حطاب الساعيد
منذ إقرار دستور 2011 الذي اعترف في فصله بالأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، شكل القانون التنظيمي الخاص بتفعيل هذا الاعتراف أحد أبرز الاختبارات لمصداقية الفعل السياسي بالمغرب. فقد كان يفترض أن يشكل هذا القانون لحظة تأسيسية لتعزيز العدالة اللغوية والثقافية، وأن يوفر إطارا مؤسسيا لتعميم الأمازيغية في التعليم، والإدارة، والإعلام، والقضاء. غير أن مساره الطويل والممتد على سنوات عدة كشف فجوة بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، حيث ظل التأجيل والمماطلة سمة مهيمنة على إخراجه إلى حيز التنفيذ، مما أعطى الانطباع بأن الاعتراف الدستوري بقي أقرب إلى شعارات رمزية منه إلى التزام مؤسساتي حقيقي. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال السنوي بالسنة الأمازيغية يشبه الاحتفال بـ”الطفل الذي لم يولد بعد”، مادام القانون التنظيمي للأمازيغية لم يتحقق على أرض الواقع بعد.
وقد بدا جليا أن بعض الفاعلين السياسيين ما زالوا ينظرون إلى الأمازيغية باعتبارها مطلبا ثانويا أو عبئا إداريا، ما أدى إلى ضعف الموارد المخصصة لتفعيلها وبطء الإجراءات وتأجيل برامج الإدماج في مؤسسات الدولة، وهو ما ينعكس بوضوح على أرض الواقع ويؤكد استمرار نمط النفاق السياسي.
ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي هو الممارسة الانتخابية لبعض الأحزاب التي كانت تتخذ موقفا سلبيا أو متحفظا تجاه القانون التنظيمي. فقد أصبحت اليوم هذه الأحزاب تحتفل بالسنة الأمازيغية وتزين شعاراتها وواجهاتها بحروف تيفيناغ، ليس رغبة في إخراج الأمازيغية من الهامش بل بهدف استثمار الرمزية الثقافية لتحقيق مكاسب انتخابية قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة. هذا التحول المفاجئ يعكس توظيفا ظرفيا للهوية الأمازيغية ويعيد إنتاج نفس النفاق السياسي، ولكن بواجهة احتفالية جديدة، تعطي انطباعا زائفا بالالتزام الثقافي.
وختاما لما سبق يمكن القول ان القانون التنظيمي للأمازيغية سيظل اختبارا حقيقيا لجدية الدولة والأحزاب في تنزيل الالتزامات الدستورية. فإما أن يتحول القانون إلى رافعة للعدالة اللغوية والثقافية، وإما أن يبقى رهين الرموز والاحتفالات الموسمية بما يفرغ الاعتراف الدستوري من مضمونه ومحتواه العملي. وبين هذا وذاك يظل الدور الأساسي للمجتمع المدني والفاعلين الحقوقيين في الضغط من أجل التفعيل الحقيقي، وتحويل الأمازيغية من شعار انتخابي إلى رافعة للتنمية الثقافية والوطنية.