العكازة: علامة وضوح وليست علامة الضعف

حميد طولست .
• كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

• إلى الذين انتقدوا مشيي متكئًا على عكازتي الخشبية—المهداة لي من أبنائي، حفظهم الله ورعاهم—أخبرهم : بأن ذلك ليس إعلانًا عن ضعفٍ ولا اعترافًا بشيخوخةٍ يُراد لها أن تُخفى. إنّه، ببساطة، صدقٌ مع الجسد، ومصالحةٌ مع العمر، وطمأنينةٌ مع ما نا عليه دون أقنعة ولا تزييف. الصدق هنا ليس حالةً عابرة، بل سِمةٌ من سمات الوضوح لا علامة الضعف.
• عكازتي ليست قيدًا ولا عبئًا. ليست اعترافًا بالعجز، ولا شهادة انسحاب من الطريق. هي وسيلة، وعونٌ على سلاسة الحركة، ورفيقةُ دربٍ أمينة. صديقةٌ لم تخذلني يومًا أثناء السير والتحرّك، ولم تتخلَّ عني في منعطفٍ أو على درجٍ أو في زحمةِ خطواتٍ متعجّلة. بها أثبُت حين يتعثّر التوازن، وبها أستأنف المشي بثقةٍ لا تتناقص.
• هي خيرُ مساعدةٍ لي على الثبات، وأصدقُ شاهدةٍ على التحدّيات، وأفضلُ شريكةٍ في النجاحات الصغيرة قبل الكبيرة.
• إنها ليست مجرّد عصًا عادية، ولا تقلّ قيمةً عن عكازة الكفيف الذي تعاطفنا مع قصتها في «أمي ما شكل السماء»، تلك القصيدة التي حفظناها عن ظهر قلب وتأثّرنا ببيتها العميق، حيث يسائل الضرير أمّه عن عصاه التي صارت جزءًا منه، وصورةً لقوته، وسلاحًا يواجه به الحياة قائلا :”عكازتي هي ناظري، هل في جمادٍ من بصر”. ما أشبه العكازة هناك بالعكازة هنا: امتدادٌ للذات، لا علامة نقص.
• الاتكاء على العكازة ليس نهاية الطريق، كما يتوهّم المتغامزون. بل هو مرحلة من البساطة والطمأنينة؛ مرحلة نرى فيها الحياة بعيونٍ أكثر صفاءً، ونقترب فيها من ذواتنا بصدقٍ أكبر، وبكرامةٍ أعمق، وبفخرٍ أشمل. مرحلةٌ يُثمر فيها الرضا ابتسامةً هادئةً، تجلب التقدير والاحترام ،كما تجلب أحيانا بعض من لمز المتربّصين وغمز المتلصّصين الذين لا يسألون أنفسهم سؤالًا بسيطًا قبل لمزهم وغمزهم -الذي أغلبه من غير قصد، وبعضه بقصدٍ وتربّص-: هل يمكن للمزة عابرة، أو غمزة مستهزئة، أن تواسي؟ أم أنّها توجع وتفتح جرحًا في دواخل من لا يداري؟
• فالذوق ليس في الأسلوب وحده. بل الذوق الحقيقي ، أن تُحسّ بمن أمامك، وتختار كلماتك، وألا تتلفّظ إلا بما يجلب السعادة، أو على الأقل بما لا يؤذي غيرك ، والذوق أن تفهم أنّ القوة ليست في الجسد وحده، بل في الوعي، وفي الرحمة، وفي تقدير أحوال الآخرين.
• وحين نغفل عن هذا الذوق، نقترب من الصورة التي ذمّها القرآن الكريم بوضوح: ﴿إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط﴾. فالاختبار الحقيقي ليس في قدرتنا على المشي بلا عكازة، بل في قدرتنا على المشي بقلوبٍ سليمة، ونفوسٍ متّزنة، وألسنةٍ لا تجرح.
• العكازة، إذن، ليست رمز ضعف، بل درس حياة: أن تمضي كما أنت، وأن تتقبّل مرحلتك بسلام، وأن تُعلن وضوحك دون اعتذار، لأن في الوضوح قوّة، وفي الصدق كرامة، وفي البساطة حكمةٌ لا يدركها إلا من جرّب الطريق طويلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *