بدر شاشا
أي مسؤول، عامل، مدير، أو مراقب لن يشتغل بيده. كل المال والإنجاز والمداخيل يجلبها العامل الذي ينتج. بدون إنتاج أو بتوقّف العمال يساوي توقّف المعمل. إقصاء الموظفين أو إغلاق المعمل يعني أن العمال هم المال والأساس.
كيقول واحد المثل المغربي: اللّي ما عاش ما يعرف.
وهاد الجملة كتشرح بالحرف واقع آلاف المغاربة اللي خدامين فشركات الكابلاج، واقع قاسٍ كيتغطّى بابتسامات متعبة وقلوب صابرة. شركات الكابلاج ولات بالنسبة لعدد كبير من الشباب والنساء هي الباب الوحيد باش يدخل الخبز للدار، ولكن الثمن اللي كيخلصوه كبير: ضغط خانق، توتر ما كيساليش، مراقبة لصيقة، وقلوب كتتقاطر بالحسد والكره بلا أدنى سبب.
خدمة الكابلاج ماشي غير خدمة عادية، كتحسها حرب نفسية يومية.
اللي كيجي من برا يشوف آلات حديثة، نظام، نظافة، وأوقات مضبوطة، ولكن اللي عايش وسط هاد المنظومة يعرف أن الحقيقة أبعد ما تكون على الصورة اللامعة. العامل كيبقى عايش فسباق ما كيوقفش، سرعة مفروضة، أهداف كيخصها تتحقق، ضغط كيخنق، مسؤولين كيراقبو كل حركة، وزملاء كيستناو اللحظة باش يشدو عليك أي خطأ صغير ويكبّروه.
المشكل الأكبر هو أن الربح الضعيف والزيادات البسيطة كيوليّو سبب فخلق عداوات صغيّرة ولكن جارحة. الحسد حاضر، الغيرة كتخدم ليل ونهار، والطعن من الخلف ولى عادة عند بعض الناس اللي ما كيبغيوش يشوفو شي حد واقف ولا باغي يتقدّم.
وسط زملاء الخدمة كتلقى العداوة بلا سبب واضح.
الأسئلة اللي كتسمم الجو كتكون على شكل: علاش خدمتي بسرعة؟ علاش المسؤول عجبو شغلك؟ علاش ضحكتي مع فلان؟ علاش ما بقيتيش فبلاصتك؟ علاش كتلبسي هاد اللبسة؟ علاش المسؤول دار فيك الثقة؟ علاش ما كتبانش عليك العيا؟
وكأن النجاح ديال أي عامل هو جريمة، وكأن الخدمة ولات غابة اللي فيها القوي كياكل الضعيف، والصوت العالي كيغلب الحق.
والمصيبة ما كتوقفش هنا، لأن فبعض المعامل المسؤول ماشي جاي باش ينظّم، ولكن جاي باش يفرض وجودو. كيلعب بورقة الخوف، كيهدّد بالفصل، وكيحوّل العامل لآلة ما عندها حتى حق تغلط. وكيكون الأسوأ هو “الرئيس الصغير” اللي كيبان عليه الغرور أكثر من اللازم، وكيولي كيعامل العمال بحال إذا حياتهم ما عندها حتى قيمة.
العامل فهاد الفوضى ما كيعرفش شكون المشكل الحقيقي:
الضغط اللي كيعيّق؟
السرعة اللي مفروضة؟
الشيف اللي ما كيعرف غير الصراخ؟
الزملاء اللي ما كيتمنّاو ليكش الخير؟
ولا الخوف الدائم اللي ساكن فيه من النهار لليل؟
الخوف من الطرد هو الهاجس اللي ما كينعسش.
هاذ الخوف هو الحاجة الوحيدة اللي كتوحد عمال الكابلاج. الخوف من الإقصاء، من السماعات، من كلمة “أنت غير صالح”. العامل كيصوّب راسو للخدمة وهو كيسوّل: واش اليوم غادي يكون آخر نهار ليا؟
وكتجي المسؤولية العائلية، الكراء، الفواتير، المصاريف اليومية، وكيزيد الثقل فوق الكتف.
ورغم هاد الجبال ديال المعاناة، العامل المغربي باقي واقف.
صابر، مقاتل، متحمّل، وكيمشي لقدّام.
عارف أن الخبزة اللي كيجيبها للدار، كيفما كانت صعيبة ومُرّة، عندها قيمة كبيرة عند والديه، ولداتو، ومراتو.
يدخل بكري، يخرج معطّل، ما كيلقى حتى دقيقة يرتاح، ومع ذلك كيقول ديما: الله يفرّج… اليوم صعيب وغدا أحسن. شركات الكابلاج ماشي غير بلاصة للخدمة، ولكن مدرسة قاسية كتعلّم الصبر، التحمل، القوة النفسية، وكتكشف الواقع الحقيقي: قلوب فيها حسد، ضغط كيولّد الكراهية، وإنسان ملي كيتحط فالحافة كيظهر معدنُه الحقيقي.
ورغم العتمة، كيبقى نور واحد كيضوي: العامل المغربي باقي كيخدم بشرف، كيحارب باش يعيش، وكيستاهل احترام كبير بزاف أكثر مما كيحصل عليه اليوم