الكاتب ؛ عبدالحفيظ الحيكي
باحث في الحكامة الترابية والشان المحلي
يعتبر موضوع مشاركة الشباب المغربي في العمل السياسي سواء كانت مشاركة رسمية او غير رسمية إحدى أهم المواضيع سجالا ومواضيع الساعة اليوم أكثر من أي وقت مضى . وهذا راجع بالأساس لتنامي الوعي بأهمية هذه الشريحة من المجتمع وقدرتها على العطاء والإنتاج وحل كافة المشاكل التي تعيق المجتمع.
أمام معادلة المشاركة السياسية للشباب بين الضرورة والغياب نستشف من خلال الواقع السياسي المغربي اليوم فجوة كبيرة بين الشباب والعمل السياسي، مما يجعل أي رهان على الإصلاح السياسي والديمقراطي الذي تعتزم بلادنا القيام به ناقص وغير مكتمل الأطراف ، إذ أنه بدون انخراط هذه الفئة الأساسية وتشكيل قاعدة كبرى داخل هذا المناخ سينتج عنه تعثر في هذا المسار الإصلاحي.
فحسب الإحصائيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط نجد أن نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 34 سنة تمثل ما يقارب 31% من مجموع سكان المغرب وهي كتلة ديمغرافية مهمة تملك القدرة على التأثير في المسار الانتخابي والسياسي.
مقابل هذه النسبة المهمة تكشف المعطيات استمرار ضعف الانخراط السياسي المؤسساتي ، إذ لا تتجاوز هذه النسبة 2% ، ناهيك عن نسبة مشاركة شباب الأرياف والبوادي التي تظل شبه منعدمة، وهو رقم يعطي رؤية واضحة لاستمرار أزمة الوساطة السياسية الكلاسيكية ، رغم تعدد البرامج الرامية إلى إدماج الشباب في الحياة العامة والتي تغطي في الغالب شباب الحواضر دون أن تصل إلى شباب القرى .
لعل التأمل في هذه الأرقام المحتشمة لمشاركة الشباب في العمل السياسي في صفوف شباب الحواضر ماذا سيقال عن فئة شباب الأرياف والحاضر إذ يصعب الحديث عن تمثيلية أو بالأحرى وجود نسبة حتى للمشاركة السياسية. لأننا اذا كان هناك إقرار بوجود اللاعدالة مجالية في المستوى الاجتماعي والاقتصادي اللذان يشكلان حجر الأساس للتنمية كيف يمكننا الحديث عن المستوى السياسي والمشاركة السياسية لشباب الأرياف والبوادي.
في ضوء هذه الأرقام وواقع الحال للمشاركة السياسية للشباب بشكل عام وشباب الأرياف والبوادي خاصة، السؤال الذي يفرض نفسه ويبدو أكثر جوهرية من مجرد الحديث عن عزوف الشباب عن المشاركة السياسية هو؛ هل نحن أمام أزمة مشاركة أم أننا أمام أزمة أعمق بكثير أزمة أحزاب ؟، وإن كانت المشاركة السياسية للشباب بشكل عام جد ضعيفة ماذا عن غياب شبه تام لشباب البوادي والأرياف ، ليطرح سؤال ما سبب عزوف هؤلاء الشباب؟.
ارتباطا دائما بواقع الحال ونسب المشاركة السياسية للشباب بشكل عام نجد داخل هذه النسبة الضعيفة اختلاف وتفاوت أشكال الممارسة السياسية بين الشباب حسب النوع والجغرافيا والبيئة ، نظرا لأن العمل السياسي في نهاية المطاف لا يمارس في فراغ وإنما داخل مجال جغرافي له مميزاته الخاصة وكذا بنية مجتمعية لها خصائص اجتماعية وثقافية واقتصادية ، وهذا ما يفسر التأثير الحاصل بين مختلف مجالات المجتمع الواحد، ويعطي فكرة واضحة أن الفعل السياسي يتأثر جغرافيا وبيئيا ، كاختلاف المشاركة السياسية بأبعادها وأشكالها من البادية إلى المدينة.
وعلى هذا الأساس نجد ما زال شباب الأرياف والبوادي بالمغرب على مر الحقب بعد الاستقلال، أقل اهتماما بالشؤون السياسية لوطنهم مقارنة بشباب المدن والحواضر. ويعزى هذا إلى مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية يمكن إجمال أهمها في :
أولا: هجرة غالبية شباب الأرياف والبوادي وخاصة المثقفين منهم إلى المدينة أو الضفة الأخرى بحثا عن مستوى معيشي واقتصادي أفضل. وبالتالي تجد شغلهم الشاغل هو الهموم الاقتصادية والاجتماعية والدينية على حساب الهموم السياسية التي ترهبهم وغير مقبولة في نظرهم.
ثانيا : عامل المسافة الناتج عن بعد شباب البوادي والأرياف من مراكز الحواضر ، أضاع عنهم الاستفادة المثلى من التوعية السياسية والتنشئة السياسية بالرغم من قلتها، إضافة إلى قلة وضعف المؤسسات السياسية وأخص بالذكر الأحزاب التي دورها الأساس التأطير والتوعية في المدن والبوادي معا.
ثالثا: ضعف أداء الأحزاب السياسية والنقابات التي لها دور كبير في تفعيل المجتمع القروي من خلال تنشيطه وتنميته سياسيا وثقافيا. ناهيك عن غياب مؤسسات تربوية وتعلمية وفنية وثقافية التي تعد أحد اهم عوامل التنمية بمختلف ابعادها.
رابعا : غياب إن لم نقل انعدام وجود مجتمع مدني في بوادي المغرب وأريافه، بمقوماته وأسسه للديمقراطية التشاركية ، حتى وإن وجد يتخذ طابع اجتماعي واقتصادي محليا ( أي خيري)، دون الاهتمام بالشأن السياسي الذي يظل غائبا في خططه.
خامسا : ارتفاع نسبة الأمية والجهل والفقر والتخلف في صفوف شباب البوادي والأرياف المغربية ، وانقطاعهم عن الدراسة المبكرة بسبب بعد المدارس والمؤسسات التعليمية وهشاشة الأسر خاصة المناطق الجبلية .
سادسا : غياب الوعي السياسي لدى معظم شباب البوادي والأرياف ، ما عدا وعلى قلتهم شباب الجامعة الذين يعودون إلى مواطنهم من لحظة لأخرى ، لكن دون أن يكون لهم دور فعلي في التغيير السياسي وتوعية مجتمعهم المحلي ، وإن وجد يتم محاربته بشكل مبكر من الأعيان وذوي النفوذ.
سابعا: ضعف وانعدام المشاركة السياسية لشباب البوادي والأرياف بسبب خضوع العملية لمنطق الولاءات المصلحية والانتهازية قصد إرضاء الشخصيات النافذة في البادية أو الريف، او مساندة الأقارب احتراما لرابطة الدم ، أو نزولا عند إغراءات المال والفساد، أو المشاركة في الانتخابات الوطنية او المحلية خوفا من العقاب والحساب .
ثامنا: غياب الديمقراطية الحقة والتنمية السياسية في البوادي المغربية أكثر ، بسبب رقابة التسلط ووصاية المحاسبة وشطط المحاكمة للأعيان المحلية وتجبرهم ، ناهيك عن عدم دعم شباب البوادي والدفع بهم وتزكيتهم من قبل الأحزاب السياسية.
صفوة القول، لا يمكن الحديث عن وجود مشاركة لشباب البوادي والأرياف في الحياة السياسية والانخراط في المجتمع المدني والسياسي ، إلا إذا توافرت بنية تحتية مناسبة وملائمة للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، إلى جانب وجود مؤسسات تربوية وجامعية وسياسية وثقافية كافية تسمح لمختلف شباب البوادي والأرياف بالمساهمة في الحياة السياسية وتنشيطها بمساعدة كل المؤسسات ونخص بالذكر تفعيل دور الأحزاب في التأطير والمواكبة لشباب البادية والريف.
وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بوجود تنمية اقتصادية واجتماعية وبشرية تحد من بطالة الشباب بخلق فرص عمل من خلال تطويوير آليات الأعمال المحلية ( الزراعة وغيرها)، جلب وتشجيع الاستثمار المحلي ، بناء قرى نموذجية مجهزة بالوسائل الضرورية كالماء والكهرباء وشبكة طرق في المستوى وصبيب الهاتف والأنترنيت وغيرها ، والتي لطالما تشكل المواضيع الأهم في جل خطابات جلالة الملك نصره الله. وكذا تأسيس مكاتيب وفروع محلية للأحزاب وتفعيلها بهدف تأطير وتكوين شباب البوادي والأرياف والدفع بهم لمراكز القرار اذا ما أردنا إنتاج نخبة محلية في المستوى وتقوية المشاركة السياسية لهذه الفئة من المجتمع وتخليق الحياة السياسية.