القضية الفلسطينية بين الأصولية والحداثة

إنجاز: د الغزيوي أبو علي

دة بن المداني ليلة

تقديم عام:

كان أول سؤال يطرح من طرف القارئ لماذا اختيار هذا الموضوع؟ ولماذا اختيار الأصولي والحداثي؟ وهو ما طرحه علي أثناء الملتقيات وفي المحاضرات من قبل المهتمين والطلبة والأكاديميين وكلما تكرر هذا السؤال إلا وأتيحت لي الفرصة لأرتب المعلومات ولأعمق الأفكار فيه، وكان حافزا لي لقراءة المزيد من المراجع والمقالات، وسأكتفي في هذا المقال بالتذكير ببديهية الخطاب الأصولي، وبعقلانية التنويري حيث يعمل الحداثي باستكمال مهام التحول الديمقراطي أو على الأقل يضعنا في جسم الوقائع والأحداث دون الارتباط بالسلف الصالح، ولا بالقبيلة ولا بالإمامة، بل يعمل بتوسيع مساحة الحرية ويضمن التعددية، ويرسخ القيم المهنية في أداء الإعلام والعلم والثقافة وبذلك فإن مسارات بناء الحداثة العلمية في نماذجها الكبرى تظهر لنا ذلك الترابط بين القمة والقاعدة من أجل بناء ذاتية وحرية وقانون ودولة ودستور، وهذا التطور الحداثي عمل على تأسيس ديمقراطية ليبرالية معولمة دون مواجهة إشكالية الأصولي الأرتودوكسي بكل تفرعاته السياسية والمهنية، وبسقوط جدار برلين واختفاء الفكر الماركسي السوفياتي انفتح عهد جديد الذي تقوى فردانيا وتكنولوجيا، وبذلك ظهرت المراكز بدون حواجز وحدود، وتولدت كما قلت تكتلات جديدة لا حدود لها وتعاظم دورها للدفاع عن الحرية والقانون والهوية والقانون والهوية والعلام والمعتقد، وقد عملت فلسطين كفاعل سياسية وفكري بترسيخ تاريخها كمطلب جوهري أمام العالم، وضمن هذه الرؤية السياسية والتاريخية، كانت فكرة إصلاح الدولة من طرف ياسر عرفات هي استعادة مسار التحول التاريخي والسياسي على مدى العقدين الماضيين بكل لحظات توتره وتعرجاته وانحناءاته في ارتباط بمسار التحول الدولي، سيتمكن من تسليط الضوء على القضية الفلسطينية في بعدها الديمقراطي.حأ

الأصولي وعلاقته بالماضي السلفي:

إن خطاب الأصولي خطاب مغلق منبعث من التراث الديني، خطاب يعيد النظر في العصر والأنسان والهوية والذات دون ربطه بالتحول ولا بالتطور، لذا نرى الشعارات والمنهجية تظهر على مستوى الوقائع والأحداث <<كطوفان غزة>> وغيرها، ولكن هذا المنحى الارثودكسي الذي كان مهمشا قد ازداد عدائيا ضد الغرب، وعلى هذا الأساس يبدو لنا أن الأصولي أو الفقيه والإمام والمرشد لا يقدم لنا العقلانية المعتدلة، بل يعيد لنا أفكار الصحابة والتابعون وتابعوا بعده الذي يأخذ الأحكام من الشريعة الإسلامية (القرآن والحديث) كما نرى عند الحوثيين وحزب الله، وأنصار الشريعة، فهذه الاتجاهات ترفض أي تواصل مع الفكر الغربي، كما فعل ابن تيمية وأبو بكر البغدادي، وأيمن الطواهري، هدفهم هو بناء الخلافة كهوية لها امتداد سياسي السلفي للإسلام كما يرى عبد الباري عطوان “القاعدة التنظيم السري” ص78، فهذه المواقف هي استجابات لتحديات العصر التي يواجهها الفكر العربي، لذا تنوعت القراءات واختلفت المواقف مما ولد حربا أدى إلى انهيار المشروع الفلسطيني وهذا ما أكده العديد من المنظرين السياسيين، لأن الفكر الأصولي يحاول أن ينهض من رماده منذ اغتيال الحسن البنا، والثورة ضد الشيوعية، وكما يقول روبرت دريفوت في كتابه لعبة الشيطان، وانهيار هزيمة 1967 أدى بالخطاب الأصولي إلى تغيير فكره عارضا براعته الاختزالية من أجل أسلمة المجتمع والدولة، وجعل الأخلاق هو الأرضية لإصلاح الفرد وتهذيب نفسه من أجل الوصول إلى السلطة كما رأينا في عهد أنوار السادات، وحسني مبارك، وعبد الله صالح وغيرهم، فاتخذ هذا التصور النمطي بعدا آخر، وقراءة أخرى، حيث عاش العرب تفرقة وتشتتا بين اليمين وبين اليسار، فتولد فكرا متوحشا المؤسس على ممارسة الفوضى في الدول العربية وتكفير السلط والحكام والمثقفين وهذا ما دفع ببعض المفكرين الغربيين إلى إبراز أن الأصولية الإسلامية هي أيديولوجية شمولية أكثر خطورة من الشيوعية.حداثأ

اعتمد الفكر الأصولي على التفجير والاغتيال كما رأينا في الفيلم المصري <<ليلة السقوط>>، لأنهم اتخذوا مفهوم الجهاد وكمبدأ أساسي ومعلم بنائي، من أجل بناء دولة خلافة إسلامية، كما يرى محمد بن مصطفى في كتابه “أصول وتاريخ الفرق الكلامية” مكتبة صيد الفوائد ص36، فالحرب الذي شنته حماس وحزب الله وأنصار الله باليمن هو حرب ضد السامية كما يقول الصهاينة، لكن الواقع شيء آخر، فالجهاد باب من أبواب الثبات والاستقرار وعدم الانهيار، لذا حاول الشعب الفلسطيني منذ مؤتمر هرتزل إلى تأكيد كينونته وهويته كدولة لها قانون وشعب ولغة وحدود، ولكن الاستعمار البريطاني حاول أن يغرس هذه الحية وسط الجسم العربي، فتكاثرت أغصانها وانتشرت سمومها في كل اتجاه، فحاولت هذه الحية الرقطاء المتراكضة كأحلام المجرمين أن ترتبط بالإمبريالية الأمريكية لتضع نفسها بنفسها دون أي مساعدة أجنبية، لذا نجد وسائل الإعلام الغربية يضللون الرأي العام العالمي عن الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني ضد الشعوب والقوميات والطوائف الدينية، لكن هذه التنظيمات وهذا التحكم يجعلنا نقف عند سلطة الفقيه بكل حمولتها التيولوجية، وتوظيف المسجد الذي تم تشكيله كمؤسسة تشريعية ودينية كما فعل أبو بكر البغدادي في العراق، لأن الأصولي يرتبط بالماضي ويرفض المرونة الاجتماعية لكي يحافظ حسب طرحه على كل ما هو مقدس وهذا التصادم الذي نراه في الشرق الأوسط كما يرى جوسيه كازانوفا <<الأديان العامة في العالم الحديث>> ط1 – بيروت 2009 ص13، فالمفكر الأصولي (اليهودي – المسيحي أو المسلم أو البوذي أو الهندوسي…) يرفض الفردانية ويحتمي بالجماعة ومعارضة الديمقراطية والتعددية الفكرية، داعيا إلى إقامة دولة شمولية ومطلقة ونصوصية وانحيازية، وهذا التصور الذي يمارسه اليمين اليهودي المتطرف ضد الشعب الفلسطيني والسوري واللبناني، لأنهم يعتقدون كما جاء في التلموذ أو التوراة ويقول ناجح المعموري في كتابه أقنعة التوراة <<إن أصول الحضارات الجزرية وليست إرثا لليهود، وإنما إرث قديم الذي استظلت به الوجوه الملوثة بالدم والحقد والكراهية>> ص9، فهذه الرؤية الاقتصادية تتأسس على عدوانية التي تقتل الأبرياء لأنها تريد أن تجعل من الذات اليهودية أن تؤسس الاختلاف والتنوع عن أعدائها وتجعلهم خارج الوطن والتاريخ كما تفعل جماعة الكيبوتس، ويبقى السؤال المطروح أين نحن من كل هذا القتل والدمار؟ وأين المثقف والفيلسوف؟ هل هناك أمم متحدة؟ هل القوة هي الجوهر في البقاء؟ أسئلة كثيرة ومتنوعة تجعلنا نساير كل هذه العوالم الممكنة والمحملة بالقيم وهي تقدم لنا وجهة نظر عن وضعنا العربي بطريقة تجعلنا ننتظر أمريكا وفرنسا والمانيا أن تخلصنا من هذا العذاب، لأن الوصايا السامية للشعب اليهودي تسمو على الأفكار الإنسانية المختلفة عنها وتقدم الإيمان المتطرف دائما على القواعد الدينية، فالإيمان بإله كلي القدرة هو وحده المبرر لكل الأوامر والنواهي الموجهة للإنسانية “ايمانويل هيمان – الأصولية اليهودية تر سعد الطويل – القاهرة – 2012 ص24 – فهذه الطرح يخفي رغبة قوية في إزاحة الشعب الفلسطيني لأنه لا يستحق أن يكون ندا لهم، وهذه الرؤية الدروينية هي إبراز الجبروت المدمر لكل أشكال الاختلاف لأنهم أبناء غير اليهود حيوانات وإنا لبات غير اليهودي قدرات منذ مولدهن>> المرجع السابق ص28 – 29، فاليهودي المتطرف يصف الغير اليهودي بعباد الأوثان والأصنام وأنه شبه حيوان، لأن الحكيم (التلموذي) يفسر النصوص وفقا لرؤيته ومنهجيته الأسطورية القديمة الخالية من شوائب اندماج اليهود عقائدهم الدينية وعباداتهم تر عبد الرحمن الشيخ 2004 ص107، فاليهودي يطارد نفسه لكي يجد لنفسه هوية مختلفة عن الكائنات الغير الواعية الأخرى وهذا حاضر في التوراة والتلمود دون توجيه النقد لذاته ولما يحدث على الأرض الفلسطينية واللبنانية واليمنية، إذن هل نتنياهو هو المنقذ اليهودي من الظلال؟ سؤال يقربنا إلى نهاية التاريخ كما ناد به فوكو ياما، حيث يصور الصهيوني أن التاريخ يتأسس على الثنائية الماثوية (الخير والشر)، فالخير مرتبط باليهودي والشر يمثله الأخر العربي المتخلف كما يقول فكري جواد “الأسس الدينية للأصول في الأديان الإبراهيمية” ص20 و21، فاليهودي المؤمن بالأسطورة وبالعود الأبدي المتمثل الموعود الذي يحكم بالعدل، فهو وحده الذي سيحقق النصر والخلاص وهذا الخلاص لا يتم إلا بالحرب المسبوكة بنيران الحرب، كما تدعي الحكومة اليمينية المتطرفة، وحزب الليكود، لأن هذا الصراع الذي شنته حماس وحزب الله وأنصار الله هو جزء من الصراع التاريخي القديم، لأن اليهودي يعتبر نفسه سيد العالم وأنه مختار من طرف الله وأنه القادر على فرض العدالة والحكم والديمقراطية في سائر بقاء الأرض، فهذا التصور الأسطوري يدعونا إلى إعادة الحضر الأركيولوجي في نصوصهم التي تثير في نفوسهم شعورا بالتفوق والعلوم والتمييز على الأمم الأخرى كما يقول صفوان الشوادفي في كتابه “اليهود نشأة وتاريخا” ص67، فالهدف اليهودي هو توسيع رقعته الوطنية لكي تصير امبراطورية كما كان يعلم بها منذ العهد الروماني والفارسي والبابلي، لكي يصبح ثريا لأنها قد ملكت أموال العالم جميعا ويحقق أمل الأمة اليهودية بمجيء إسرائيل وتكون هي الأمة المتسلطة على الأمم الأخرى عند مجيء المسيح كما يرى صفوان الشوادفي في كتابه “اليهود نشأة وتاريخا” ص67، فالحكومة اليهودية المتطرفة تحاول مطاردة الإنسان من أجل تطويعه وانصياعه لكي ترسم له وطنا متخيلا على الصعيد الديني والقانوني كما ترى في الآونة الأخيرة في الدورة 79 من الأمم المتحدة، فاليهودي حسب الغرب هو الذي يملك الحقيقة وأن الآخر الفلسطيني هو سبب كل المحن التي يعيشها اليهودي أو الصهيوني، إذن الرؤية الغربية كما يرى روجيه جيرار في كتابها تبقى من الغرب أن الغرب يريد أن يحول الدين من بعده التيولوجي إلى بعد أيديولوجي يحمل معه أهداف سياسية واجتماعية وحضارية محددة جغرافيا كما يرى منير شفيق في كتابه مستقبل إسرائيل دار الفكر ط1 دمشق 2001 ص228، فالغرب المستعمر أبدع تاريخا لهذا الشتات اليهودي في فلسطين وفرض قوة على الطبيعة والإنسان بالفانتوم والفابالم من أجل تغيير المشرق العربي وجعله شرق أوسط جديد وأن الاستيطان في فلسطين واجب ديني ويرى عامر عبد زيد كاظم الوائلي في كتابه الأصولية قائلا: إن الأصولية اليهودية تهدف إلى بناء وطن في فلسطين التي أسماها أرض الميعاد من دون انتظار المسيح المخلص بحسب ما تقوله المعتقدات الدينية لليهود، وبناء جمعيات مدعمة من طرف أمريكا قصد اكتساح الأراضي الفلسطينية لذا عمل المستعمر الصهيوني بالاحتلال والطرد والاستلاء على الأراضي دون أية مهادنة أو تدخل أممي وهذا ما أكد عليه هرتزل في كتابه الصادر 1896 تحت عنوان “الدولة اليهودية” فأصبحت الصهيونية لغة استعمارية ومنهج استيطاني يلون الايديولوجي والسلوكي، واعتبر وسيلة للإيحاء بالأفكار الاستعمارية كما هي موجودة في جمجمة نتنياهو وأخلاقه، لأنه حسب معتقده هو الأب الروحي للتيار الصهيوني المعاصر، وتجاوز قرارات الأمم المتحدة، وقرارات المحكمة الجنائية  الدولية، فوظف الدين في خدمة الأيديولوجية الصهيونية، لذا يحاول أن يكون فاشيا في رؤيته وفي خطابه، لأنه يسعى نحو السلطة بغية تحقيق الغايات والأهداف الاستعمارية والاستيطان وإنجاز المثل العليا لرواد الفكر الصهيوني المعاصر المؤمرك.

الفكر الصهيوني والعودة الأبدية:

إذن نستنتج مما ذكرت أن الصهيونية هي رؤية استعمارية دينية أساسها الاستعمار من أجل بناء امبراطورية يهودية كما جاءت في كتبهم كما يقول العديد من فلاسفتهم كموسى هس الذي تأثر سبينوزا وسيركين وغيرهم، إذن نتساءل هل هذا الدمار هو الخلاص للصهيونية من الفلسطينيين وهل موت حسن نصر الله هو بدوره خلاص من الفكر المغاير؟ وهل نتنياهو هو المسيح المنتظر كما تدعي اليهودية؟ إن دعوة إعادة المسيح من بيت داوود عليه السلام يعيد الملك إلى الإسرائيليين، ويقول كاظم الوائلي عامر عبد زيد في كتابه “الأصولي” إن مطالبة يسوع بعرش إسرائيل وهي التي حدثت في اليهودية بفلسطين في زمن الرومان، اصطدمت بمقاومة شديدة من المؤسسة الكهنونية الصهيونية وهي المؤسسة نفسها التي سبق لها أن تصدت لمسعى جد يسوع زربايل إلى الملك على إسرائيل قبل خمسة قرون تقريبا ص46 – فالغرب ساير هذا الطرح بكل الوسائل الإعلامية والمادية والاقتصادية عارضين براعتهم الفكرية والسياسية التي تنم عن قوة تكنولوجية جديدة أكثر ما تنم عن قوة كلاسيكية، لأنهم براكماتيون في كل المجالات وفي كل مناحي الحياة، فأمريكا اتخذت في هذه الحرب وجهين لعملة واحدة، فهو مع العرب ومع اليهود، حيث في كل جلسة تستخدم حق الفيتو ضد الفلسطينيين، وعلى أساس هذه الرؤية اعتمدت أمريكا على النفط العربي والاقتصاد لكي تحول المجتمعات العربية إلى حواضر وأشخاص يلتزمون بصناعة الطاعة ليس كبدعة الرواقيين ولا المشائين، لأن البدعة الحاكمة مطبوعة بواقع أن أتباعها يلتحقون بها دون انحراف أو هرطقة، وهذا ما فعلته في العراق واليمن وسوريا، وفي ليبيا وأوكرانيا لأنها تتدخل بشكل صريح لك تحدد موقفها بخصوص نقطة من عقيدتها المبنية على “الديمقراطية والحرية وتعاليم الحداثة المقدسة، يبدو أن هذه البداية الجديدة “العلمانية” هي التي سوف يفيض لها أن توضح مفهوم المبدأ السيادي والحاكمي وفق الزمكان لأن مفهوم العلمانية هي التي تتطهر الشعوب من الحكام الظالمين ووفق هذه الرؤية تشكلت نظرة أمريكا مع الغرب كنيسة علمانية مبنية على اللاعقلانية وعلى رؤية برغماتية كلية، حيث تفرض رؤيتها للإيمان هذه المبادئ التي جاءت بها الإمبريالية المؤمركة، لذا حاولت أن تصوغ الجيل جديد للعالم الرأسمالي يلغي الحدود ويلتزم بمقررات (الكونكريس) وبشريعته وذلك يجعل اليهود فوق كل اعتبار، لكن الفكر الصفوي (الإيراني – الفارسي) لا يقبل هذا الطرح وهذا الالتزام الوضعي بل يذهب إلى تأويل نصوص قديمة لجعلها اتجاها ضد الإمبريالية لذا خلق بلبنان حزب الله وفي اليمن “الحوثيون”، وفي سوريا وفي أفغانستان جيوشه المتشبعة بالفكر الشيعي وأيضا بالعراق، فهذه المرحلة التي تعيشها الأمة الفلسطينية اليوم لا تنحصر في الشأن الاتصالي والإعلامي والتقني، فحسب بل تتعدى ذلك وتصل إلى حدود التكنولوجيا كما حدث في لبنان، وأيضا السياسة والاقتصاد فهي باختصار منعطف ضخم وكارثي، حيث أحدث تحولات كبرى وجوهرية في السياسة اللبرالية الغربية وأيضا في طبيعة الظواهر التاريخية، لأن مسيرة العالم المعولم لا يسير في اتجاه المهمش والمقصي، بل يسير في اتجاه حركة نكوصية لهذه الدول المتخلفة والمتباينة، لذا نجد تناقضا بين الحركات السياسية ومظاهرها الاقتصادية وبين الأبعاد الدينية المقدسة، فالتحولات التي أطلقتها العولمة المؤمركة عديدة ومتنوعة، فهي تهيئ الإمكانات للتفوق الصهيوني، كما توفر فرص افتراس القوى الضعيف، لذا فإن مهمتي في هذا المقال ليست الولول في المزايدات الأيديولوجية، حول الموقف العربي من هذا الصراع الفلسطيني واللبناني واليمني والصهيوني وإنما اجتراح قوتنا الفكرية والعلمية والفردانية الذاتية والعمل على توفير كل أسباب التقدم الصهيوني والتخلف العربي، لأننا نملك كل شيء سواء على المستوى الاقتصادي والفكري والمعرفي وغيرها من القضايا الجوهرية ولكن لا نوفر للباحثين فرصة الإبداع والاختراع، لذا أغلبهم يهاجرون نحو الغرب لأنهم يجدون الظروف الذاتية والموضوعية يجدون موقع متقدم في هذا المشهد العلمي الدولي، لذا يهدفون إلى صناعة القوة الذاتية لإضاءة بعض الأمور المتعلقة بالتحولات والتطورات التي تجري في مجال الغربي في سياق هذه العولمة كما يقول الدكتور المهدي المنجرة لذلا ترى المشاكل والأزمات التي يعانيها المجتمع العربي وممارسته للدور السلبي والسيء في مسار حياتنا جميعا، إلا أن أهم هذه المشكلات المعاصرة هي تلك المفارقة التاريخية التي نعيشها، لأننا نعيش التفتت والتجزئة رغم أن العالم حسب أمريكا وروسيا (بريكس) يتجه نحو التكتل الكلي والعرب يوجد في الاتجاه المقابل يسير باتجاه الانحباس في إطار تشتيتي ويبدو لي أن هذه المفارقة التاريخية ينبغي أن تقف أمام هذا الدمار لمعرفة جذوره وأسبابه الحقيقية وكيف يمكننا وقف هذا الدمار والتهاوي نحو إيجاد واقع فلسطيني ويقول محمد محفوظ في كتابه “العولمة وتحولات العالم” <<ونرى في مقابل ذلك أن الواقع العربي يزداد انقساما وتشتتا وضياعا وبعدا عن حالات الوحدة والتوحيد، حيث أضحت هذه المفارقة من العلامات النوعية لنهايات القرن العشرين، فالنظام الدولي الجديد يطرح العولمة والكوكبة كخيار انساني قادم تقوده دول الغرب المتحدة مصلحيا وحضاريا في بعض الدوائر سياسيا واقتصاديا>> ص67، وانطلاقا من هذا الطرح الفكري فالكاتب يقربنا من الوحدة والتنمية الكليانية الذي خلقه الغرب حيث أبدع الحضارة الجديدة وأيضا التحول في الوعي والذات والفكر والقوة والثروة موضحا المعركة الدائرة التحكم في المعرفة وفي وسائل الاتصال، وفي المقابل أن العولمة أصبحت تتحكم في مصائره من طرف دول المركز مما ينسجم والمصالح الكبرى للرأسمالية العالمية، لذا سقطت كل الأنظمة الاوليكارشية، وظهرت طوائف سياسية ودينية من أجل إعادة التوازن وترسيخ الثقافة الماضوية لتجعل المرء أكثر قدرة على معرفة هويته، دون الانخراط في سجن العولمة، وهطه الرؤية لا تطرح قضية التجاوز، بل أصبحت جثة هامدة دون العودة إلى الثقافة وإلى المعرفة والعلم لكي تتواصل مع الواقع المعاصر بعناصره المتعددة وتضفي عليه علاقة علمية وعقلانية عليا وأساسية ويرى محمد محفوظ في هذا الشأن <<أن وقف الانهيارات النفسية والاجتماعية في الثقافة والمجتمع حتى تعود الثقافة الحية فتزرع في الأرض العربية، وتنهض الواقع وليصبح أكثر فعالية ودينامية>> ص69.

العرب وسؤال الحداثة:

فالعربي هدفه السلطة والمال والنفوذ، لا يفكر إلا في مصلحته الذاتية وفي أسرته، دون أية مساءلة نقدية تذكر، لذا يحس بالفشل أمام تقنية الهيمنة ووسائل السيطرة الكونية، فأصبحت إرادته شائخة وعاجزة تسري في أوصال جسمه، إذن ماذا يمثل المثقف للناس ولنفسه؟ هل هو مفكر عامل يدعو إلى التغيير ويعمل في سبيله إذا آمن بضرورة التغيير؟ أم هو مفكر نظري يعيش في برج عاجي ويقول ما يقوله الآخر؟ انطلاقا من هذه الأسئلة المرتبطة بالأزمة التي نعيشها أمام هيمنة الفكر الصهيوني، جعلني أعيد الأسئلة لكي يسترد المثقف أنفاسه وتوازنه لكي يبدأ بترتيب أوراقه الاجتماعية والسياسية والاجتماعية لأن الإرادة والعزيمة هي التي ترسخ التحول البنيوي لكي يولد الأمل إلى هذا الواقع الفلسطيني الملموس ويقول محمد محفوظ: <<ولعنا لا تعدو الصواب إذا قلنا أن التخلف الثقافي والمعرفي الذي يجعل الحذلقة أسلوبا والتعليم هدفا، هو من أشد أنواع التخلف خطرا، لأنه يسري في كل الأفكار والقناعات ويصبغها بصبغته>> ص70، لذا يتفق الباحثون على أن الانهيار الذي أصاب الفلسطيني ليس وليد اللحظة بل هو عبارة عن امتداد تاريخي، حيث نجم عن تقاطع بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، والثورة الفكرية التي أعلنت من شأن الفكر والمعرفة (درويش ادوارد سعيد، غسان كنفاني…)، فكانت هذه النخبة هي الطود العظيم الذي يسكب الخير لأهله دون تفريق يذكر، لذا يرصد الصهيوني تحركات المثقفين والسياسيين والمفكرين من أجل فهم الخلفية المعرفية التي تحركهم، لذا تمكن من تنويع ثقافته وعلمه وأصبح أول دولة صناعية في الشرق الأوسط وفي العالم، وفي الأخير أمل أن نعيد قراءة التراث الديني الطائفي برؤية عقلانية لكي تتساوق مع شروط المعرفة العلمية، لا أن نبقى في جليان حسن البنا، والبغدادي وأيمن الطواهري، وبلادن.

الحداثة ومشكلة التحول البنيوي:

يبدو أن الأمر لا يتعلق بالفكر القديم ومدى أصوليته، لأنه يبقى حسب هذا الرأي، إرث مختلف عن الحديث والمعاصر، لأن المعاصر هو بمثابة أيديولوجية تنتمي إلى الواقع الممكن ومختلف عن الأسطوري أو التيولوجي، وهنا نحس بالاختلاف بين الأصولي والتنويري والعلماني فالأول يبقى حبيس الماضي أما الثاني فيحول المقدس إلى ايديولوجيته تحمل أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية وهذا ما نراه في هذه المعركة الموجودة بين الفلسطيني والصهيوني، فهذا الأخير يعتبر نفسه سيد العالم لأنه يملك الخبرة العلمية والفكرية والسياسية.

لذا ارتأيت أن أعيد النظر في هذه المعركة التي ولدت لنا طوائف وأحزاب داخل الدركة، الشيء الذي جعل الدويلة داخل الدولة لا تخضع لشروط قانونية ولا دستورية، بل أصبحت هي التي تشرع وتؤسس كيانات وجمعيات كما في لبنان (حزب الله)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه التبويبات تقدم لنا بين المجتمعات التقليدية والحداثية، فعند توكفيل يرى أن هناك تعارض الديمقراطية والارستقراطية وعند دوركايم يرى أن المجتمع يتأسس على التضامن الميكانيكي والآخر الذي يقوم على التضامن العفوي، وأن ماركس يميز بدوره بين المجتمع الرأسمالي والإقطاعي لكن هذا الفكر الطائفي الذي يعيشه العالم العربي يضعنا أمام ثنائية ضد الدين – العلم – والقديم / الحديث – الحرية / القيود – الفردانية / الجماعة – الجنة / النار – الخير / الشر، لكن هذه الثنائية الميتافيزيقية تخنق الفردانية وتضع أمامه الإسمنت الاجتماعي ضد القول الحداثي لذا طرح السؤال التالي من طرف رجيس دوبريه ورينو جيرار في كتابهما “مادا تبقى من الغرب” فإننا نطرح السؤال بدورنا “ماذا بقي من فلسطين؟” أسئلة كثيرة ومتنوعة جعلتنا ندرك أن الغرب اتخذ الحداثة ليس كذريعة، بل كمنهج لتحرير الإنسان من التخلف والجهل والأمية ضد الأرتودوكس والكاتوليك، وتحالف مع الشيطان كما يقول دوبيريه للحصول على الثروة والأرباح وذلك وفقا لأسطورة فاوست عند موته، معتبرا أن الشرق لعين ودخيل ومتخلف، حيث تجسد نفي الأساطير والأعراق والكهنوت الظلامي وهذا النعت يبين لنا ضرورة استحقار (القرب) الذي يتحدد وجوده جغرافيا ودينيا واجتماعيا وثقافيا، لأنه يطرح إشكالات متنوعة سواء باعتباره مساويا أو للغرب أو متخلفا وتقليديا للأنا باعتماد المعيار العلمي والديني والثقافي، وأهم الإشكالات التي يطرحها مفهوم الغير (العرب) بالغرب هي نفس الإشكالية التي يعيشها الأمريكي الجنوبي والأسيوي، لأنه يشكل وجوده خطرا عليه حسب الدراسات الانتربولوجية، ووجود الغير المتخلف أما الآخر المتقدم هو الذي أعطى لليهودي قوة وجودية خاصة دون أن يشبه الجميع حسب مفهوم هيدجر، أما إذا كان وجود الغربي مستقل ومتميز وواعي باعتباره ذاتا وليس موضوعا كما يرى ميرلوبونتي، لكن الصراع الذي نعيشه اليوم هو صراع وجودي مقدس، لأن الغرب يحاول دوما أن يشيء الغير باعتباره موضوعا وجحيما حسب جان بول سارتر، فالغرب الحداثي هو عنصري لا يستجيب للآخر المستضعف إلا ما يوافق شروطه الاجتماعية والموضوعية، إذن متى نخرج من جلباب التبعية والانهيار؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *