د: الغزيوي أبوعلي
دة: بن المداني ليلة
تعتبر السلطة التشريعية مي بين أهم سلطة الدولة لهذا وعلى مر التاريخ يمارس الحاكم الحكم بتدبير الشأن العلم وممارسة السلطة السياسية، فهو يعطي للقواعد القانونية كأرضية لبناء مؤسسات الدولة وأجهزتھا، من هنا ترى هذه القواعد القانونية اليوم تتعرض للتعديل والإلغاء، الأمر الذي يجعلنا نتقرب من هذا العالم الذي نعيشه (العالم العربي)، فهو الذي يتحكم في تدبير الشأن العام وفي القرارات السياسية على اختلاف مراتبها وأنواعها كما في السودان والعراق وسوريا، ولبنان واليمن…
وهذا ما أكده جورج فيديل أن الأمة باعتبارها شخص معنوي فهي صماء وبكماء، إذن يبقى المعطى السيادي مرتبط بكيفية ممارسة السلطة وحدودها، فالسيادة تخدم مصالح النخبة على حساب مصالح الجماهير الشعبية، إذن كيف تمارس السلطة المعرفية حسب القوانين الدولية؟ إن السلطوي لا يتمتع بحرية مطلقة كما كانت في الأنظمة الأوليغارشية القديمة، بل يتولاها على طريق التفويض من الشعب المالك الفعلي للسيادة، فهذه الأخيرة ليست إلا نشاط سلطوي محوره الحكم، وليس أساسه الإنسان (الكرامة – الحرية – المساواة)، فالسياسة كما نعلم يجب أن تسخر لحماية الحقوق والحريات لهذا المواطن، لكن السياسة في عالمنا العربي تتأسس على تضارب المصالح دون ضمان حقوق الأفراد وواجباتهم، فهي تجلب الشر أكثر ما تجلب الخير، وهذا ما تراه في فلسطين واليمن والسودان، لأنها قضية جوهرية تتعلق بالجانب الإنساني والمؤسساتي لدى الإنسان العربي بغض النظر عن اعتباراتهما الايديولوجية والمذهبية، حيث تفترض أن بينهما قطيعة معرفية صارخة تتحدد بمحورین متنوعین:
– أحدهما له علاقة بالمنظر التشخيصي، إذ نتناول فيه نماذج بارزة لفئة مهمشة، أما الثاني
فيتمثل بالدولة الفلسطينية كصورة غير مجردة عن الواقع الموضوعي، إذ تضمن الكشف عن طبيعة المرتكزات حكام الصهيون التي تتأسس على اللاعقل والإقصاء والقتل، كما تضمن الكشف عن الخصائص المعرفية القائمة على تلك المرتكزات عند اليمين الاسرائيلي، ومن ثم يظهر لنا الخلاف التكويني لدى الإنسان العربي، في حين يتمسك الصهيوني بالمحو والإقصاء، وهذا ما ستراه في هذا المقال، لذا أصبحت فلسطين على أنها أداة هيرمينوطيقية تصوب الفهم الخاطئ الذي تجهله الحداثة الغربية من هذا الشعب، فما يمكن أن يعد ولوجا واعياً للعالم الحقيقي الأمريكي کما يرى ادوارد سعید، فهي لم تعد ظاهرة عارضة بوعي سطحي، بل أصبحت تضفي على نفسها أن الحاضر هو الأساس، حيث يحمل قرارات الدولية ويفيض بالدلالات أكثر مما يعرفنا بالكيان المحتل، فالانتشار الواسع للشعب الفلسطيني عبر الإعلام والأمم المتحدة والمنظمات منحت لهذا الشعب المشروعية لمفهوم الدولة.
لكن الفكر الصهيوني لا يؤمن بالمبادئ والقيم الديمقراطية كمدخل من مداخل تجسيد الفكر المستبد، بحيث يقوم هذا الأخير برسم سياسات عمومية أو قطاعية ووضع قوانين تخدم مصلحة الأغلبية التي يمثلها في تنكر تام لحقوق وحريات الأقليات العربية وأيضا الشعب الفلسطيني، فهذه الرؤية تبعدنا عن الشرعية القانونية، ولكن الصهيونية المتوحشة تمارس الحكم المطلق دون مراعاة حقوق الإنسان ولا المواثيق الدولية ويرى ريموند أرون “إن السياسة هي دراسة كل ما يتعلق بالعلاقة القائمة بين الحاكم والمحكوم وبتدرج السلطة داخل الجماعة”، وانطلاقا من الطرح فالحاكم الصهيوني يتخذ القرار السياسي والعسكري على المستويين الداخلي والخارجي، فالداخلي يتمثل في القتل والاغتصاب، والخارجي يتمثل في محو الهوية الفلسطينية.
مفهوم الهوية:
لأن مفهوم الهوية الثقافية يأتي من جهتين؛
الأولى: خارجية بدأت مع كثرة الحديث في الآونة الأخيرة عن العولمة، وتعددت تعارفها على مستوى كل مجالات المعروفة وما تمثله العولمة من محاولة لتنظيم أو إعداد نظام عالمي جديد بكل ما يترتب عليه من هذا النظام من سلبيات تطول في معظمها بلدان العالم الثالث، أما الجهة الثانية التي تأتي منها أهمية موضوع الهوية، فهي داخلية وتتمثل في ندرة المقاربات العلمية والموضوعية
بهذا الموضوع خاصة في دول العالم الثالث، إضافة لما يعرفه البعض من نقاش في العالم العربي عندما يضع مفهوم الهوية في تناقض مع الحداثة فتصبح الهوية عندهم المرادف للولاء القبلي، وكل ما من شأنه أن يوقف عجلة الحداثة التي تمت في أشد الحاجة إليها كي ………….من ……….. وتلصق بركب التقدم.
لا تكتمل الهوية الثقافية إلا إذا كانت مرجعيتها إجماع الوطن والأمة والدولة، الوطن بصفه الأرض، والأمة بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة وكل مس بواحدة من هذه هو مس بالهوية والوطن والانسان، ومن خصائصه أنه يتميز بالتفرد والتعدد والاختلاف فهناك ثلاث نماذج من الهوية الثقافية: هوية فردية تدافع عن الاستقلالية والتميز الفردي والجماعي، والكوني فهذه بعض مظاهر التنوع الثقافي في العالم، يجعلنا أن نؤكد أنه لا توجد ثقافة عالمية واحدة بل ثقافات
متعددة والثقافة هي ذلك المركب المتجانس من المعارف من الذكريات والتصورات والقدم والرموز، إلا أن مصطلح فلسطيني حسب المتخيل الصهيوني لا يدل على شيء واقعي، ولا يتضمن القواعد التاريخية المشتركة، والتي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل أمة على حدة، إلا أنه هذا المصطلح يعاني من مشكلة التاريخ الذي ……. الاستعمار البريطاني والعربي، لذا بقي موكب التحدید کامتداد غیر معلن في أصالته، وبالتالي فهو امتداد في أحاديث العربي وليس كدولة ولا مؤسسة كما يعتقد البعض ويرى ماكس فيب ” أن التفهم عن طريق التفسير للمعاني الداخلية للسلوك الاجتماعي بغية شرح ما …………………. لهذا السلوك وبوصف السلوك بأنه اجتماعي حينما يكون مرتبطا بمعطيات الآخرين” محمود رشدي فكار ” من تراث المغرب، ص: 94.
فالمهارات السياسية الدولية لا تجعل مشاعر الآخرين المقهورين في صلب العلاقة الدولية المقررة، من احترام أفكارهم ولا تحمل المسؤولية، ولا حسن الحديث والاستماع، إضافة إلى التعرف على خصائص هذا الشعب والتفاعل معه، ولتطوير هذه المهارات الدولية تعمل أمريكا باستخدام حق الفيتو كحاجز لعدم تنمية مهاراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مع عدم تعزيز التفاعل والتواصل والتنسيق م الأطراف العربية، لذا يبقى الوطن العربي مجرد تلقين المعلومات، أو إنزال العقوبات كرسالة سامية تقوم على عدم فهم العميق لرسالة المؤمركة، حيث تعد اسرائيل كمركبة يجب على الشعوب العربية والغير العربية أن تتحلى بالمرونة الناجحة في سبيل تحقيق بنية كيانية سليمة ومؤثرة في هذا الشعب. لقد قرن مجلس الأمن منذ سنة 1948-1967 و1973-1979 بتقني المصير للشعب الفلسطيني، فهذه المهارة المعرية الأممية هي ذات قيمة بدون مشاعر تطبيقية، كما يرى ادوارد سعيد، وفوكو ياما، إذن ينبغي إعادة النظر في العلاقات الدولية وفي برامجها المسطرة والمعززة بالايستمولوجيا كخطاب عقلاني يشمل المعرفة والعلوم الحقة والإنسانية حيث أصبحت أورغانونا جديد في هذه المجالات، فهي التي تهتم بالعلوم بكيفية تكونها وكذا تطور المعرفة فيها، ومن خلال تاريخها الخاص جاءت كفلسفة في المعرفة وكعلم للمعرفة، لتشمل أساسا تاريخ العلوم، وهي بهذا المعني تهدف إلى دراسة المناهج العلمية، والقانونية والفلسفية فهي أقرب إلى علم النفس المعرفي، والمنطق، وتاريخ المجتمعات، والعلوم القانونية الاجتماعية، إذن فهي تتخذ القانون موضوعا لها، إذن ما هو هذا العلم الهادف سؤال جوهري وأساسي یتصف بالوحدة والتعميم، ويتخذ العالم الطبيعي الإنساني كأرضية للتفسير والتحليل لمعرفة ما يحدث فيه من وقائع وظواهر، كل هذا من أجل تأسيس نسق نظري ينطوي على القوانين التي تسير هذا الوجود المادي، وهذا التصور الموضوعي للقانون بدون تاریخه …….. وتاريخ القانون دون فلسفته عماء” ( يمنى ظريف الخولي- مجلة عالم المعرفة ع 264 س 2000 ص: 9.
إذن فالايستمـولوجيا لابد أن تعيد النظر في العلاقات الدولية وتاريخها الخاص لكي تتمكن من معـرفة أصــولها الفلسفيـــة والمعرفيـــة لتغدو كفلسفة علوم جــديدة ويـقول إمیل بريييه Emile Brehier ” لا يمكن فصل الفلسفة عن باقي الحياة الفكرية التي لا تزال تعبر عن ذاتها في العلوم والدين والفن والحياة الأخلاقية والاجتماعية، إن الفلسفة تهتم بكل القيم الفكرية لعصرها إما لتزكيتها أو نقدها أو تحويلها، ولا توجد إلا حيث يوجد مجهود يسعى إلى تنظيم القيم تنظيما تراتبيا , P : 15(Hist de la philosophe)
من هنا يتشكل تاريخ القانون فضاء في الفكر كما يرى هوسرل، لأنه يحدد مرماه في ممارسة التفكير في ………………….. وبهذا الاعتبار يوضح الفكر المعولم أنه عمل تفكيكي من نوع ما، يقارب بين …………………… والحدود كي يلغي هوية كل طرف، لذا يحاول المفكر العبراني أن لا يترك فلسطين أن تبرز نفسها بنفسها دون رؤية نظرية مسبقة.
من هنا تتشكل أطروحة الوعي العبراني كما قلت، تتجلى في التجديد الجوهري لكي تكون تغيرا حاضر ا، لكن يتطلب هذا الولوج المسبق للوعي الذي يتحدد كإحالة يقربنا من نظام وحداتي يميني متطرف، حيث أن هذه الرؤية الكليانية المتطرفة تحاول أن تعيد ما ذكرته كوثر ليسارايس “بالشرق الأوسط الجديد، كفكر وفكرة للروح المطلق، وهذا الشرح الذي تقدمه أمريكا والغرب اليوم لنفسها وللعالم هو الأكثر جهنمية تعبيرا، مما يمكننا القيام به لمواجهة هذه الحقيقة اللاتاريخية
من أجل فهم مملكة المعنى وتعبيره التاريخي في ثقافة أصبحت محسوسة من أجل نظرية للقيمة تقود إلى ما هو موضوعي وصالح، وفي الحقيقة أن اتخاذ موقف محصن بوعي تاريخي مقابل الحقيقة المفروضة.
إذن نجد أنفسنا كعرب وكمفكرين أمام هذا التغيير المتحكم فينا، إنه فوق زمننا، ككينونة تتعارض مع الحقيقة المعروفة، إذن يتم القبض على سياق 7 أكتوبر بوصفه جريمة يعطي قيمته وبشكل نهائي للغير أي لأنه مطروح كفكر وكروح مطلق، وهذا يحيلنا إلى المعنى الهيجلي والأفلاطونية المحدثة، فليس لهذا الاختلاف أمام الرؤية العربية، بل تبقى غير مؤكدة وغير محددة
الأبعاد بطريقة سطحية وثابتة في منظور العالم المؤمرك، إذن نطرح السؤال: أين الديمقراطية؟ فالسؤال هو النظام القائم على السلطة – دولة الحق والقانون – والمؤسس على حق الشعب في تقرير مصيره وفقا لإرادة الأغلبية، والحرية والمساواة مستبعدا أي سلطة عنيفة، لأن الشعب هو المدلك الفعلي للسيادة وهو المالك الفعلي للسلطة السياسية لكن سيظل هذا المفهوم مرتبطا بالبعد السياسي، وبالأحزاب المبرمجة دون مساءلة من نحن؟ وكيف نبني إنسانيتنا ؟ وكيف تتجاوز الغرب استتیمیا؟ وأين حقوق الشعب الفلسطيني؟ و أين محكمة لاهاي؟ وأين حقوق الإنسان والدساتير الدولية؟ وأين موقف الأمم المتحدة من هذا القتل والدمار؟ أسئلة كثيرة ومتنوعة تقربنا إلى الاختيار الأوحد الذي يحكم الكينونة وهى القوة فهي روح السلطة عموما سواء كانت جوهرية
أو ذاتية كما يقول شومسكی، في أحد مقالاته، فجوھر السياسة الدولية هي بناء اتفاق
مرحلي لمصالح اجتماعية معينة، باعتبارها علما يهدف إلى تحقيق وضمان حقوق العبرانيين، أما الحق الفلسطيني فلا يذكر إلا كسجل مرتبط بالإرهاب والقتل والتدمير، ويرى موريس دوفيرجي “السياسة هي السلطة المنظمة في الجماعات الإنسانية كافة” فهذه الهيمنة الغربية هي السيادة المطلقة حيث لا يمكن الادعاء بمعرفة الإنسان العربي أو الفلسطيني وتحديده قانونيا، لأن القيم العبرانية هي المختارة وفوق كل شيء، حتى القانون الدولي لا يهتم بحقوق الإنسان الفلسطيني أو اليمني أو السوري أو العراقي رغم أنه علم السياسة أزال الحجاب بين المواطنين والقانون من أجل تأطير وتوجيه رجال السياسة أثناء وضع القوانين الدستورية. وهذا مخالف لما أكده جان جاك روسوتا في الوكالة الأمرة، حيث يلتزم إلى الوكيل باحترام الشروط التي تتضمنها الوكالة، إنه التزام حرفي يجب أن يلتزم بها الوکيل الذي هو ترامب، فهذا الأخير لا يمتلك سلطة التصرف إلا وفق توجيهات من طرف الموقعين في شرم الشيخ من أجل أخذ تعليماتهم، من أجل تطبيق الشرعية والمشروعية، فرغم هذا البروتوكول الديبلوماسي المألوف والمعهود تبقى القوة هي جوهر السلطة، فلا وجود لسلطة بدون قوة ولا دولة في غياب القوة (مادية، ذاتية، خارجية)، لذا نتساءل عنه إمكانية الاحتفاظ أو بالسؤال المتصل بالأساس الجوهري للفكر التنويري والاقرار في الوقت ذاته باستقلال الشعب الفلسطيني من جهة أولى، والانخراط في الدفاع عن هويته من جهة ثانية، دون الاذعان لأطروحة الهجرة الأنطولوجية من جهة ثالثة.
إن أهمية هذا الإشكال آتية في المقام الأول من أنه السؤال المتصل بالأساس الفلسطيني لا ينسجم ظاهريا على الأقل مع أطروحة الكيان الصهيوني، مع الإقرار بأطروحة التعدد الانطولوجي التي لا تسمح باختزال الخصائص الفكر الفلسطيني إلى الغربة والضياع. لأن كل الأحداث التي عاشها الإنسان الفلسطيني منذ بداية التاريخ يجعلنا إلى عدم اختزالها في القوانين الأممية، بل سنظهر إلى تسويغ التاريخ الذي نسنده الى الاستقلال حتى لا نذعن لأطروحة الفكر الصهيوني، وحتى لا نغاد کینونة الحدث ونلقي بأيدينا إلى العقم العربي الذي يعتمد الاختزال.