لابد من التوضيح والتأكيد، في ظل الوضعية الاجتماعية المزرية التي يعاني منها المتقاعدون وذوو الحقوق، وفي خضم الحركية النضالية التي تخوضها بعض جمعيات المتقاعدين الفاعلة، وفي مقدمتها هيئةالمتقاعدين المغاربة ، بأن النقاش حول الزيادة في المعاشات، لم يعد نقاشاً تقنياً أو ظرفياً، بل أصبح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً بامتياز. باعتبار أن القوانين المغربية نفسها تميز بوضوح بين وضعية متقاعدي القطاع العام ومتقاعدي القطاع الخاص، لكنها، – وبكل استغراب – في الحالتين تكشف عن مفارقة صارخة من خلال وجود النص القانوني وغياب الإرادة في التطبيق.
-أولاً: الإطار القانوني للزيادة في المعاشات بالمغرب
1️⃣- بالنسبة للقطاع العام: يوجد نص قانوني واضح وتطبيق غائب:
فالقانون رقم 011.71 المتعلق بنظام المعاشات المدنيةهو الذي ينظم وضعية متقاعدي الوظيفة العمومية، وقد أُدرج فيه الفصل 44 مكرر الذي ينص حرفياً على ما يلي:
> “يضاف إلى المعاش أو إلى معاش ذوي الحقوق كل تعديل يطرأ على الراتب الأساسي المخصص للدرجة أو السلم أو الإطار الذي كان ينتمي إليه الموظف عند إحالته على التقاعد.”
هذا الفصل لا يترك مجالاً للتأجيل، وأن الزيادة في الراتب الأساسي للموظفين المزاولين
تستتبع قانوناً الزيادة في معاشات المتقاعدين وذوي الحقوق.لكن ما الذي وقع ويقع عملياً؟
الملاحظ أنه منذ سنة 1997، اعتمدت الحكومات المتعاقبة سياسة ممنهجة تقوم على:
الزيادة في التعويضات (تعويضات عن المهام، المسؤولية، المردودية…)، وتجنب الزيادة في الراتب الأساسي، والغاية كانت ومازالت واضحة:هي الالتفاف على الفصل 44 مكرر، وحرمان المتقاعدين وذوي الحقوق من أي أثر مالي لهذه الزيادات، رغم أنها ممولة من المال العام.
وهكذا تحوّل نص قانوني صريح إلى حق معلق، وإلى أحد أبرز أوجه التمييز بين المواطن وهو في الخدمة والمواطن بعد التقاعد.
2️⃣ القطاع الخاص: غياب الإلزام القانوني وحضور القرار السياسي:
الملاحظ أنه في نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، لا يوجد فصل مماثل للفصل 44 مكرر يربط تلقائياً بين الأجر والمعاش. وغالباً ما يُشار في هذا السياق إلى الفصل 68 من النصوص المنظمة للضمان الاجتماعي، والذي يفيد عملياً بأن:
-الزيادة في المعاشات لا تتم إلا بمرسوم أو قرار حكومي، ولا تُعتبر حقاً تلقائياً مرتبطاً بتطور الأجور.
بمعنى آخر:
-الزيادة في معاشات القطاع الخاص قرار سياسي محض 1 وليست نتيجة تطبيق آلي للقانون.
ومع ذلك، حين توفرت الإرادة السياسية، تمت زيادات في معاشات CNSS، وهو ما يفضح حجة “استحالة الزيادة” التي تُواجه بها مطالب متقاعدي القطاع العام.
وفي إطار بالمثال يتضح المقال، وسعيا إلى التوضيح أكثر، نعرض المقارنة التالية: كيف تُزاد المعاشات قانونياً في إسبانيا وفرنسا؟
1- إسبانيا: تعتبر حماية المعاش من التضخم بقوة القانون:
ينص القانون الإسباني للضمان الاجتماعي على:
-إعادة تقييم سنوية للمعاشات (Revalorización)
-ربط المعاش مباشرة بمؤشر الأسعار (التضخم)
-عدم جواز تجميد المعاشات إلا استثناءً وبقانون خاص.
و النتيجة هي:
إن المعاش في إسبانيا ليس صدقة حكومية، بل حق محمي دستورياً للحفاظ على القدرة الشرائية للمتقاعد.
2- فرنسا: الزيادة حق دوري وليس منّة:
في فرنسا، ينص قانون الضمان الاجتماعي على:
-مراجعة دورية للمعاشات،
-اعتماد تطور الأسعار والأجور كمؤشر أساسي،
-إدراج الزيادة في المعاش ضمن السياسات الاجتماعية الإلزامية للدولة،
الخلاصة هي أن:
> المتقاعد الفرنسي لا ينتظر “حواراً اجتماعياً” ليُرفع معاشه، بل يستفيد من آلية قانونية تلقائية.
ثالثاً: المفارقة المغربية… دولة اجتماعية بلا متقاعدين؟
المفارق الغريبة والغير مفهومة في المغرب تكمن في:
-النص القانوني موجود (الفصل 44 مكرر)،
-المال العام صُرف على زيادات تعويضات،
والنتيجة اللاأخلاقية واللامنطقية، هي إقصاءالمتقاعد عمداً وظلما في ضرب سافر للعدالة ولأسس الدولة الاجتماعية وتنكرا لجميل الخدمات الجليلة التي قدمها المتقاعدون للوطن.
وهذه المفارقة الغريبة المتعمدة تدفعنا إلى طرح أسئلة محرجة:
1- لماذا يُحترم القانون في الاقتطاع ويُداس عند الأداء؟
2-لماذا تُستحضر “التوازنات المالية” فقط عندما يتعلق الأمر بالمتقاعدين؟
3-وأين موقع المتقاعد من شعار “الدولة الاجتماعية” الذي رُفع في أعلى مستوى؟
خلاصة القول، هي :
إن الزيادة في المعاش ليست مطلبًا، بل هي حق مستحق، وتنفيذٌ للقانون،
إن معركة الزيادة في المعاشات ليست معركة امتيازات، بل معركة:
1-كرامة
2-احترام القانون
3-إنصاف جيل أفنى عمره في خدمة الوطن
4-واسترجاع معنى العدالة الاجتماعية
ولابد من التذكير بأن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، خاصة عندما يكون القانون نفسه في صف المتقاعدين.فما ضاع حق من ورائه مطالب. وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
تطوان 14-12-2025
عبدالإله الصغير
الكاتب العام لهيئة المتقاعدين المغاربة