدود بشرائط مادية يتعدى القول، ويكسر أبجدية السؤال التقليدي: ما هو التراث؟ في هذا المناخ تتوالد التكثلات الصياغية وتتأسس العالقة الحميمية بين الواقع والتراث، ويصبح بريق التأويل يمتص نسقه من وجوده الجماعي، فيغذو السؤال البديل، نقيض القراءة البسيطة التي لا تحفز في أرضية الكون والإنسان.

فالدادائية والسريالية والرمزية والوجودية والعبتية تعاملوا معه تأويلا جعلهم يدوسون على كل علاقة تواطئية أو تلاؤمية القائمة بين القارئ والسلطة المعرفية، إنها رية عمودية وأفقية (الإنتاج والتلقي والذاكرة والإبداع)، فهذه الماهية تلتقي في تاريخيتها الجديدة مع المسرح العربي بصفته المبدع وذو هوية إبداعية لا يجد ذاته إلا بالثورة والتمرد على الركائز القائمة والمؤسساتية، لأن الأسلوب القرائي لا يجد كثافته إلا بالقراءة التأويلية التي تمارس مفهوم الهيمنة والإقصاء، إذن فما علاقته بالمتخيل؟ سؤال حول هذه العلاقة، والثاني: لماذا هذه العلاقة وهذا الحضور في وجداننا؟ فالروائي يقدم لنا رؤيا (Apocalipse) على أنه جسم وروح يفرض علينا كيف نقرأ ذواتنا؟ وكيف نخرج من هذا الإرث السلفي وجودنا الذي لا يكتمل إلا بالآخر؟ فمواجهته تعني بذلك المثاقفة كما يقول مطاع صفدي في كتابه “نقد العقل الغربي” ص66 – 67، المركز الثقافي العربي – بيروت 1984، فقراءة هذا المتن لا يكون إلا متعة ونقدا ذاتيا لذاتنا لمحو التقادم والانكسار وعدم تمرير الإيديولوجية المركزية، نقرأه عبر لغة الحوار قصد إنجاز المنهج الذي يلائمنا، ومن ثم إن (نحن) نمارس عملية النبش في الآخر قصد احتوائه ومعرفته كنسق كلياني، وقراءة التراث كفعالية جديدة يؤدي إلى إعادة التوازن بين منظومة الفكر والسلطة، ويوجد بين سلطة الأنا الإنتاجية المفترضة ويرسخ فعل التأسيس الجديد لكل كتابة، باعتبارها مخيال الكتلة المتلقية وتفتح الآفاق أمام منظومات معرفية قصد تتباع تصاعد البناء الأنتربولوجي المعرفي المعاصر والمؤكد لهويتنا العربية ضمن عولمة التفتت من طرف الغرب، وبالتالي ستوفر لنا القراءة الجديدة للتراث كل شروط الإجابات التاريخية الممكنة ذات الأفق اللذوي من أجل إيجاد احتمالات (أسطورية – تاريخية – طبيعية – دينية – سياسية)، إنتاجية جديدة تبدو لنا منظومة أدبية واجتماعية تاريخية مكونة أساسا من حوارات ألسنية واجتماعية وسياسية، حيث تخدم عناصر المكونات والوظائف اللغوية والغير اللغوية، وكل فعاليات الفكر والتلقي.

فهذا العمل ليس وليد اللحظة بل هو استجابة لطلب فني وبيداغوجي واجتماعي وفكري عمل الروائيون الغربيون على طبعه بسمات فنية جديدة أكسبته شعرية مميزة ومثيرة وكتابة متشظية لا استدلالية خطابية (تزارا Tazara – أندري بروتون Broton – بول الويار P.Iloyar – سان جون بريز S.J.Perris – أرطو سارتر كامو سالاكرو – دوراس – بوتور – جنيت)، فهذه الفئة عملت على تكسير هذا التراث مع إدماجه مع كل فكر يعنف الواقع ويمارس التفلسف ليس كترديد ولا تكرار، بل كإبداع وحرية وتحرر وتغير، فالتقدم في هذه التجربة هو شيء يجد رونقه وإغواءه ككثافة يتيح للمارسة الإبداعية لحظتها التميزية لطرح السؤال: فما ما التراث؟ لماذا التراث؟ وهل يشكل عقبة ابستمولوجية؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب الصدق والعمق والبحث في كل الإكراهات والاندفاعات النظرية والعملية والاعتبارية الانتمائية، قصد صنع المفاهيم والتصورات، ويقول فوكو في هذا المقام: “داخل أي فضاء معرفي آخر وعلى أي شاكلة أخذت الكلمات، الموجودات والأشياء الضرورية مكانها، ووزع بعضها بالنسبة للبعض الآخر؟ ما هو نمط الوجود الجديد الذي كان عليها أن تأخذه لكي تصبح كل هذه التغيرات ممكنة، وتظهر بعد بضع سنوات فقط هذه المعارف Savoirs التي تعودنا على تسميتها فقه اللغة Philologie بيولوجيا، اقتصادي سياسي منذ القرن التاسع عشر؟1

إذن فالتراث إبداع المفاهيم، فما المفهوم؟ وكيف يتكون؟ وما هي شروط إبداعه وعلائقه؟ كيف يحيا في التراث وفي مخيلة الروائي المبدع؟ ما العلاقة بين المفهوم التراثي وتاريخ التراث؟ وبين الرواية والتراث؟ كل هذه القضايا ظلت مشدودة إلى مسألة مركزية وهي الاكتشافات التي عرفتها الأرضية الغربية منذ القرن 15، فظل المفهوم التراثي يكتسي طبائع وأسئلة المركز المهيمن، ومن خلال هذه الكشوفات ظلت الفلسفة والعلوم الإنسانية تتواصل مع مرجعيات اشتقاقية ودلالية تلائم طبيعة التوظيف والمعاينة باعتبارهما إبداعا للمفاهيم: الكنيسة ركزت على المقدس – العقل ركز على المنطق (العقلانية) والفلسفة ركزت على الرياضيات والفيزياء، أما الأدب فقد أخذ بدوره يتخطى ويتجاوز الإنتاج المعرفي السابق عن طريق إبداع المفاهيم (المتعة – المنفعة – الرأي – الدوكسة (الاختلاف)) من أجل إنتاج الكليات، وظلت هذه الكتابات (المترجمة والمقتبسة والمستغربة) بمثابة الصورة والذات العارفة (الشارطة للمعرفة والتجربة الفينومينولوجيا) (كانط) والوعي عند (هوسرل) وتعابير سرمدية أنتجتها هذه الحلقة التاريخية التي تشبه الضباب الكقيف، لكن مع التطورات الاجتماعية والسياسية جعل المفكرون يعاودون النظر في كل المعارف سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، ومن بين هؤلاء جون جاك روسو – فولتير- مونتسكيو، فهؤلاء عملوا على تفسير كل المدونات ماحين الفرق بين البداية والنهاية ومحولين العمل الفردي إلى الجماعي، وعارضين كل الأفكار والموضوعات كشكل خطابات من حيث هي ممارسة إبداعية تخيلية، تحكمها قواعد، فهم لم ينظروا إليها على أنها وثيقة بل عبارة عن لحظات ينبغي تأويل ماهيتها من أجل بناء مجتمعات تتساوق مع الشرائط الحديثة، لكن هذه الرؤية للتراث الغربي عملت على تأريخ جديد انطلاقا من الخصوصية الواقعية أي من الحركة السباقية الاجتماعية، ومن بين هؤلاء الذين مثلوا هذا الاتجاه نيتشه وماركس وماكس فيبر وإنجلز وفيورباخ، فهؤلاء تجاوزوا التحليلات السائدة المكرسة من أجل نقاشات ايديولوجية التي تتأسس عليها الحركات الفكرية والأدبية والاجتماعية، وهي تذهب أبعد من ذلك في عملها من حيث التحليل الملموس للخطاب الفكري والثقافي المرئي منه والمكنون، كما عملوا على خلخلة التيارات الكبرى لهذا الفكر والأدب من أجل إعادة الأسئلة عن علاقة السياسة الاجتماعية وتعبيراتها الايديولوجية بالثقافة الغربية (التراث)، وهذا الإنزال الواقعي هو الذي جعل الإنسان يعني إنسانيته انطلاقا من التاريخ (ماركس) والدولة (هيجل)، ومن المكبوتات (فرويد)، ومن خلال الإنسان نفسه (نيتشه)، ومن خلال وعيه بوجوده (هيدجر) أو من متخيلات (دوستوفيسكي – فرجينيا وولف – كافكا – جيمس جويس)، فهذه السشروط اللازمة لهذا الإبداع هي عبارة عن هندسة محايذة لها دلالة ظرفية مكانية جعلت المبدعين يعيدون لهذا التراث استواءه وانبساطه لكي يرتبط بفلسفة الإنسان وحمولاته الصوفية والتصورية، فهو فعل الإبداع، نفكر فيه وبه وعليه في لا متناهية ولا تجسيده بالمفهوم الروائي، فهو يحوي جميع المكونات الممكنة التي ستصير سؤالا مطلقا يتناوله المبدع بشكل متشظي، بسبب كون مكوناته لا متجانسة، مما يجعل تخريجاته وحواشيه (أسطورة تاريخية – صوفية – دينية – سحرية – غرائبية – فلكلورية…) توحد هذه المكونات بواسطة الأنا التي تخترقها كلها، فالتراث الغربي ساهم في عقلنة الإبداع، مركزا على أسسه الدينامية وأوصاله الاستغلالية، حيث يعمل على ترتيب أجزائه المتناغمة والمتجاوبة واللازمة في كليته، ويرفض كل منهج تعاقبي نسبي، محاولا إبراز أن التراث هو ممارسة لها أشكالها الخاصة في التسلسل والتتالي، لأن التاريخ الأدبي لا يتأسس إلا إذا نظرنا إليه كحيز تتخلله مجموعات من الفجوات والثقوب، تربطها مجموعات من العلاقات والانتظامات، فالغاية من هذه المعاودة والانزياحات، والاختلافات التي تناولت من طرف العديد من المفكرين منهم (ألتوسير – لاكان – فوكو – ليفي ستراوس) هو البحث عن هذه المغايرة والتحول بدل الثبات والحركة بدل الجمود، من أجل إصابة قواعد التكون، يقول أحد الباحثين (يوري لوتمان): “إن كل نص يريد لنفسه أن يكون نصا لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتفادى الطبيعة التكرارية للقول الأدبي ولكل قول، ولأن التكرار لا يأخذ معناه الفكري إلا في انسلاخه عن التطابق، واتجاهه نحو المختلف” (يوري لوتمان Y.Lotmana) structure de texte artisyique – Gallimard – 1973 – P : 346.

إنما يوحد بين هذه الدعوات منذ القرن 15 إلى يومنا هذا هو البحث في جذور هذا الإنسان، لأنه هو المحرك الأساسي لكل فصل إبداعي وتاريخي، حيث بشكل متلقي تقاطع بين الفلسفات والأدبيات، فينشأ الإحساس العارم والوعي العميق بضرورة البحث عن أشكال وطرائق جديدة واستثمار المتخيل السردي بمختلف مركباته وتنمراته، وأيضا مساءلة الكتابة بغية ترسيخ عمقها الأنطولوجي المفتقد، وهويتها كممارسة دالة لها طقوسها وخصائصها النوعية والابستمولوجية، باعتبارها تطرح أسئلة جوهرية: لماذا؟ كيف؟ وبماذا؟ وتتصدى من خلالها للذات المبدعة في علاقتها مع المجتمع من منظور التحول والتغيير والبحث المستمر (التراث) عن هامشيته (التاريخ – الأسطورة…) وكذا البحث عن دفئ العلاقات الحميمية على مستوى التخيل وخارج دائرة الواقع باعتباره عنوانا مركزيا ينبغي عدم الوقوف عند رؤيته الأحادية بمفهوم “ماركوز” (الإنسان ذو البعد الواحد).

إن المبدع الغربي عمل على تقديس الإنسان معتبرا إياه مقياس كل شيء بمفهوم “بروتاغوراس” لكن التغير الاجتماعي والإبداعي جعل منه سيئا مجردا من إنسانيته، فظهر الأدب المادي أي التاريخ المادي الجدلي، واتخذت الرواية هذا العشق مع مجموعة من الروائيين أمثال (كافكا دوستويسكي – جويس – لورانس) موظفين تقنيات تتسم بالسخرية والغرائبية، منتقدين هذه الفلسفة العقائدية الجبرية، وطارحين فلسفة قدرية (راسين – باسكال) تجعل من هذا الإنسان مسؤولا على نفسه (سارتر – كامو – سيمون دوبوفوار – جون جيني) ومقدمين له جيدا بلا روح ومضمونا بدون شكل (دوراس – بوتور – نتالي ساروت…) وجاعلين منه ثائرا ضد كل القيم وضد نفسه وإبداعه، فأحلت نهايته بحلول البنيوية (موت الإنسان – روجي جارودي – بارت: موت المؤلف)، بقطع النظر عن الجدال العميق الذي لا زال يدور بين نقاد العرب حول التعامل مع التراث سواء عبر أشكاله القديمة أو حول حداثته بفعل الاحتكاك بالثقافة الغربية أو بتوافقه بين هذين البعدين، فطرح الإشكالية هي البحث عن جذرية السؤال الذي يستمد مادته من الواقع والثقافة، فالسؤال المطروح: كيف تعامل الروائيون العرب مع الظاهرة التراثية؟ وما نوعية هذا التعامل؟ أسئلة كثيرة جعلت منه قضية لا تأخذ نهايتها بل احتمالها المؤقت في كل الفنون التعبيرية، فالمسافة بين القراءة لا تعني التفسير أو الشرح، بل هي نظرية تأويلية تعيد بناء العلاقة بين الذات والموضوع والحاضر بالماضي، فهي تصحيح وتجديد لروح العصر (الهرمينوطيقا والتأويل: مشترك بين باحثين – ط:2 – البيضاء – 1993 – ص10)، فالتعامل مع التراث لم يأت عبثا بل جاء نتيجة الاستعمار، فعمل المفكرون على الرجوع إلى الماضي التليد، باعتباره ركنا من أركان التحصين ضد كل أشكال التغريب والتتريك ومن بينهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده – الكواكبي – أحمد أمين – فهذا التعامل لم يكن تعاملا انتقاديا للواقع بل كان تصالحيا، ولم يراعي شروط المعرفة الموضوعية والتاريخية، حيث تعاملوا مع الأشكال الفنية بنظرة تقديسية لا تتجاوز حدود الذاكرة نظرا لهيمنة النص الديني، ويقول دوركايم: “إن الطقوس والشعائر الدينية هي التي تتعلق بالأشياء المقدسة ويشترط أن تمارس على المستوى الجماعي، أما الممارسات الفردية فإنها تدخل في مجال السحر وهكذا” (أحمد بوزيد – البناء الاجتماعي – عن الأنساق – الهيئة المصرية العامة للكتاب – جII – ط:3 – 1979 – ص530)، وهذا الإجراء يشكل مظهرا لافتا في هذه النصوص التراثية حيث تشتغل الإمدادات التناصية بغزارة في انتظامات النصوص اللغوية، ومحمولاته الدلالية والحكائية الشعبية، وتتقاطع في متنه لغات وصور محكية ومؤشرة رامزة وتجربة تنحو بهذا التراث إلى النص المركب من تداخل النصوص الدينية، وتشغيل الفعالية التناصية هو بمثابة ركن لصياغة القضية الإبداعية، فالتراثي هنا في الصياغة الأدبية لا يتحين في إبداع محكيه وإبلاغ قضيته، بل يهيمن في نصوصه البعد الديني كقضية العدالة والتقاليد والتخلف، فهذه الطيمات تتقاطع في هذه التجربة بين إمكانات المرجع المتناص وإمكانات التراث، يفتح أفقا لمحاورة الإنسان العربي خاصة، ومن بين هؤلاء بعض الروائيين المويلحي وصاحب فجر القضية (يحيى حقي)… عملوا على تنظيم عناصر تاريخية ودينية جاعلين الذات تنسج فضاءها الخارق لتمارس اشتهاعاتها وفق رغبتها العاتية، تتقمص لذلك قوة تراثية خارقة لقوانين الكائن المعتاد لتبدع عالما روائيا يتحقق في متخيله، وتؤشر من خلال البناء الأسطوري والتاريخي والاجتماعي على حملها على فسح الخيال واختراقاته، وللحلم وتأويلاته، فهذه الفئة رغم براعتها التركيبية لم تستطع أن تنفذ إلى عمق التراث لتخترق أفقه، على أنه ذات راغبة بالعنف ضد التسيج والانغلاق، فالانفراد بالتراث هو اختراق للانكسار بالحلم والخيال، أو تعبير فني بمجاز الأسطورة، حيث يستعير الروائي العربي المتخيل لمعرفة الأرض الممكنة وليؤشر على الجسد العاري في الخريطة العربية، فعلاقة الروائي بالتراث هي علاقة منتجة للحقيقة بقدر ما هي قراءة ثانية للحدث، إنه اعتراف بقوة سؤاله وكينونته، من أجل الانخراط في صناعته، فالذي يمارس حفريات داخله إنما يعيش في قلب المشهد بكل ما يحمله من انكسارات وانتصارات، بهذا المعنى ليس التفكير عند الروائي العربي مجرد تسجيل، وإنما هو اختراق ومساءلة وجودية تتيح المشاركة في تغيير العالم لا في تفسيره، ومن بين هؤلاء (محمود تيمور – عزيز أباظة – طه حسين – العقاد – جبران – ميخائيل نعيمة) وهذه التلة عملت على إدماج شخصيات دينية (محمد  – عيسى – موسى – ابراهيم – المسيح) وتاريخية (هارون الرشيد – عمر بن الخطاب – أبو بكر الصديق) من أجل صنع حقيقة الاعتراف بالإنسان العربي وممارسته الوجودية وتوليفاته المفهومية، فالفضاءات التي خلقوها عبر رموز وإيحاءات جعلت منهم مفكرين لا يقفون وقفة المتعبد أمام مبدعات الفن، بل موقف الهدام والفكاك من أسر الأصول، فبالتفكيك والخروج النصي يصبح الممتنع سهلا، من هنا يحس المبدع أنه يفكر إذن فهو موجود، فمثل هذا الوجود يعني بناء الفكر الاختلافي، يقول برهان غليون: “يفسر الاتجاه نشوء التيارات الفكرية الحديثة، أي نشوءه هو باعتباره الحالة الإيجابية والصحية الأساسية، كثمرة لتغلغل القيم والأفكار وعناصر الوعي العلمي في ثقافة راكدة وميتة، أي كنتيجة للتأثر بالثقافة الغربية والانفتاح عليها وبالتالي لنشوء نخبة من المثقفين الذين استطاعوا أن يشقوا على واقعهم التقليدي ويتجاوزوا ثقافتهم الاجترارية المتفسخة، وأن يستوعبوا علوم العصر ومناهجه وقيمه الحديثة الفعالة والإيجابية وضعية كانت أوبرغماتية أو مادية” (الوعي الذاتي – منشورات عيون – ط:1 – 1987 – البيضاء – دار قرطبة – ص94).

وفي خضم هذا المناخ ولدت عدة دعوات لتجديد هذا التراث قصد تجاوز ثوابته وامتداداته سواء على المستوى التقني أو على المستوى النظري، وقد رفضت هذه المجموعة التيار التحديثي بشكل رئيسي في الستينات، حيث عملت على خلخلة كل أشكال التخلف البنيوي للمجتمعات السابقة على الرأسمالي، ومن بين هؤلاء (محمد الجابري – عبد الله العروي – سالم يفوت – طه عبد الرحمن – حسن حنفي – حامد أبو زيد – سوزا قاسم – محمود أمين العالم – لويس عوض – أدونيس – المهدي عامل – ندير العظمة – سمير أمين – حسين مروة…) فهذه المجموعة تقدم نفسها باعتبارها الأمثل لمستويات التنافر بين العقل والنقل أو بين الأصالة والمعاصرة، وقد استحوذت هذه المجموعة في مشروعها الممارس مرجعيات نظرية متنوعة تبعا للتطورات التاريخية، ومما لاشك فيه أن هذا المناخ السياسي (بعد هزيمة 67) ولدت تيارات فكرية كما قلت وأدبية جعلت هذا الواقع كرافعة للعمل النقدي محتضنة كل حركة ثورية وجاعلة منها ممارسة أدبية وسياسية، إلا أن التناقضات ما بين الفوقي والتحتي لم يكن يساير الشروط الزمنية والتاريخية، بل تزايد الانحراف وترسخ مفهوم الصلح مع الآخر والدعوة إلى الواقعية السلبية، ومن بين هؤلاء الذين شكلوا مرآة تراثية معاصرة رافعين النضال على جهة الفكر والتحرر في ميدان الحياة الاجتماعية والفكرية، (سعد الله ابراهيم – عبد جيسير – يوسف الغعيد – نجيب محفوظ – عبد الرحمن الشرقاوي…)، فهذه النخبة شكلت هما معرفيا مقدمة إبداعها الروائي كبطاقة تحمل اسم التغير والتمرد وشكل التقدم في متونها المتخيلة النقطة الجوهرية، وأمسى الركن الإصلاحي يتكئ على اللحاق بالغرب قصد الخروج من درجة العالم الثالث.

وجماع القول إن كل تعامل مع التراث لا يأخذ اكتماله إلا بالمثاقفة ولا يتأسس إلا عبر حلقات غير متناهية تعطي دورا لكل المجموعات الإنسانية التي تكتبها.

التراث بالنسبة للروائي العربي والغربي هدفا في حد ذاته، بل هو مسألة المعاودة والتغيير قصد التحديث في مستواه الدلالي مع المفهوم الممكن، إن هذه الرؤية هي التي جعلت التراث بكل حقوله الدلالية يغيب كل القراءات الخطية البسيطة ويمحو كل الثنائيات المحرمة الميتافيزيقية محددا أنماط التي تقع في سياقها الخصوصي والجوهري للفكر النقدي المعاصر، فالتراث بمعناه الكلاسيكي هو ذاك العالم الذي يعرف الثبات والنهاية، أما على المستوى الحداثي هو انتقال من نظام إلى نظام بمفهوم فوكو، وهذا ما يمكن تصنيفه في اتجاهات:

  • الاتجاه الليبرالي: يجد مرجعيته في أدبيات عصر النهضة  (الطمطاوي – فرح أنطون – قاسم أمين – الكواكبي)
  • الاتجاه السلفي الجديد: يجد مرجعياته في فكر الجامعة الإسلامية  (محمد عبده – رشيد أباظة – حسن البنة – أنوار الجندي – سالم النشار)
  • الاتجاه القومي:   ميز فترة ما بين الحربين  (قسطنطين زريق – ميشال عفاف – صاطع الحصري – الجابري – أركون – حسن حنفي).
  • الاتجاه الماركسي: يتمثل عند فرح أنطوان – نقولا حداد.

   أما على المستوى الروائي فيمكن إبراز الخطاطة على الشكل التالي:اتجاه السلفي:

      الاتجاه الحداثي                             الاتجاه الاجتماعي

(المويلحي – يحيى حقي –    (عبد الرحمن الشرقاوي –     (عبد الرحمن منيف – عبد

محمود تيمور – العقاد –    أدونيس – عبد جبير- صنع الله    –    الله العروي – الطاهر بن

طه حسين – ميخاشيل   ابراهيم – أحمد المديني – الميلودي جلون – الطاهر الوطار)

نعيمة…)      شغموم – حسن المنيعي – محمد برادة)

   وفي الأخير نتساءل: هل استطاع الروائي العربي أن يحقق ذاتيته في غياب الآخر؟ وهل استطاع أن يبني نسقه المنهجي انطلاقا من تراثه؟ أم عمل على هدهدة القارئ وتملقه كما يقول د. حسن المنيعي (الثقافة الجديدة – مقال: أزمة المنهج – النقد العربي) (: 10 – 11 – 1978 – ص66.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *