الشيخ الذي جاء بالأمازيغ من اليمن ذهابًا بلا إيابًا!

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

رغم الكواريث والفياضانات التي عمت البلاد ، فقد عرفت وسائل الإعلام جدلا واسعا أثاره استخدام الشيخ الكملي للدين لإعادو الأمازيغ “لأصلهم الحقيقي الذي ضلّوا طريقه من اليمن، فمرّوا بالحبشة، ثم مصر، ثم استيقظوا فجأة في الأطلس والريف وسوس، وقرروا – لسبب مجهول – أن يتكلموا الأمازيغية لآلاف السنين، فشكرا لشيخنا الكملي الذي برهن أن بعض الشيوخ، حين يعجزهم الواقع، يستدعون “خريطة بديلة” للتاريخ، لا تُرسم بالآثار ولا تُقاس بالجينات، بل تُخطّ بالخطابة، وتُلوَّن بالنية الحسنة، وتُسوَّق تحت لافتة:”نحن فقط نُذكّر الناس بأصولهم”.
هكذا، وبكل بساطة، يُحسم علم الأنثروبولوجيا، وتُلغى الجينات، وتُرمى الاكتشافات الأثرية في سلة “قال فلان عن علّان”، ويصبح التاريخ مادة وعظية، تُشرح بالابتسامة، وتُختم بالدعاء، وتُمنح حصانة دينية ضد أي سؤال.
• الهوية – يا شيخنا الجليل – ليست منشورًا دعويًا، ولا ملصقًا أيديولوجيًا، ولا حاشية على خطبة.
• الهوية جذر والجذور لا تُقتلع بالمايكروفون.
• الأمازيغ لم يعادوا الإسلام، بل قاوموا احتكاره ، لم يحاربوا الدين، بل حاربوا من أراد تحويله إلى أداة مسحٍ ثقافي.
• إنهم – بالمناسبة – من أكثر شعوب العالم حفظًا للقرآن،لا لأنهم“تعربوا”، بل لأنهم آمنوا، والفرق شاسع بين الإيمان والاستلاب.
• المفارقة الساخرة أن من يُصرّ على تحويل الأمازيغ إلى “لاجئين يمنيين قدماء”، هو نفسه من يُلقي علينا دروس الوطنية و”تمغربيت”.
• أيّ وطنية هذه، التي تبدأ بنفي أهل الأرض؟
• وأيّ اعتزاز هذا، الذي لا يكتمل إلا بعد شطب الأصل، واستبداله بسردية مشرقية جاهزة تدفعنا لنسأل بسذاجة الأطفال: إن كان الأمازيغ قد جاؤوا من اليمن ، فمن بقي في شمال إفريقيا؟ ومن شيّد هذه الحضارات؟ ومن سمّى الجبال والأنهار؟ ومن استقبل الإسلام، لا كضيفٍ عابر، بل كمشروع عدل وحرية؟
العلم – يا شيخنا – لا يصرخ ، لا يحتاج “تخراج العينين”، ولا يُمارس “الابتسامة الماكرة”، العلم – يا شيخنا – يشتغل بصبر، يهدم الأساطير بالدليل، لا بالخطب، ويترك للزمن أن يُنصف الحقيقة، لا للمنابر أن تُجمّل الوهم.
نحن لا نُعادي العربية، لغة البلاغة والقرآن، ولا نُخاصم العرب، إخوتنا في الدين والإنسانية، مشكلتنا – وبكل وضوح – مع التعريب القسري، حين يُلبس عباءة الدين، ويُقدَّم كقدرٍ لا يُراجع، ومن خالفه اتُّهم في عقيدته، لا في فكرته.
هذه البلاد، – يا شيخنا-، مملكةٌ منذ أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنًا ، لم تكن يومًا ذيلًا للمشرق، ولا نسخةً مستنسخة من غيرها، ومنذ أن هزم الأمازيغ الأمويين في معركة الأشراف، والمغرب يكتب استقلاله بمداد سيادته، لا بهوامش الآخرين.
لقد ولّى زمن الخرافات، وجاء زمن العلم، والتكنولوجيا، والرقمنة، زمن تُناقش فيه الأصول بالجينات، والآثار، والأنثروبولوجيا، لا بالأساطير المُعاد تدويرها في خطب الجمعة.
أما السخرية الكبرى، فهي أن يُتَّهم الأمازيغ بكره الدين، وهم من حملوه إلى إفريقيا والأندلس، وحفظوه في القرى والجبال، بينما يُقدَّم طمس هويتهم كـ”حرصٍ على وحدة الأمة”.
لا يا شيخنا : الدين لا يحتاج إلى تعريب الناس قسرًا ، والإسلام لم يكن يومًا مشروع محو، بل رسالة تعارف: بدليل قوله تعالى: “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا…
السلام على من اتبع الهدى، ولا عزاء لمن ما زال يخاف العلم،
فيستقوي عليه بالخرافة، ويُسمّي ذلك… دعوة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *