اللغة العربية وبعدها التداولي

انجاز : د ابو علي الغزيوي

تعتبر اللغة إحدى أهم الظواهر الإنسانية التي لفتت انتباه الإنسان نفسه منذ أن كانت أصواتا يتواصل بها مع أبناء جنسه، لذا أصبحت محط اهتمام العلماء والفلاسفة والرواة واللغويين والنحاة والنحويين، هدفهم هو دراسة بنيتها ووظيفتها سواء على المستوى التواصلي أو البنيوي أو السميائي وغيرها من الاتجاهات، فالأولوية الزمنية ليست لها تقييما للموضوع، لأن اللغة تختلف حسب اختلاف الأجناس والأنواع، وكل المستويات التي تبني من الأعلى إلى الأسفل، لذا نجد فقه اللغة هو العتبة العليا التي من خلالها تكونت المعجمات، والتفسيرات والشروحات من أجل فهم الماضي والحاضر والقديم والحديث والجودة والرداءة، إلا أن هذه اللغة عرفت تطورا مهما على كل المستويات، فبدأ المثقف العربي الماثر بالفرنسية بإنشاء مجمع لغوي كما فعل لطفي السيد الذي أسس مجمع دار الكتاب وأسس مجمع اللغة العربية وتقاسم المثقفون المهام الإداري المالي وبدأ يعالج شتى في متن اللغة العربية واصولها، في نحوها وصرفها، ولم تفته بعض المشاكل والصعوبات المدرسية كالكتابة والإملاء، وأن ينهض بالمعجم العربي لجعله صالحا لتلقي المعجمات الأجنبية، لأن هناك استعمالات قديمة وأخرى حديثة، وأساليب جاهلية أو عباسية وأخرى عصرية وفصحى الأمس تختلف عن فصحى اليوم ومن حقنا أن نقيس ونشتق كما قاس الأقدمون واشتقوا، بل من حقنا أن نعرف ونضيف إلى لغتنا ألفاظا أخذت من لغات أخرى، حيث أصبحنا لاشك اليوم في أننا نملك اللغة وليس هي التي تملكنا، وفي وسعنا أن نستخدمها كما نريد.

واللغة ظاهرة اجتماعية تخضع لتطور المجتمع، وهي قطعة تاريخية متحركة يجب دراستها وبحث معانيها، فتأثر العرب بالمنطق الأرسطي وخاصة كتابة الأرغانون الذي ترجم بكل أجزاءه إلى العربية، واتخذه العلماء والفقهاء والفلاسفة، وأصبح قاعدة مثلى يتأسس على ثنائيات كالجنس والنوع، والكل والجزء، والعام والخاص، واعتبروا القياس أصلا من أصول التشريع الربعة وحكوا أرسطو في قيامه في هذا الصنيع وهذا ما نجده في كتاب الغزالي: “معيار العلم”، والمستصفى، وقد أثر المنطق في النحو على المستوى النظري والمنهجي وهذا ما رسمه أرسطو في الجزء الأول الخاص بـ “الألفاظ” والجزء الثاني “العبارة”، وهذا ما نجده عند سيبويه الكتاب الذي يبدأ بالكلم إلى اسم وفعل وحرف.

فأصبح القياس هو الأساس للنحو، ويرى ابن جني حيث يقول إذا يقل أن يكون النحو رواية ونقلا، وجب أن يكون قياسا وعقلا، ويقرر من بعده ابن الأنباري “إن إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو قياس كله، فمن أنكره أنكر النحو، لأنه يتأسس على العوامل كما قال بذلك أبو علي الفارسي كما وضع عبد القاهر الجرجاني كتابا أقر سماه بالعوامل المائة، خلاصة نحوية مستوفاة من الخبرة والممارسة والدرية، لأن اللغة هي نسق من العلامات يوظفها المتلقي لكي يعرف مدلولها الطبيعي والإيحائي، لذا فالممارسة اللغوية عند العرب هي ممارسة وصفية وتاريخية.

فالعرب اقتفوا خطوات المنهج الوصفي الذي يقوم على تحديد الزمكان ويقول غاراي طليمات “أن الوصفيين حينما رسموا للظاهرة المدروسة إطارا تاريخيا وإطارا جغرافيا قصدوا حصر المستوى اللغوي، للظاهرة” في اللغة ص: 100، لذا عمل اللغوي العربي بدراسة اللغة الحية وليس اللغة الميتافيزيقيا اليونانية، أي إخضاع اللغة للمنطق وربطها بالفلسفة، وامتدت هذه الدراسة الوصفية كما عند تمام حسان وقد أدى هذا الاتصال (النقل والرواية) إلى أن يكون في النحو اتجاه وصفي في كثير من ظواهر اللغة ” (اللغة بين المعيارية والوصفية – القاهرة 1958، ص: 37، لذا عمل العرب بتوظيف البعد التاريخي كمنهج ليجدد الانحرافات تحديدا زمنيا ومكانيا” (في علم اللغة) ص: 120، لذا يقدم لنا ملامح جواب يقتضي بأن الفكر اللغوي يختلف عن المادة بمقدار اختلافها عن اللامادة، ورأينا أن هذه الخاصية بنية مجردة تقبل “الاختلاف” مبدئيا في أجهزة التركيب والصرف والمعنى، لكي تتمخض عن هذه الدراسة التقابلية في خدمة (اللسانيات التطبيقية لتيسير أمر تعلم لغة ثانية، وهذا لا يتأتى إلا بتوفير ركائز جوهرية:

1- تحديد البعد المكاني.

2-  تحديد البعد الزماني

3-  تحديد البعد الاجتماعي

لذا يرى غازي طليمات إذا لم يحدد الزمان أدرك التغيير الظاهرة قبل أن تبلغ الدراسة غايتها، (في علم اللغة)، ص: 108. فاللغوي يبدأ بالوصف ودراسة عناصرها المتنوعة بدءا من الصوت مرورا بالبنية وانتهاءا بالتركيب وهو يعتمد كما قلت على (الاتصال الناجح بين عالم اللسانيات ومتعلم اللغة) مازن الوعر أفق أساسية في علم اللسانيات الحديث، ص: 45، وإذا كانت الدراسات اللغوية العربية اعتمدت الاتجاه الوصفي كإبراهيم أنيس (من أسرار اللغة) وعبد الرحمن أيوب (دراسات نقدية في النحو العربي) وتمام حسان (اللغة بين المعيارية والوصفية) ص: 26- واللغة العربية معناها وهيناها، ودعا تمام حسان إلى ضرورة بناء الدراسات اللغوية على منهج له فلسفته وتجاربه إرضاء للروح العلمية الخالصة من جهة، وتوفيرا لجهود عشاق اللغة من جهة أخرى، فقارئ اللغة العربية أمام أمشاج من الأفكار غير المتناسبة… ومن هنا كانت الرغبة ملحة إلى تلخيص منهج اللغة من هذه العدوى، حتى يسلم لقارئ اللغة نص في اللغة، واللغة فحسب غير معتمد على أسس من خارجها ص: 26-27.

فاللسانيات هو العلم الذي يهتم بدراسة اللغة الإنسانية، بدراسة خصائصها وتراكيبها ودرجات التشابه والتباين. وكما تتعد العلوم تبعا لاختلاف موضوعات الدراسة فإن العلم الواحد اللسانيات يمكن أن يتعدد بسبب ما قد يحصل من تنوع في موضوعاتها. فاللسانيات هو ذلك العلم الذي يدرس اللغة كما تمت الإشارة إليه البدء – في ذاتها ولذاتها – دراسة علمية تقوم على وصف وتفسير أبنية اللغات. كما يمكن اعتبارها العلم الذي يتخذ من اللغة موضوعا له. فاللغة التي تدرسها إنما هي تتحقق أسمى أشكال لغات كثيرة ولهجات متعددة وصور مختلفة من صور الكلام اللساني والإنساني. وفي هذا السياق يحدد سوسير علم اللسانيات بقوله “أن موضوع اللسانيات الصحيح والفريد هو دراسة اللغة ذاتها ومن أجل ذاتها” بالنظر إلى أن اللسانيات الحديثة تختلف عن الدراسات اللسانية التقليدية التي أوقفت جل اهتمامها على دراسة اللغة المكتوبة. معتمدة على بحث الأجزاء بمعزل من النظام العام.

وهكذا تجاوزت الدراسات اللسانية الحديثة البحوث النظرية التقليدية التي نظرت إلى اللغة على أنها رموز وألفاظ وليست منطقا .

فاللسانيات في هذا الفهم علم حديث أثنى أسسه في مطلع القرن 20 دي سوسير عندما ألقى “محاضرات في اللسانيات العامة” حدد بذلك إشكالية المسألة اللسانية بعدما أخذ موقفا نقديا من تصورات من سبقه من اللغويين المتقدمين، وقد أبدت محاضرات سوسير تحولا جعل دراسة اللغة بذاتها ولذاتها الوظيفة الأهم في اللسانيات، حيث يتقدم الداخلي (ذات اللغة) على الخارجي (المجتمع والدين والثقافة والاقتصاد والفلسفة … ) ، فحدد سوسير وظائف اللسانيات على النحو الآتي:

* توصيف اللغات والتاريخ لها.

* البحث عن الموجودة في اللغات كافة بطريقة شمولية، تم استخلاص القوانين.

* دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.

ويقسم علم اللسانيات انطلاقا بعلاقته بالظاهرة اللغوية إلى: علم اللسانيات العام، وعلم اللسانيات الخاص. ويدرس علم اللسانيات العام اللسان البشري انطلاقا من أنه ظاهرة عامة تنتج منها ظواهر خاصة في اللغات القومية، فهو ينطلق من العام إلى الخاص.

أما علم اللسانيات الخاص، ينطلق من الظواهر الخاصة في اللسان البشري، أي من اللغات القومية ليدرس كلا منها مبينا ما تتصف به من خصائص ومميزات تكسبها خصوصيات وتجعل منها كلا واحدا متميزا قائما بذاته.

واعتبرت اللسانيات علما انبثق من الحوض المعرفي الغربي. وهذا ما جعل البعض يعتقد أن البحث اللساني لا يمث للثقافة العربية بصلة لأنه بحث أوجدته ظروف اللغات الأوربية التي تختلف في انتمائها، وتكوينها، وشعوبها. ولهذا كانت اللسانيات معنية بشكل مباشر بهذا الصراع وبهذه المقاومة فقد اعتبرت شكلا من أشكال الإمبريالية العالمية. فاللسانيات علم غير نافع بالنظر إلى أهدافه الاستعمارية الذي يتوحد معها ويعدم غاياتها.

وما علم اللسانيات الاجتماعية بغريب عن اللسانيين، فقد كانت اللسانيات في نظر (سوسير) جزءا من علم يدرس حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية. وهنا يكمن التناقض الذي حاول العديد من اللسانيين اللامعين إبرازه في مؤلفاتهم، حتى أن بعضهم يرى أن اللسانيات الاجتماعية ليست فرعا من علم اللسانيات، ولا هي مادة مشتركة بين اختصاصات مختلفة، بل هي اللسانيات وكل اللسانيات ولعل مرد بعض الظواهر تكمن في قصر النظرة اللسانية[1]، باعتبار أن مادة الدراسة المناسبة هي مجموعة لسانية متلائمة مجردة حتى يتكلم كل فرد بنفس الطريقة ويتعلم فطريا لغته. كما يرى ذلك (تشومسكي)، إذ يعتبر علم اللسانيات دراسة الكفاءة اللسانية.

كما هو جلي في كتابه ظواهر النظرية التركيبية)، فمعطيات علم اللسان حسب عبارته ليست مقولات الفرد عند دراسته، وإنما هي حدسية هذا الفرد باللغة، وأحكامه وتقارب العبارة للعبارة. وإن مثل هذه المواقف ينفي عن علم اللسانيات دراسة السلوك الكلامي الاجتماعي فيستند الباحث إلى معلوماته السابقة، وبالاعتماد على بعض المخبرين عن الضرورة. وهذه المواقف توفر في الوقت نفسه على الباحث البحث والتنقيب داخل المجموعة اللسانية.

إن علم اللسانيات نشأ عن تطور الوعي الذاتي للإنسان، ولكن بالمثل هذه العلوم، أو بصورة أدق الممارسون لها قد يصبحون على وعي بأنفسهم لما يعملون وبما يعملون. وعندما يتضمن هذا الشعور العلمي بالذات اهتماما بأصل علم من العلوم وتطوره السابق، يمكننا تمييز مولد ذلك العلم المعروف بتاريخ العلم، كما أن النمو السريع وأحيانا النمو المذهل في علم اللسانيات كمادة دراسية أكاديمية في السنوات الأخيرة، سواء كان هذا النمو في عدد العلماء المشتركين فيه، أو في مدى نشاطهم، قد أدى إلى نمو مماثل في اهتمام علماء اللغة[2].

فعلم اللسانيات اليوم، مثل أي جزء آخر من أجزاء التعليم والمعرفة الإنسانية، ومثل جميع الحضارات البشرية. إنما هو حاصل ماضيه وإطار مستقبله. فالأفراد يولدون وينمون في بيئة يحددها ماضيها ماديا وثقافيا. كما أنهم يشتركون تلك البيئة، وبعضهم له دور فعال في إحداث تغيرات فيها.

وإذا كانت المادة بالنسبة للسانيات هي الواقع اللغوي، فما هي المهمة التي ستكفل بها اللسانيات مستقبلا ؟ وكيف يمكن للسانيات أن تؤسس نفسها وان تتميز عن العلوم الأخرى التي تشاركها في دراسة نفس المادة؟

إن ظاهرة التنوع اللساني تحتل مكانة خاصة ، فهذا التنوع قد يتحدد من خلال بنية العلاقات الاجتماعية داخل العشيرة اللغوية.

وتتميز اللسانيات عن العلوم المجاورة، وذلك بالعمل على تحديد ما يدخل ضمن موضوعها، وما يعتبر غريبا عن هذا الموضوع والعمل على تأسيس منهج متميز عن مناهج تلك العلوم، منهج قادر على تجلية القواعد الكلية والمشتركة بين الألسنة المختلفة.

إن الهدف الأسمى الذي ينشده سوسير الحرص على أن تضع اللسانيات ایبستمولوجيتها، فمشروعية اللسانيات في الوجود تبقى رهينة بتأسيس هذه المسألة المعرفية والأسس النظرية والمنهجية.

غير أن امتلاك أي عمل نقوم به والسيطرة عليه ، يتطلبان في رأي سوسير نوعا من التجريد، وهذا ضروري بغية توضيح العمل الذي نقوم به، مشروعیته حقه في الوجود، بالنظر إلى كل العلوم.

فتحديد مشروعية اللسانيات يمر عبر تمييزها عن باقي العلوم المجاورة، ومما لا شك فيه أن للسانيات علاقات وثيقة جدا بعلوم أخرى، وتعير تلك العلوم للسانيات بعض من معطياتها. أن اللسانيات وباقي العلوم تدخل ضمن معين واحد للغة الإنسانية، باعتبارها وقائع متنافرة ومختلفة، لكن هذا بالتأكيد ينبه أيضا على أن التقاطع بين اللسانيات وباقي العلوم لا يقتصر على مستوى المادة الخام، وإنما يشمل أيضا ما يستفيده كل طرف من الطرف الآخر. وبما أن تلك العلاقات وثيقة جدا، فإن الحدود الفاصلة بين اللسانيات وهذه العلوم لا تبدو واضحة جلية على الدوام، ويتطلب هذا من سوسير توضيح الحدود والفواصل بين اللسانيات والعلوم الأخرى، وبهذا يقول سوسير ” رغم أن اللغة فعل اجتماعي، فهي لا تدرج ضمن علم الاجتماع وانه رغم كل ما في اللسان ذو طبيعة نفسية، فإن علم اللسان لا يتوحد بعلم النفس الاجتماعي، وأن اللسان يشكل بالنسبة للتاريخ القديم وثيقة يستعان بها لا غير”[3].

ونخلص من ذلك إلى أن اللسانيات تتميز عن هذه العلوم للأسباب التالية:

× أن اللسان بالنسبة للسانيات ليس وثيقة أو وسيلة يتعرف من خلالها على أشياء أخرى إن اللسان

هدف وغاية واللسانيات تدرسه لذاته لا لأي غرض آخر .

× إن اللسان فعل اجتماعي.

× أن الجوهري بالنسبة للسان لا صلة له بالطابع الصوتي والتحقق النطقي.

× إن موضوع اللسانيات هو اللسان لا غير، ومنهجها هو الوصف.

فالاشتغال باللسانيات يولد حصيلة من المعرفة اللغوية، وهذه الحصيلة تتخذ آلة منهجية في الكثير من الحقول المعرفية حتى اضطر إلى الاهتمام بعلم اللغة متخصصون في ميادين أخرى شغلت الناس في عصرهم، وانتقل الكثير منهم إلى التأليف فيه.

فالباحثة ليلى المسعودي تنطلق من التصور الشائع للسانيات الاجتماعية باعتبارها دراسة للعلاقات القائمة بين اللغة والمجتمع، فإنها تلاحظ أن هذه الدراسة تشمل في العديد من الميادين المختلفة مثل دراسة النوعيات اللغوية الجغرافية منها والاجتماعية، واتصال اللغات وامتزاجها والدلالات الاجتماعية والاستعمال اللغوي وغيرها.

وانطلاقا من هذا النموذج يتبين لنا عدم وجود المكون الدلالي فهو لا يهتم بما يكفي بالمشكل المعجمي، حيث نجد أول محاولة إدخال الدلالة كجزء نسقي في التحليل في عمل كارتز / وفودور / وبوسطل، ونجد اهتماما بإعادة النظر في تنظيم المكونات المختلفة للنحو.

1- قواعد مقولية

2- معجم

قواعد إسقاط

 

تمثيلات دلالية

بنية عميقة

مكون دلالي

1- قواعد مقولية

2- معجم

قواعد تحويلية أحادية

           بنية سطحية

قواعد صوتية

مكون صوتي

هذا النموذج يعتبر بمثابة توضيح بما يتعلق بمكون الدلالة واعتباره من مكونات النحو

وإضافة لمل سبق ذكره بالنسبة لطروحات المدرسة التوليدية التحويلية أضاف عبد السلام المسدي، [أن هذه المدرسة رأت أن هذه الظاهرة اللغوية, كظاهرة عقلية لا يمكن تفسيرها بالفعل ورده كما كان يعتقد سابقا، وإنما بمحاولة دراسة القابلية اللغوية لدى الإنسان، وأنه لا يمكن الوصول إلى ذلك إلا إذا توسع الدرس اللغوي، فشمل إلى جانب الظواهر اللغوية أو التراكيب السطحية اللغوية التراكيب العميقة التي تطرأ على هذه التراكيب قبل أن تصبح ظاهرة.

هذا التركيب العميق أشبه ما يكون بتحليل عقلي لما يعنيه التركيب السطحي أو الفوقي لجملة ما. وبذلك يكون الدرس اللغوي قد وسع اللغة من حيث إنها وسيلة / الاتصال بين الناس، ونقل أفكارهم عبر تراكيب معينة، وهو أيضا يحاول أن يبحث في التراكيب العقلية حيث تقال أو تسمع جملة ما، وما يشمل ذلك من سلاسل التحولات التي تربط تلك التراكيب العقلية التي تعبر عن المعاني المراد أيضا لها، وبين الجملة كمجموعة أصوات مسموعة ومتصلة بعضها ببعض. ولذا فان نحو لغة ما هو نظرية، هدفها أن تفسر قدرة استعمال تركيب لغوي معين على نحو معين وليس على نحو أخر .

سبقت هذه المدرسة الدرس اللغوي بما فرضت عليه من واجبات في خصائص لا تكون إلا للمناهج العلمية، فأصبح هذا الدرس مفسرا لظاهرة اللغة وليس واصفا لها فقط ].

وقد كشفت هذه الدراسات عن نتائج مفادها أن زاد الاهتمام بتفسير هيأة هذه التراكيب السطحية، من حيث أنها نتائج التحولات الكثيرة التي طرأت على التركيبات العميقة، فبدأ البحث عن تصورات التراكيب الأساسية التي تنتج عنها التراكيب المعقدة السطحية أو الظاهرة، وهذا لا يتم إلا بالقواعد التحويلية المختلفة من تعويض وحذف وتعديل في المواقع وقد اعتبرت الجملة وما تحتويه من عناصر لغوية، الأساسية في التركيب اللغوي، وهنا يبدأ البحث اللغوي في اختلاف أنواع الجمل من مكونات ضرورية أو تكميلية يمكن إزالتها.

فإن نظرية شومسكي تنبثق من البنيوية الأمريكية نظرا لتأثره بأستاذه هاريس، حيث أصدر كتاب “المناهج” 1951 يؤسس لمذهب وصفي يتكئ على التوزيعية التي نجد ملامحها عند هاريس، وتأثر بجاكبسون الذي كان مارسا (بهارفارد) وتأثر بالبعد الفونولوجي، وأيضا العهد شوسيتس الذي يجاور أعلام الرياضيات وعلم النفس والمنطق، كل هذا جعله يعيد النظر في اللغة وأسس البنى النحوية وفيه بسط قواعد النحو التوليدي من التحويلي لكي يناهض الفكر البلومقيلدي، وينظر إلى اللغة على أنها مفتاح لفهم العقل الإنساني فيهما جزئيا، وأن علم اللغة هو فرع من علم النفس المعرفي، وأن العقل مزود ببرنامج واضح يستطيع أن يستقبل المعلومات لتغييرها وتخزينها.

ويرى أن تعلم اللغة الأولى هو العملية التي تقوم بها مع الطفل نحو التجربة العشوائية للكلام، موجز تاريخ علم اللغة في الغرب، ص: 345، وهذا الاكتساب للغة الأولى هي نشاط وراثي في مخ الطفل، وقد مرت التوليدية بمرحلتين:

1- وظائف علم اللغة.

2- مظاهر النظرية التحويلية (كتاب)

وميز بين البنية السطحية التي تتأسس بتنظيم الجملة كظاهرة مادية، أما البنية العميقة هي الأساس التي تحدد المحتوى المعنوي وهو موجود في الذهن حيث ترسل الجملة أو تتلقى (علم اللغة في القرن العشرين، ص: 202، وهي تشتمل على عدد من الجمل الأساسية المنظمة وفق علاقاتها لغرض معين وهي قابلة إلى أن تتحول إلى بنية سطحية من خلال عمليات شكلية يطلق عليها اسم التحويلات القواعدية، ص: 203، يسمى التملك الفطري للأليات العامة التي تنقل البنى العميقة إلى بنى سطحية (الكفاءة اللغوية، وهي قدرة توليدية لا تفسيرية، قدرة على الفهم، والإنتاج والتمييز (مناهج علم اللغة، ص: 287، مدخل إلى الألسنة، ص: 301.

وترتبط الكفاءة بقابلية المتكلم على نحو عفوي على توليد عدد كبير من الجمل وفهمها (مدخل إلى الألسنة، ص: 301، وهي موجودة لدى كل متكلم فهي معرفة حدسية أو ضمنية للغة يمكن بها توليد جمل وفهمها معا، فيه (الكفاءة اللغوية فهي تنظر بعرى وثيقة (بمفهوم المظهر الإبداعي للغة، أما الأداء اللغوي الذي يراد به التداول الإجرائي للغة ما في موقف ما، أو هو الأداء الفعلي للكفاءة اللغوية، لقد سعى إلى تقديم نظرية لغوية وليس علم للغة العام، فظهور التوليدية جاء نتيجة انتقاد للبنيوية مما دفع إلى منهج لساني متجاوز وصفية (سوسير) فاتجه البحث نحو الوصف والتفسير من ……………. اللغة وهذا يقربنا إلى أستاذه هاريس (التوزيعية إذا اعتمد في صوغ اللغة على أسس تحويلية لأن الثورة المعرفية مكننا من التوصل إلى معالجة اللغة آليا في عدد من جوانبها، ولذا عمل العرب بدراسة الأبعاد النحوية والمعجمية والدلالية، حتى أصبحت اللسانيات بحثا وتطبيقا على المستوى الفونولوجي والاجتماعي والنفسي، واتسع وعي اللغوي على استيعاب علوم متعددة وقواعد المعلوماتية، حيث أصبح موضوع المعالج (اللغة والمجتمع) يشكل بؤرة معرفية تسمح باستقراء كل القضايا التي تتحكم في التوجيه والتدريس.

إن اللغة تنبع من اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول، واصطلاحية الأساس بين متكلمي اللغة الواحدة آنيا وعبر التاريخ، فاللغة وحدها حاملة الفكر. لذا هي الأساس لثقافة كل شعب لأنها الوسيلة الأقدر على تسجيل المعرفة المتجمعية وتثبيتها ونقلها من جيل إلى آخر، وإلى الشعوب الأخرى لا مجتمع بدون لغة، ولا لغة حية بدون مجتمع يتكلمها. وتوحي كونية هذا التوافق الداخلي بوجود رابط وعلاقات متبادلة بين ما هو لغوي وما هو اجتماعي.

لأن تقسيم اللغة للواقع الخارجي عنها وتسميته يختلف من لسان إلى آخر، فلغة كل متعلم تعبر عن عبقريته، وهي التي تنظم ثقافته، وتحتم عليه أن يرى العالم من خلالها واللسان الذي يتكلمه يحدد سلفا نظرته إلى العالم، فالفكرة الإنسانية لا يمكن أن تكون إلا سيرورة ثقافية، ولا تستطيع أن تؤمن بأن المتعلم سيستطيع أن يكون نفسه بنفسه فهو بلا تفاعل اجتماعي أقرب إلى الحيوان وصاحب فكر وعقل بدائيين، إذن يفترض بعض العلماء أن الأفكار تتكون في عقل الإنسان قبل أن تصبح ألفاظا وأساليب تعبير، وهي توجد عارية تماما دون أية حاجة لأجهزة اللغة. فمهما كانت الكلمات والأفكار التي تتجمع في عقل الإنسان كالأخلية والتصورات الأيقونية والنغمات الموسيقية، فإنها لا تستطيع أن تحيا إلا من مصدر الألفاظ والعبارات، لأن الأفكار العارية المتحررة من التعبير لا وجود لها، لأن حقيقة الفكرة تظهر في التعبير ، فلا وجود لأفكار حقيقة بدون لغة. فما يتداعى في أذهاننا ليست الأشياء ولا الكلمات، وإنما الصور الذهنية للأشياء والأفكار التي تنشأ عنها، فاللغة وحدها هي حقيقة الفكر المباشرة، لقد أثبت بعض العلماء أن لدى الأطفال في عمر ما قبل اللغة بعض التصرفات المنطقية التي تؤكد أن الفكر يسبق اللغة إلى الوجود، وهذه الحقائق العلمية تبدو أنها موضوعية، لكنها تشير إلى بدائية التفكير وليس ما لم يلبس جسد اللغة، التي تبقى الحقيقة الموضوعية المعبرة عن التفكير.

إن ميزة التعبير الفرداني المولد بأمر من الدماغ أنه أولا في الحقل التنفيذي، فهو تعبير مبين واضح يستلزم أصوات كثيرة ومتنوعة، يوحيها تدخل تبدلات شكلية في المناطق البلعومية الفموية، التي تعلو الحنجرة، لأن الإنسان يمتلك بشكل جوهري القدرة على إرسال هذه الأصوات التي تكون موجودة في مختلف لغات العالم، لكنه بفضل التعلم والتدريب من العائلة ومن المجتمع يطور أصوات لغته بشكل أساسي، فإن أصوات اللغات التي تبدو متقاربة لأول وهلة هي في الواقع مختلفة إذ يوجد في داخلها تنوعات واختلافات واضحة تميز بين لغة وأخرى أو تختلف بين لهجات أخرى.

فالشرارة التي أشعلت الثورة اللغوية في التعبير الإنساني كان مصدرها تلك الإمكانية اللفظية المحدودة، التي جعلت الإنسان لا يكتفي ببعض الإشارات الدالة على العواطف والحالات البدائية البسيطة، بل أصبحت صفة  لكل حالة شعور، وأداة رمزية، تحول الفكر والواقع إلى رموز لغوية. وكلما أصبحت معرفة الإنسان بالواقع المحيط به أكثر عمقا وتشعبا، أصبحت حاجته للغة أكبر وحاجته إلى الكلمات والصفات والمعجم والدلالة والمفاهيم الفلسفية والعلمية، المعبر عنها بواسطة اللغة أوسع وأكثر انتشارا. لذا تعبر اللغة عن حضارة مستعمليها، لأن كل ما يفكر فيه الإنسان سيشكل رسما لأشياء العالم الداخلي الخارجي، كرمز صوتي أو كتابي أو إشاري ، فهذا الرمز سيسمح باستعادة الأشياء بسهولة نادرة حتى في حال غيابها وعدم وجوبها، لذا ستكون الكلمة، في البدء التي ستنفصل عن الشيء، الذي تدل عليه وتعبر عنه، سيصبح التعبير أكثر من اتصال أو علاقة، وسيلعب هذا التعبير اللغوي دورا أهم بكثير من الاتصال أو العلاقة، سيصبح أداة فكر لإنسان، هكذا ينفرد المتعلم بامتلاك التعبير الداخلي الذي لا يجوز لنا أن نعتبره أمر بسيطا عاديا، ففي حين سيعمل الفكر البسيط رسوم الأشياء، ليربط الإنسان برسوم الأشياء وبالصور اللفظية السمعية، مما يفتح أمام الفكر اتساعا عجيبا جدا فيخلق الوعي الذاتي، وليكون المتعلم قادرا على إبداع وتفسير، وتأويلا لأنه يملك قدرة ذهنية قادرة على حل كل مشكلة تعترفه في الفصل أو خارجه.

لذا يعيش مكاسب موجودة لا حاجة أن يخلقها، إذ لا يستطيع أن يتعلم اللغة دون الانخراط في المجتمع الإنساني والتفاعل

معه، كما يرى دوركايم وسبير فهذه المفاهيم التي يتعلمها قبل اكتساب اللغة، وفي هذا الإطار ويقول هدسون نستطيع أن نؤكد أن بعض المفاهيم تكون مستقلة تماما عن اللغة بما في ذلك تلك المفاهيم التي نتعلمها ونحن أطفال ورضع قبل أن تكتسب اللغة، أي في أواخر العام الأول من ناحيتنا، وهناك أيضا مفاهيم أخرى تتكون فيما بعد دون الرجوع إلى اللغة وذلك لأننا لا نملك مفردات للتعبير عنها في لغة البالغين، وهناك من الناحية الأخرى مفاهيم لا توجد إلا من خلال اللغة، من أهمها وأوضحها المفاهيم المتعلقة بالغة كظاهرة، ومنها المفاهيم الخاصة بـ “اللغة” و “الكلمة” وما إلى ذلك. وهناك مفاهيم أخرى لا نتعلمها إلا بعد أن نتعلم أسماءها. وقد يكون الاسم هو دليلنا لوحيد على وجودها. وقد قدم لنا كلارك واقعة قالت فيها أم لابنها ذي الخمس سنوات “لا بد أن تترك الباب السلكي مغلقا يا حبيبي حتى نمنع الذباب من الدخول، فالذباب يجلب معه الجراثيم إلى داخل المنزل” وعندما سئل الطفل فيما بعد عن ماهية الجراثيم تقال “هي أشياء يلعب بها الذباب !! ” وقد وضحت لنا، يقول هدسون عن طريق ترك المستمع يحاول فهم هذا المفهوم من خلال الدلائل الموجودة.

يبدو الفكر وكأنه ولادة نتجت عن حتمية وضرورة الاتصال عند جنس اجتماعي حيث يتميز بنمو الدماغ، وإرادة التصرف التي هي إرادة الفكر الحر لتغيير العالم جماعيا، لذا جعلت اللغة الإنسانية تتبدل وتتقدم تقدما من أجل التعبير، أي للفكر الذي يسبق العمل وهي الميزة الأساس الجنس البشري.

يمكن لتوظيف الدافعية داخل المدرسة لكي يُسهم في معالجة مشكلات التوجيه الدراسي، حيث تعتمد في الغالب على معدلات التحصيل المعرفي كمعيار وحيد، ومما يؤدي إلى توجيه غير ملائم قد يُفضي إلى الفشل الدراسي. لذا فإن إدماج الذكاء الوجداني، وخاصة من خلال تعزيز وظيفة الدافعية، وذلك ضمن برامج الإرشاد والتوجيه التربوي، فأضحى أمرًا ضروريًا، نظرًا لتأثيره الإيجابي في إدراك المتعلم، وضبطه لذاته، وتنمية قدراته وتكمن أهمية هذه المقاربة في إحداث تحولات إيجابية على المدى البعيد في أفكار التلاميذ واتجاهاتهم نحو المواد الدراسية من خلال تسهيل طريقة تفكيرهم، وتعزيز تفاعلهم الاجتماعي، ورفع مستوى الراحة النفسية والوجدانية لديهم، وهو ما يُؤثر بشكل مباشر في تحصيلهم الأكاديمي[4].

ولتحفيز الدافعية لدى المتعلمين، يمكن اعتماد مجموعة من الاستراتيجيات، من بينها تقديم الحوافز المادية كالدرجات، والمعنوية كالتشجيع والمديح، إضافة إلى توظيف الوسائل التكنولوجية التي تثير فضول الطلاب وتحفّزهم على التعلم، وربط المحتوى التعليمي بحياة العمل. كما يُمكن للمعلم أن يلجأ إلى القصص الهادفة، والعروض العملية المشوقة، وتوظيف أساليب التهيئة المعرفية عبر طرح أسئلة تثير التفكير والعصف الذهني، أو تقديم نماذج ملهمة مثل قصص المخترعين. كذلك، يُعد سلوك المعلم نفسه نموذجا يحتذى به، فمثابرته على المطالعة ومرافقته للطلبة داخل المكتبة يُسهم في تعزيز ميلهم نحو التعلم الذاتي.

توظيف التعاطف اللغوي:

يعد التعاطف أحد أبرز مهارات الذكاء العاطفي، ويتمثل في قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معها دون إصدار أحكام. ويشير الباحثون إلى أن التعاطف يتضمن ثلاث عمليات مترابطة: إدراك المشاعر، فهمها دون إصدار حكم، والتفاعل معها بتعاطف. فحاجة الإنسان لأن تفهم مشاعره وتُقدّر تُعد من الحاجات الأساسية في الوجود الإنساني[5].

يظهر التعاطف في مواقف التواصل البشري كمهارة أساسية لبناء العلاقات الإنسانية الإيجابية، إذ ينجذب الناس بطبيعتهم إلى من يشعرون بأنه يُقدّر مشاعرهم ويفهمهم، وينفرون من أولئك الذين لا يُظهرون أي اهتمام وجداني تجاههم . ولكي يكون الطالب قادرًا على قراءة مشاعر الآخرين بشكل فعّال، ينبغي أن يبدأ أولا بوعي ذاته وانفعالاته، لأن فهم الذات يُعد خطوة ضرورية لفهم الغير. ويُطلق على هذه العملية أحيانًا “القراءة العكسية” أي الانتقال من إدراك الذات إلى إدراك الآخرين .

كما تلعب البيئة الاجتماعية دورًا حاسما في تنمية مهارة التعاطف؛ فالبيئات التي تشجع الحوار والانفتاح والتعبير الحر عن المشاعر توفر فرصاً أكبر لتعلم التعاطف، في حين أن البيئات القمعية أو الصارمة قد تقيد هذا الفرد. ويرى بعض علماء النفس أن التعاطف لا يقتصر على كونه استجابة وجدانية، بل يُعد أداة اجتماعية تجعل من الإنسان فاعلا في مجتمعه، قادرًا على التواصل الفعّال، والتأثير في الآخرين من خلال فهم حاجاتهم وانفعالاتهم. وفي السياق التربوي، يمكن استثمار المواقف التعليمية التي تثير انفعالات المتعلمين لتطوير قدرتهم على التعاطف مثل تحليل القصص، أو مناقشة أحداث درامية، أو استحضار مواقف شخصية ومجتمعية. وتُسهم هذه الأنشطة في جعل الطالب أكثر وعيًا بمشاعره ومشاعر الآخرين كما تساعده على التمييز بين التعبير الدقيق وغير الدقيق عن الانفعالات. وتعد قدرة الطالب على التعبير بعبارات مثل “أنا أفهمك” أو “أشعر” بما تحس به مؤشرًا على نضجه العاطفي وقدرته على التعاطف ويُمكن تدريب هذه المهارة من خلال الإصغاء الواعي والمشاركة الوجدانية في المواقف الصفية، حيث يتحدث الطالب أو الأستاذ عن مشاعرهم الشخصية تجاه حوادث معينة، ويُدعى الطلبة الآخرون إلى التفاعل والتعبير عن مواقفهم .

تعد المهارة الاجتماعية كفاية مهمة في إدارة العلاقات وبناء الشبكات، إذ تعكس قدرة الفرد على إيجاد أرضية مشتركة وبناء علاقات متينة، كما تتميز بالفاعلية في قيادة التغيير، والقدرة على الإقناع، إضافة إلى الخبرة في بناء المجموعات وقيادتها. وقد اتفق معظم الباحثين على أن كان من الضروري والجوهري أن يقوم الإنسان بتطبيق تلك الإنجازات العقلية على المعرفة الإنسانوية، حيث استخدم المناهج العلمية التي تظهر له عند كل الإمكانيات الفيزيقية على مستوى السلوك الداخلي والخارجي، وأيضا اكتشاف المعارف العلمية التي تحاول أن تجعله حاضرا وليس غائبا، كما يرى كانط ونتشيه وراسل، لذا حاول هذا الكائن أن يعيد قراءة هذا العالم قراءة عقلانية لكي تتساوق مع شروط المعرفة الموضوعية، وتتساوق مع المصادر التي يسترفدها اللغوي والتي أسهمت في إبراز كشوفاته وتفريد رهاناته، أتاحت له الامتداد لشتى المدارس (الوصفية والتاريخية، والمقارنة، والسياقية والوظيفية والتوزيعية، والتوليدية…) حيث اختار تأطير إشكالية اللغة ضمن إشكالية الكونية والإنسانية.

لأن المتمعن في الجدل الواسع الذي أثارته حضور المرجعية الشرقية والغربية في الدرس اللغوي العربي منذ عصر الهندي ومرورا باليونانية والرومانية وانتهاء بالمجال العربي، وبفضل هذا الطابع الدياكروني عرفنا العائلات اللغوية (الهندوأوربية والسامية…)، غير أن هذا النوع من البحث لن يقف عند هذه المرحلة، بل سيعرف تطورا وتغيرا مع الرقن 19 وبداية القرن العشرين وخاصة مع الاتجاه البنيوي مع سوسير وأندري مارتينه وبلومفيد، وادوارد سايير وشومسكي وهاريس معتبرين أن اللغة بنية مغلقة واجتماعية وتواصلية، إذن يدخل هذا الفعل السوسيونباتي ضمن ما يعرف بالإيديولوجي، وهو صفة مشتركة في هذا التحليل سواء كان فينومينولوجي أو سوسيونفسي أو عصبي أو وجودي، حيث اللغة هي نشاط إنساني يتمثل من جانب في مجهود عقلي يقوم به فرد من الأفراد، ومن جانب آخر عملية إدراكية قيفعل بها فرد أو أفراد حسب تعبير سوسيبرسن، إذن فاللغة هي وسيلة من وسائل الاتصال كالإشارات والحركات الجسدية والموسيقية، وصياغة فكرية من أجل تحقيق وظيفة اجتماعية، لأن الإبداع اللغوي هو جزء من بنية الفرد والجماعة، فالوعي لا ينبغي أن يعكس صراعا طبقيا كما أكده ماركس وبيربورديو، بل ينبغي تخطي الطابع الانعكاسي والبنائي من أجل الوصول إلى مستوى دلالي حدسي (تصبح لغة داخل لغة) تتحرر من أطوافها، وتستمد العون من الوعي، فهذه اللغة هي الرؤيا تعيد توظيف أركان الاتصال والإبداع وذلك وفق منطق تحرري يبعد المسافة بين البعد السلوكي الميكانيكي الآلي إلى الصورة الوظيفية التواصلية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.

 

 

 

[1] – اللسانيات وأسسها المعرفية.

[2] – مبادئ علم اللسانيات لسامي عياد حنا وشرف الدين الراجحي، ص: 16-17.

[3] – مدخل اللسانيات سوسير، د.مبارك حنون، الطبعة الأولى، ص: 14.

[4] – سمايلي محمود وسعيدة بن عمارة، :الذكاء الوجداني: مفهومه، نماذجه، وتطبيقاته في الوسط المدرسي”، مجلة وحدة البحث في تنمية الموارد البشرية، المجلد 9، العدد 3، 2018، ص: 300.

[5] – حسین، سعد مهدي. “العلاقة بين الذكاء العاطفي وعملية التعلم: دراسة استطلاعية تحليلية لعينة من الكليات الأهلية العراقية.” مجلة التراث الجامعة، العدد 13، 2013، ص: 62.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *