بدر شاشا
تعيش المنظومة البيئية في المغرب منذ عقود تحت ضغط متزايد بفعل التوسع الصناعي السريع وغير المتوازن، الذي تجاوز في كثير من الأحيان حدود الاستدامة واحترام البيئة. فبينما تعتبر الصناعة محركاً رئيسياً للاقتصاد الوطني ومصدراً لفرص الشغل والتنمية، فإنها في المقابل أصبحت من أهم العوامل المهددة للتنوع البيولوجي الغابوي الذي يعدّ ثروة طبيعية لا تقدر بثمن، وركيزة أساسية للتوازن الإيكولوجي وحماية المناخ المحلي.
لقد أدت الأنشطة الصناعية بمختلف أنواعها، من استخراج المعادن إلى الصناعات التحويلية والطاقية، إلى تدهور المساحات الغابوية بشكل مباشر وغير مباشر. فعمليات قطع الأشجار لإقامة المعامل والمناطق الصناعية، وتوسيع شبكات الطرق، وإقامة المنشآت اللوجستيكية، كلها عناصر ساهمت في تجزئة الغطاء الغابوي وتقليص مساحاته الطبيعية التي كانت تؤوي آلاف الأنواع النباتية والحيوانية. إن الغابة المغربية، التي تمتد على حوالي تسعة ملايين هكتار، لم تسلم من آثار التلوث الصناعي المتزايد، حيث تسرب الملوثات الكيميائية والغازات السامة إلى التربة والمياه الجوفية أدى إلى تراجع خصوبة الأراضي وتدهور النظم البيئية التي كانت تزدهر حولها.
وتعد الصناعات الكيماوية والمعدنية والنفطية من أكثر الأنشطة إضراراً بالتنوع الغابوي، إذ تنتج عنها نفايات خطيرة تحتوي على معادن ثقيلة ومواد سامة تنتشر عبر الأنهار والوديان وصولاً إلى مناطق الغطاء الغابوي. هذا التلوث يؤثر بشكل مباشر على الحياة البرية، فيقضي على العديد من الكائنات الصغيرة التي تشكل قاعدة السلسلة الغذائية، مما يخلّ بالتوازن البيئي الطبيعي. كما أن الضجيج الصناعي والتحولات المناخية الناتجة عن الانبعاثات الغازية تؤدي إلى نزوح بعض الأنواع الحيوانية من موائلها الأصلية، مهددة بانقراضها.
إضافة إلى ذلك، تساهم الصناعة غير المهيكلة – خصوصاً المقالع والمناجم العشوائية – في تدمير البيئة الغابوية من خلال الحفر العشوائي وطمس الأراضي الغنية بالتنوع النباتي. وتنتشر هذه الظاهرة في مناطق الأطلس والريف والجنوب الشرقي، حيث تتم إزالة الغطاء الغابوي لتوسيع الأنشطة الاستخراجية دون إعادة تأهيل للمجال الطبيعي بعد انتهاء الأشغال.
رغم هذا الواقع المقلق، فإن المغرب بذل مجهودات مهمة للحد من هذه الظاهرة عبر سنّ قوانين بيئية متقدمة، وإطلاق برامج وطنية لحماية الغابات وتثمين مواردها. فقد تبنت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وقطاع المياه والغابات، إستراتيجيات جديدة تقوم على المراقبة الصارمة للأنشطة الصناعية، وتحفيز المقاولات على اعتماد تقنيات الإنتاج النظيف والاقتصاد الدائري. كما تعمل الدولة على تشجيع الصناعات الخضراء التي تعتمد على الطاقات المتجددة وتقلل من الانبعاثات، مع تعزيز البحث العلمي في مجال التنوع البيولوجي.
غير أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام زحف التصنيع المتسارع والضغوط الاقتصادية التي تفرضها العولمة. فحماية الغابات المغربية تستوجب رؤية مندمجة تشارك فيها جميع القطاعات: الصناعة، البيئة، الفلاحة، والمجتمع المدني. المطلوب اليوم ليس فقط سن القوانين، بل تفعيلها ميدانياً وربط التنمية الصناعية بالعدالة البيئية، لضمان توازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الإرث الطبيعي الذي يمثل روح الوطن وذاكرته البيئية.
إن التنوع البيولوجي الغابوي ليس مجرد جمال طبيعي أو خزان أخضر، بل هو أساس الحياة فوق الأرض، وبدونه يفقد الإنسان جزءاً من توازنه مع الطبيعة. لذلك فإن حماية الغابة المغربية من آثار التوسع الصناعي ليست ترفاً بيئياً، بل ضرورة وطنية لضمان مستقبل الأجيال القادمة، وتحقيق تنمية حقيقية تراعي الإنسان والمجال معاً.