الكع بن لكع: حين تتحول الشتيمة إلى منهج

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي

حين يعجز العقل… يتكفّل اللسان بالباقي • في الأزمنة التي يرتفع فيها منسوب الضجيج وينخفض فيها منسوب الوعي، يظهر نوع غريب من “المجاهدين” لا يحملون سلاحًا، ولا فكرة، ولا حجة… بل قاموس شتائم محفوظ عن ظهر سبّ ، هؤلاء لا يناقشون، لا يفككون، لا يحللون؛ بل يشتمون، لأن الشتم عندهم أسرع من التفكير، وأقل كلفة من تشغيل العقل. • في هذا المناخ الرديء، تدفع بعض الشخصيات التنويرية ضريبة الوعي في وقت أُعلن فيه الإفلاس الفكري، فتُهاجم وتُسب وتُشتم وتُقدَح، لا لشيء إلا لأنها قالت ما لا يحتمله عقلٌ تعوّد الطاعة لالسؤال، والتلقين لا النقد ، وعلى رأس هذه “الجرائم الفكرية” جريمة التفكير بصوت عالٍ ، التي يقترفها الأستاذ أحمد عصيد ،وتصيب القومجي العربي بالارتباك الوجودي، يعجز الإخونجي، ويتلعثم السلفي، ولا يبقى أمامهم سوى الانحدار ،من ساحة الفكرة إلى حلبة الشتيمة، ومن النقاش إلى النباح، ومن الحجة إلى “الكع بن لكع”. • نعم، “الكع بن لكع”هذه السبة التاريخية الثقيلة التي تحوّلت، في زمننا، إلى مسكّن فكري يُستعمل كلما داهمت صاحبه فكرة لم يفهمها. والمفارقة أن هذه العبارة العظيمة تكررت أربع مرات في نص لا يتجاوز مئتي كلمة خصص لتقريع الأستاذ عصيد ، ما يكشف بوضوح أن الألم كان أكبر من النص، وأن “الزكتور” كان يكتب وهو يضغط على موضع الوجع. • فبدل أن يناقش تدوينة عصيد حول صلاة الفجر — مناقشة علمية، هادئة، تفكيكية — اختار أحد دكاترة “…” السلفيين الطريق المختصر: محاكمة صاحب الفكرة بدل الفكرة، وتشريح النوايا بدل تشريح النص، والنبش في الصلاة والملحد ونتنياهو والراقصة العجوز ، وكأننا في مهرجان سباب لا في نقاش فكري. • وهنا تتضح المعضلة: أن المشكلة لم تكن يومًا في التدوينة، بل في عقلٍ مريض اعتاد الهروب من النقاش الحقيقي، وتحويل الوعي الجماعي إلى شتات، والاختلاف إلى خصومة، والفكرة إلى مؤامرة التي تربى عليها هؤلاء— فكريًا — في مدارس أصولية تعتبر السؤال بدعة، والتأويل كفرًا، والعقل عورة، والاختلاف خطرًا أمنيًا. عندهم لا فكر مقدس إلا فكرهم، ولا فهم صحيح إلا فهمهم، وكل ما عداه عبث، أو ضلال، أو عمالة، أو رقصة متأخرة. • ولو كانوا حقًا دعاة دين أو فكر، لعلموا أن من يسمو بالخطاب يتجنب السباب، ومن يملك الحجة لا يحتاج إلى الشتم، ومن يثق في فكرته لا يخاف من فكرة غيره. • لكن حين تختل البوصلة، يغيب العقل، ويتقدم الانفعال، وتطفو الأحقاد الدفينة، ويخرج الغلّ من مكامنه، لا تجاه الفكرة، بل تجاه صاحبها. وهنا بالضبط يتحول “الدكتور” إلى “زكتور”، ويتحول النقاش إلى ملحمة تقريعية، ويتحول الدين إلى ذريعة، والقداسة إلى قناع. • صحيح — ومن الطبيعي — أن يختلف الناس حول الأفكار، لكن غير الطبيعي أن يُدار هذا الاختلاف بأدوات الشتيمة والتقريع والتشبيه بالراقصات ونتنياهو ، لأن ذلك لا يبني وعيًا، ولا يحمي دينًا، ولا ينتصر لهوية، بقدر ما يفضح فقرًا فكريًا، وإفلاسًا أخلاقيًا، وعجزًا عن المواجهة. • أما الأستاذ عصيد، كما غيرهه من التنويريين ، فسيواصل دفع ضريبة الوعي، وسيواصل طابور المنتقدين دفع ضريبة الغضب، وكلٌ يؤدي ما أُتقن: هذا يفكّر ،وذاك يشتم. • والله يعفو على الجميع. •

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *