العدالة ليست سلعة يُهدد بها ، ولا تأشيرة يلوذ بها المسؤول… !

بقلم الاستاذ: حميد طولست

أثار تصريح وزير العدل المغربي، الذي تحدث فيه بشكل مباشر عن قدرته على “سجن أي رئيس جماعة خلال أسبوع”، جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية، لما يحمله من دلالات صادمة تمسّ جوهر مبدأ استقلال القضاء وفصل السلط، وتختزل العدالة في سلطة شخصية تقديرية لا تحتكم إلى ضوابط المحاكمة العادلة، بل توحي بأن مصير المسؤولين المحليين قد يكون مرهونًا برغبات سياسية لا بضمانات دستورية.
جاء التصريح محمّلاً بنبرة استقواء لافتة، توحي بأن وزارة العدل، بما تمثله من صلة بين الجهاز التنفيذي والقضائي، قادرة على تحريك ملفات ومحاسبة مسؤولين محليين في وقت وجيز. غير أن الخطورة لا تكمن في مجرد التلميح إلى محاربة الفساد، بل في الإيحاء بأن هذه المحاربة يمكن أن تكون انتقائية، ظرفية، أو حتى مزاجية، وهو ما يتعارض مع الأسس القانونية التي يقوم عليها القضاء المستقل.
فمنطق “أسجن من أشاء متى أشاء” يعيد إلى الأذهان نماذج أنظمة كانت فيها العدالة أداة سياسية لا مؤسسة محايدة، وهو أمر يتنافى كليًا مع دستور 2011 الذي كرّس بوضوح مبدأ الفصل بين السلط، ووضع القاضي فوق كل ضغط أو تأثير.
اللافت أن التصريح لم يقف عند حدود الجدل الخطابي، بل بدأ يُترجم إلى سلوك ميداني مقلق. فبحسب ما أوردته جريدة هسبريس، نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، فإن عددًا من رؤساء الجماعات الترابية ـ سواء من الحاليين أو السابقين ـ شرعوا فعليًا في التهافت على مواعيد للحصول على تأشيرات سياحية للولايات المتحدة الأمريكية، تمتد صلاحيتها إلى خمس سنوات، في مسعى يُفهم منه محاولة لتحصين أنفسهم من “غدر السياسة”، أو الهروب المحتمل من المتابعة القضائية.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في سلوك الأفراد، بل في الرسالة التي تعكس اهتزاز الثقة في مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة القضائية، عندما يتحول الهروب إلى خيار وقائي، وتصبح التأشيرة الأمريكية بديلاً عن الحصانة الدستورية أو عن الثقة في براءة محتملة.
إذا صحت هذه المعطيات، فإننا نكون أمام لحظة حرجة في العلاقة بين الدولة ومؤسساتها المحلية، حيث تفقد الجماعات الترابية جزءًا من شرعيتها الرمزية في أعين المواطنين، حين يرى هؤلاء أن من انتخبوهم يتحوّلون من ممثلين للناس إلى طلاب “نجاة شخصية”، يبحثون عن باب خلفي للهروب من تبعات المسؤولية، أو على الأقل من الحساب.
الحقيقة المؤلمة أن جزءًا من الرأي العام، بدل أن يثور ضد مضمون تصريح الوزير، وجد فيه نوعًا من الانتقام من نخب محلية وُصمت، بحق أو بغير حق، بالفساد أو سوء التدبير. لكن المشكلة الجوهرية لا تكمن في من سيُحاسَب، بل في كيفيّة المحاسبة، وتحت أي سلطة.
فإذا أصبحت العدالة تُدار بالتصريحات، وقرينة البراءة تُنسف بالتلميحات، فإننا نكون أمام تآكل تدريجي لثقة المواطن في الدولة، سواء تعلق الأمر برئيس جماعة أو بوزير في الحكومة.
خاتمة
قد تكون محاربة الفساد من أنبل الأهداف التي ينشدها المغاربة، لكن طريقها لا يمر عبر “العنتريات اللسانية” أو التلويح بالسلطة، بل عبر تعزيز دور المؤسسات الرقابية، وتحصين القضاء من كل نفَس سياسي، وبناء ثقافة محاسبة عادلة، تجعل المواطن والمسؤول سواء أمام القانون.
وفي النهاية، ليست العدالة سلعة يُهدد بها وزير، ولا التأشيرة درعًا يلوذ به مسؤول… بل هي ميزان، إن اختل، اختل معه كل شيء.
حميد طولست .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *