العام الجديد يقول لكم كما سوف تكونون سيكون مسرحكم ــ31

عبد الكريم بالرشيد
فاتحة الكلام
غدا هو يوم اخر، وهو سنة اخرى، في اعمارنا المفتوحة على كل الاحتمالات، وبالتأكيد فانا المواطن الاحتفالي، سأكون احتفاليا اخر. وذلك في سياق تاريخي اخر، ولا احد منا سيظل كما كان من قبل، وسنخضع جميعنا لعوامل التعرية الحيوية، وستفعل فينا الأيام والليالي الآتية ما لا نعرفه، ومن يدري، غدا كيف سيكون ؟
هل سيكون اكثر جمالا او أقل قبحا؟
نتمنى ان يكون هذا او ذاك، وقليل من القبح في حياتنا قد يقربنا اكثر من الجمال الذي تعشقه ونسعى اليه
وفي الأيام التي سوف تاتي، هل سنكون اكثر فرحا او أقل فرحا، او تكون بلا فرح؟
ويمكن ان نلاحظ البوم، وبكل اسف، ان نسبة الخصوبة، في مجال الإبداع الفكري والأدبي والفنية العربي في تراجع خطير جدا، ويؤسفنا ان بكون الكم في الإنتاج الأدبي والفني متفوقا على الكيف، وأن تكون قاطرة النمطية هي التي تقود اليوم مجمل المسرح المغربي والعربي، وان يراهن الكل على السهل، غير المقنع وغير الممتع، وغير الممتنع، وان نرى من يشتغل بالحرفة المسرحية قد اصبح يتبع ولا يبدع، واصبح يتكلم عن المسرح، ويكتب عن المسرح، ويتفلسف في المسرح، اكثر مما يبدع في المسرح، واكثر مما يقول شيئا مفيدا في هذا المسرح
وبمناسبة حلول سنة أخرى جدبدة، فإنني اقول لكل المسرحيين الكلمة التالية، والتي هي:
لا تنظروا ان يتغير هذا المسرح، من تلقاء ذاته، ومن من غير ان نغيروا ذهنياتكم، ومن غير ان تجددوا نظام اشتغالكم بالمسرح، ومن غير ان تعشقوا جماليات المسرح، قبل كل شيء
وما لا يمكن ان يختلف فيه اثنان، هو ان الخلق الجمالي وراءه الحب دائما، وخلفه الشغف، وعلبه، فإن وجود مسرح بلا حب المسرح، ليس مسرحا، وان وجود مسرح يغيب عنه الشغف المسرحي، بكل ما فيه من قلق ومعاناة، من المستحيل ان يكون مسرحا حقيقيا، وفي معنى هذا الحب الخلاق نقول مع جلال الدين الرومي ما معناه:
في الحب شيء من عظمة الله
وفيه شيء من غموض الملائكة
وفيه شيء من عذابات الأنبياء)
ويمكن ان نشير ان منسوب عشق المسرح، عشقا صوفيا، قد عوضته اليوم حرفة المسرح، ونابت عنه صناعة المسرح، وتم استبداله بتجارة المسرح، وفي التجارة يحضر السماسرة دائما، ويحضر فيه الوسطاء، وفي الفن، كما في الدين، لا مكان الوسطاء، ولا مجال للكهنة
ونحن كلنا نامل ان يكون غد مسرحنا المغربي والعربي احسن من أمسه، واكن .. هل يكفي الأمل وحده لإحداث التغيير المطلوب في حياتنا، وفي حياة فنوننا وعلومنا وادابها وصناعاتنا المختلفة؟
ابدا لا يمكن
وهل يكفي وحده الدعاء، بان يكون الغد اجمل، ويكون الآتي اكمل؟
لقاء المشرق والمغرب
ولقد حرصت على ألا اودع عاما، وان أستقبل عاما أخر ، بدون كتابة، ويسعدني ان يكون موضوع هذه الكتابة اليوم، والعالم يحتفل بسنة اخرى جديدة، هو موضوع الإبداع الاحتفالي بين حد المعرفة وحد الحكمة، وبين حد العقل وحد الجنون، وبين حد الحقيقي وحد الوهمي
وبخصوص الإبداع، في علاقته بالعالم الخفية، نقول ما يلي، هو مجال يسكنه كثير من الغموض ومن الالتباس، وتسيجه كثير من المعتقدات الشعبية عن الجسد التي تسكنه الأرواح الشريرة
ويرتبط نوع خاص من الجنون الراقي بالفن، ويتداول الناس تعبيرا يقول ( الجنون فنون) والتي تعني ان الفنون لها حالاتها الغريبة والعجيبة، وقد يكون الصحيح هو ان نقول ( الفنون جنون) مما يعنى بانه حيث توجد الفنون يوجد الجنون، او توجد تلك الحالات الغريبة، والتي قد لا تكون غريبة في معناها الحقيقي
وتعقيبا على النفس الأخير من هذا الكتاب ــ الكتابة، والذي كان بعنوان (اللغة الفردوسية بين حد الفنون وحد الجنون )
يقول المخرج المصري عبد الفتاح البيه في رسالة له ما يلي:
(اخي الكريم المبدع الحيوي الملهم ..عبد الكريم …تحية الحب والاحترام .
اعادتني دراستك إلى روح المسرح في زمن قلت فيه مساحات الإبداع الحر ..واعادت قراءة دراستك “ألف. باء. الواقعية الاحتفالية في المسرح” 1977 م والبيانات الأربعة ..وجاءت هذه الدراسة لتجيب عن الخفي والمستعصي..ووقفت كثيرا عند فقرات منها.”المحال كلمة لا وجود لها إلا في لغة العاجزين والخائفين وجود المتخلفين ” و.الجنون ..والجان ..ذكرتني بعرض “حكاية دعبل “التي أخرجها معي صديقي “طارق حسن” ورشحنا بها لمهرجان .موسكو ..وفيها استحضر بطل المونودراما المسكون بالأرواح والأشباح والجان .باستدعاء. زرقاء اليمامة وعون بن عنق وشياطين الإنس سقردوس وسقرديون ومحاربة البطل سيف اليزن ..ومع المخرج “عبد القادر مرسي”أطلقنا براق بحجمه الطبيعي مم اخر حيز التخيل ليحلق فوق رؤوس الجمهور ..ومع صديقي المخرج”صلاح الدمرداش” استدعيت كل رموز الاستعمار الذي احتل مصر ..وكانت عودتهم الجديدة لنيل اهداف لم تتحقق..ومحاكمتهم من الجماهير /الحضور ..وفي احتفالية “بالحضن يا بورسعيد” احضرنا ابطال المقاومة الشعبية في بورسعيد يحتفلون بعيد نصر ١٩٥٦م يرقصون ويغنون مع جمهور الاحتفالية ويكون ققص بطولاتهم ..وبطل اكتوبر البورسعيدي الذي أسر الصهيوني الجنرال “عساف ياجوري”. في مسرحي الشعبي قدمنا أنا “طارق حسن” احتفالية علي منصة الشهداء بميدان المسلة في بورسعيد.
هذه الدراسة البسيطة في عمقها الرائق حركت السكون وايقظت المسكوت عنه ..فهل. تسمح لي أن تكون .
هذه الدراسة محل مناقشة واسعة مع طلابي في ورشة المسرح في بورسعيد .والتي اقيمها حول المسرح الشعبي ..
تحياتي واحترامي ومحبتي
عبد الفتاح البيه.كاتب مسرحي وناقد وسينارست)
وفي الجواب اقول ما يلي:
اولا، اشكر مبادرتك الكريمة في فتح باب الحوار الفني والفكري، الجميل والنبيل، وما اجمل ان تبادر بالكتابة العالمة، في زمن تسعى فيه جهات كثيرة لقتل الكتابة وإبعاد الكاتبين، واقصاء المفكرين، ونفي المجدين والمجتهدين، وهذا التواصل بين شرق العالم العربي وغربه بخصوص الاحتفالية ليس جديدا، والبيانات الاحتفالية الأربعة التي ذكرت نشرت في مصر في كتاب، بمقدمة جميلة، وكانت قبل ذلك قد نشرت في طرابلس بليبيا، كما نشرت متفرقة في كثير من الجرائد و المجلات العربية، كما تجاوبت مع الدعوة الاحتفالية تجربة مصرية مثلها مسرح السرادق، ومثلتها تجربة رائدة اخرى في المملكة الأردنية، وهي مسرح الفوانيس، كما تفاعل معها المسرحي البورسعيدي الكبير عبد الرحمن عرنوس رحمه الله في تجربته المسرحية الوجودية والصوفية
واخبرك بالمناسبة ان (حكاية دعبل) قد تحدث لنا عنها اخونا الفنان البورسعيدي طارق حسن في مهرجان القنيطرة للمونودراما في حفل تكريمه إلى جانب المخرج الرائد صلاح الدمرداش، واحيي في هذه التجربة اصالتها وجدتها وجديتها، واثمن فيها انطلاقها من المخيال الشعبي المصري والعربي والإسلامي، ومن الوجدان الشعبي، ومن التاريخ الشفهي شبه المنسي، ومن المعجم الشعبي الذي نبتت فيه، وبهذا فهي تجربة مسرحية جادة وجديدة، تنطلق من النحن ومن الآن ومن الهنا، وهي تقرا الكائن في ضوء الممكن والمحتمل الوجود
شيء اخر، هو ان هذه التجربة المسرحية قد اكدت على نفس ما اكدت عليه منذ عقود طويلة طويلة حدا، والذي هو الدعوة الى التلاقي الفكري والوجداني عند نقطة محددة، وانه، وانطلاقا من هذه النقطة ـ الفكرة المحورية، يمكن ان نتفق وان نختلف، وان نظل دأئما، ومهما كان حجم الاختلاف في دائرة المسرح وفي مناخ المسرح وفي فضاء المسرح، اوفياء لمنطق الاجتهاد والتجريب في حياتنا المسرحية، وايضا، في فعل مسرحة حياتنا ومسرحة وجودنا ومسرحة تاريخنا الآني والمستقبلي معا
تحياتي لطلبتك في ورشة المسرح بمدينة بورسعيد، ونلتقي على مائدة الأفكار الجميلة والنبيلة دائما
والخيوط الوهمية من يراها؟
وما يهم الاحتفالي اساسا، سواء في علمه او في فنه، هو عالم الإبداع دائما، والذي هو عالم سحري، فيه جمال وجلال، وفي سفر وترحال، وفيه تصور وخيال، وفيه إدهاش واندهاش، وفيه احلام بغير منام
وفي هذا العالم السحري يمتد خيط وهمي رفيع جدا، خيط غير مرئي يربط بين العقل والجنون وبين الجنون والعبقرية وبين الإنسي والجني وبين الواقعي والطبيعي وبين ما فوق الواقع وما وراء الطبيعة وبين رؤية الشاعر ورؤية الصوفي وببن الحب والجنون، اي بين المجنون بحب امراة والمجنون بحب ذاته، والمجنون بحب الله في ذات الله، والمجنون في حب الله في عباد الله وخلق الله
ويسالني سائل.من بني الناس، ويقول لي:
هذا المجنون المختلف والمخالف، كيف تعرفه انت الاحتفالي؟
وجوابا على هذا السؤال اقول ما يلي:
عندما تمشي بسرعة تفوق سرعة المجتمع، وتفوق سرعتك سرعة الصوت والضوء، فانت بالتاكيد مجنون
وعندما تفكر، في زمن اللاتفكير، ويعجز الآخرون عن فهمك سيتهمونك بانك مجنون، واسعد كل السعداء هو من تشير اليه الأصابع بانه مجنون
وعندما تفكر بغير ما يفكر فيه الإنسان العادي، ويكون تفكيرك لا يشبه التفكير العادي، وتجد نفسك تكلم الإنسان العادي في الزمن الراكد والراقد والعادي، فانت ايضا، مجنون حتى إشعار اخر
وعندما تكون غريبا في وطنك وفي عالمك وفي دنياك، ولا تجد من يحاورك ولا من يفهمك، فانت عند كل من يحيطون بك مجرد كائن مجنون
وفي هذا المعنى يقول المبدع ( المجنون) سلفادور دالي :
(الفرق بيني وبين المجنون هو انني لست مجنونا)
والحكيم المغربي الشعبي، عبد الرحمن المجذوب، هو الذي قال في القرن السادس عشر الميلادي ما يلي. لقد قال:
(مجذوب ماني مجنون
غير لحوال دارت بيا
اقريت فاللوح المحفوظ
والسابقة سبقت ليا)
فالعالم ليس مجنونا اذن، والحكيم ليس مجنونا، والعراف ليس مجنونا، والنبي ليس مجنونا، والفنان المبدع ليس مجنونا، ولعل هذا هو ما يجعلنا نتساءل:
وهذا النوع من الجنون، هل هو حالة مرضية؟
وهل يكون اصل الإبداع والاختراع والاكتشاف عبر التاريخ هو هذا المرض الخلاق؟
ويبقى السؤال، من يتكلم في كلام الشاعر وفي كلام الحكيم وفي كلام الفنان وفي كلام العراف وفي كلام العاشق وفي كلام الصوفي؟
الجني ام الشيطان ام الملاك ام روح الحياة ام روح العصر ام روح الحقيقية ام روح التاريخ ام .. روح الله؟
وفي زمن مجنون، وفي مجتمع مجنون، قد يضطر العاقل لأن يدعي الجنون حتى لا يلحقه الأذى، وفي هذا المعنى يقول جحا في احتفالية مسرحية عنوانها ( جحا في الرحى)
(انا الذي رايت
وحدي الذي رايت
رايت الحمق سيد الأخلاق
في زمن بلا اخلاق فتحامقت)
درجة الاحتفالية في سلم الوجود
وابتداء من أول بيان احتفالي، والذي صدر في ربيع 1976 كان لدى الاحتفاليين اقتناع بأن أجمل ما في هذه الاحتفالية هو فكرتها الأسياسية والمؤسسة أولا، والتي هي الحياة والحيوية، وهما في درجة الاحتفال والعيد، وهو أن هذه الاحتفالية هي مشروع ثانيا، وهو أنها ورشة فكرية وجمالية ثالثا، وأن الأجمل والأصدق والأكبر والأخطر في هذا المشروع المفتوح، هو ما سوف يكون غدا، وبنفس هذه الرؤية، فإننا نرى أن تاريخ هذه الاحتفالية موجود أمامها وليس خلفها، وأن كل ما حققته ـ لحد الآن ـ هو لا شيء، بالنسبة لأحلامها التي لا تحدها الحدود، وكل الخطوات التي خطتها هذه الاحتفالية، رغم أهميتها وخطورتها، تظل خطوات تأسيسية، وأن البناء الحقيقي فوق الأرض الاحتفالية، هو ما يمكن أن يقوم به الجيل الاحتفالي القادم، أو الأجيال الاحتفالية القادمة، وكما يتجدد فعل الاحتفال في التاريخ، تتجدد الرؤية الاحتفالية ايضا، لتكون غدا بغير ما هي عليه اليوم
وكما تحدثت هذه الاحتفالية عن حدود الكائن والممكن والمحتمل والمحال، في فكرها وفنها وعلمها، وفي مسارها ومسيرتها، فقد تحدثت أيضا عن آليتين اثنتين أساسيتين، ليتحقق لها الوجود الحق، وهما آلية التأسيس وآلية إعادة التأسيس، لقد آمن الاحتفاليون بأنه لا وجود لفعل كامل ونهائي، وبأن الفعل التجريبي مؤثث بالأخطاء دائما، وبأن من حق المجتهد العالم أن يخطئ، وأن يكون من واجبه أن يعيد نفس الفعل التجريبي، مرات أخرى، ولكن بشكل مختلف، وبوعي مختلف، وأن يتم كل ذلك في إطار وحدة التصور النظري، وداخل نظامه الفكري والجمالي العام، وكل ما قامت به هذه الاحتفالية، ابتداء من أواسط السبعينات من القرن الماضي إلى الآن، لم يكن إلا تأسيسا قابلا لأن يرى نفسه بنفسه، وذلك في مرآة نفسه، وأن يكون فعلا قابلا للمراجعة وليس للتراجع، وأن يكون فعلا للنقد الذاتي و للتصويب الذاتي ..
يقول الاحتفالي:
(أنا ما أردت أن يكون لي مذهب من بين المذاهب، ولا سعيت لأن يكون لي مسرح مختلف من بين المسارح، ولا عملت من أجل أن أكون في جهة من الجهات، ولقد اعتبرت دائما أن الكلية (مذهبي)
وأن الشمول منهجي وأن الوحدة ( ديني) وأن كل هذا الكوكب الأرضي وطني، وأن كل هذه اللغات لغاتي، وأن كل الناس في مملكة الله إخوتي، وأن كل هذه المسارح مسرحي، وأن كل الطرق التي تؤدي إلى الحق والحقيقة، وإلى الجلال والجلال، هي طريقي،
وأن كل الذين يمشون معي في نفس الطريق هم أصحابي وأحبابي، وهم بالضرورة رفاق الطريق
وإيمانا مني بأنه لا يمكنني أن أمشي في هذه الطريق وحدي، فقد أسست مع رفاقي جماعة المسرح الاحتفالي، وبنفس روح الجماعة، مازلت أمشي في نفس الطريق) هكذا تحدث الاحتفالي في كتابه المخطوط ( مسافر وجهته السحاب)
لقد رفعت الاحتفالية شعار ( احتفالية بلا ضفاف واحتفاليون بلا حدود) ولعل هذا هو ما جعل نفس هذا الاحتفالي يقول، وفي نفس المرجع السابق ما يلي:
(أنا لا شيء يزعجني أكثر، من وجود شيء، أو من وجود شخص، أو من وجود جهة توقفني عند حد معين، وتقول لي ( من تعدى حدودي فقد ظلم نفسه) لأنني مقتنع بأن الحقيقة ليس لها حدود، وأن الجمال ليس له حدود، وأن العبقرية الإنسانية ليس لها حدود.
ولا شيء يضحكني أكثر، من وجود خيالات وأشباح وصور مشوهة، تريد أن تخيفني وترعبني، وأن تحاول أن تقنعني بوجود أجساد وأرواح وهمية لا وجود لها إلا في المخيالات المريضة.
إنني أعرف أن الحقيقة موجودة، ولكن في جهة خارج كل الجهات، وفي مكان خارج المكان، وفي زمن خارج كل الأزمان، وأعرف أن إدراك هذه الحقيقة غير ممكن، ولكن هذا لا يمنعني من أعشق هذه الحقيقة، وأن أبحث عنها، وأن أنفق كل أيام عمري في طلبها والكتابة عنها)
. احتفاليون في زمن غير احتفالي؟
هو شيء صعب أن تكون احتفاليا، وذلك في زمن غير احتفالي، وفي مناخ غير احتفالي، وفي فضاء غير احتفالي، وداخل علاقات إنسانية غير احتفالية، وهو فعلا، شيء صعب ومتعب ومزعح، ولكنه أبدا ليس مستحيلا، بدليل أن الاحتفاليين قد عاشوا هذا الزمن المأتمي، بكثير من الإصرار والتصدي، وبكثير من الروح العيدية والاحتفالية، ولولا ذلك، فهل كان من الممكن أن يستحقوا أن يكونوا احتفاليين؟
ورغم كل المتاعب والمصاعب، ورغم كل الآلآم والأعطاب، فقد ظل هذا الاحتفالي يردد دائما (ومع ذلك، فإني أومن بأن الأصل في الوجود والموجودات هو الفرح، وأومن بأن الأصل في الحزن أنه حالات عابرة، وبأنه نتيجة أعطاب (تقنية) عارضة، وبأن أغلب هذه الأعطاب صناعة بشرية، وأنه من المنطقي أن نقر بوجودها أولا، وأن نعرفها ثانيا، وان ندرك اسبابها ثالثا، وأن نبحث لها عمن يصلحها رابعا، وأعتقد أن مثل هذا الفعل – الواقعي جدا- لا يمكن أن يكون تفاؤلا بليدا، او تشاؤما عاقلا أكثر مما يلزم) هذا ما جاء في كتاب الاحتفالي الكاتب، والذي اعطاه اسم ( انا الذي رأيت)
وهذه الاحتفالية هي أساسا حرية وحيوية، وهي إنسانية ومدنية وجمالية، هذه هي الأضلاع الخمسة الأساسية للاحتفالية، وأي احتفالي ـ كائنا من كان ـ فإنه مطالب بأن يشبهها، وأن يكون حرا كالريح مثلها، وأن يكون مستقلا بذاته وبوجوده مثلها، وألا يتبع ظل أحد، وألا يستفتي إلا روحه ووجدانه وعقله، وأن يكون إنسانيا وكونيا في رؤيته وفي نزعته، سواء في حياته او في حياة فنه وفكره، وأن يكون مدنيا في سلوكه الحضاري، وأن يرى الجمال، في علوه وسموه، وأن يشتغل بأقدس وأنبل صناعة، والتي هي صناعة الجمال، سواء في مجال الآداب والفنون والعلوم، أو في مسار الحياة اليومية المتجددة.
هذا الاحتفالي الحر والمستقل والإنساني والمدني والجميل هو الذي قال:
( إنه عندما يهتف الهتافون ويصرخون بالشعارات التي ليس لها معنى لا أكون معهم
وعندما يقراون ويحفظون ويستظهرون ويرددون كلاما لا يعرفون معناه ومرماه لا أكون إلى جانبهم
وعندما يقولون ـ بلهجة الواثقين ـ بان أربعة زائد خمسة تساوي تسعة وتسعين لا أكون من المتفقين والمهنئين، ولا من الذين يقولون آمين) وبهذا نطق الاحتفالي في كتابه ( كتابات على ناس البيانات)
وميزة هذا الاحتفالي الأساسية هو أنه كائن يرى، بأكثر من عين واحدة، يرى بقلبه وبعقله وبوجدانه وبروحه، وهو يرى الأشياء من جميع جوانبها، وفي مختلف أوضاعها وحالاتها ومستوياتها ودرجاتها وصورها، وهو يقتسم مع الناس الأشياء الجميلة، ولكنه يشقى ويتعذب وحده ببعض ما يراه ويدركه، وهو يفكر دائما، ويتأمل هذا العالم، وهو يسأل ويتساءل، وهو يحمل داخله نزعة إصلاحية، ويتمنى لو أنه كان بإمكانه أن يعيد إيجاد الوجود، وإعادة ترتيب الناس والأشياء في الأدوار والمقامات والدرجات الحقيقية لها، يقول بطل ( المقامات البهلوانية)
(هناك خطأ يا قمرية.. خطأ بحجم الدنيا الفانية، ومن يصلح هذا الخطأ؟ وكيف؟ ومتى؟ وبأي شيء؟ لست أدري، وليتني كنت أدري، وحتى لو كنت أدري، فماذا بإمكاني أن أصنع؟ وحدي لا يمكن أن أفعل أي شيء.. ولابد أن يعينني بعض أهل هذه الدنيا)
وفي مجال الإبداع، تجد هذه الاحتفالية نفسها في مأزق صعب، وترى أن هذا العالم الذي من حولها يمشي في طريقه الخاص، وتجد نفسها تمشي في الطريق الآخر المختلف والمخالف، وفعلا فهي ( تعرف أن هذا الزمن صعب، ولكنها تستمر، وتعرف أنها تسبح ضد التيار، ولكنها تسبح مع ذلك، وتعرف أن الواقع يريد فنا تجاريا، وتصر على أن يكون الفن جميلا وأصيلا وجادا، والواقع يطلب منا أن نركب الموجة العالية، والاحتفالية تسبح دائما ضد التيار، وبغير هذا ما كانت الاحتفالية )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *