• حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
• في زمنٍ تُقاس فيه الدول بعدد “اللايفات” التي تبثّها، وحجم التصريحات التي تصدع الرؤوس، اختار المغرب ـ ويا للمفارقة ـ أن يلتزم الصمت وأن يشتغل، لا بيانات نارية، لا عر ض عضلات أمام الكاميرات، ولا سباق محموم نحو صناديق التبرعات، فقط دولة تُخرج أدواتها من الخزائن، وتضعها في الميدان، وتقول بالفعل لا بالقول: نحن هنا.
• بلادنا، والحمد لله، لا تحتاج إلى أن تُعرّف نفسها عبر مكبرات الصوت. فحين نزل الجيش الملكي، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، لم ينزلوا للاستعراض، بل للعمل.
وحدات إنقاذ جوي، فرق غوص، تدخل في الفيضانات، إدارة كوارث، نصب خيام في زمن قياسي، أفران متنقلة تُخرج الوجبات الساخنة من قلب العراء… كل هذا دون أن يخرج علينا “محلل استراتيجي” ليشرح لنا كيف أن الوطن بخير، أو “قيادي موسمي” ليذرف دموعًا محسوبة الزوايا.
• والأجمل؟
أن كل هذه القدرات كانت موجودة أصلًا، لكنها لم تكن بحاجة إلى إعلان مدفوع الأجر ، والتي ولو كانت عند بعض “الجيران”، لعرفناها من خلال عشرات المؤتمرات وكثرة الخطب، وأكوام الهاشتاغات، التي تبث عبر “عرام” من قنوات، في اليوم الواحد.
• فما وقع في القصر الكبير لم يكن “حسن حظ”، بل تخطيط استباقي هزم غدر الطبيعة قبل أن يُعلن عن نفسه ، إخلاء احترازي، سباق مع الزمن، تناغم ميداني أقرب إلى السيمفونية الوطنية، حيث يتحرك الجميع دون البحث عمن سيظهر في الصورة؟ ومن سيُنسَب له الفضل؟ لأن هدف الجميع ،كان هو إجلاء أزيد من 150 ألف مواطن، تأمين مدينة كاملة وقرى ودواوير، دون تسجيل حالة وفاة واحدة ، الإنجاز الذي لا ينتظر أن يُصفّق له كثيرًا، لأنه ببساطة واجب في دولة تحترم نفسها.
• لكن، وكما في كل قصة نجاح، يظهر أبطال من نوع آخر… أبطال الغياب، أصحاب التوسع العمراني العشوائي، وقنوات التصريف الأضيق من وعود الحملات الانتخابية، المسؤولون المحليون الذين لا يتذكرون دوائرهم إلا حين يقترب موسم الأصوات، ثم يختفون عند أول امتحان حقيقي.
• وهنا، يبرز بينهم اسم وزير التجهيز والماء، الأمين العام لحزب الاستقلال، ونائب العرائش، الذي اختار ـ في عز الأزمة ـ أن يدير ظهره للمدينة، كأن الفيضان لا يمر من دائرته، وكأن الماء لا يعرف الجغرافيا الانتخابية.
والصمت هنا، ليس من نوع الوقار، فكان الردّ بتمغربيت مربكة لكل حسابات الانتهازيين ، بتكافل وتضام شعب ، يقول، بالفعل لا بالشعار لمن يتقمصون دور “الضحية السياسية”: “إذا أغرقت الأمطار القصر الكبير، وإذا انزلقت الجبال، فإن من حطم جبلًا من أجل طفل اسمه ريان، قادر على أن يبني ، في الواقع لا في الخطب ، مدنًا أكبر وأرقى ، فلا داعي لركوب الموج بثوب البراءة، والموعد ليس مع الميكروفون، بل مع صندوق الاقتراع ، وهناك، فقط هناك، يُردّ الدين… ويُحاسَب من لا يستحق الثقة.