اللغة الفردوسية بين حد الفنون وحد الجنون ــ30

فاتحة الكلام
في فنون الاحتفالية وادابها وفكرها عوالم كثيرة ظاهرة، وفيها عوالم أخرى خفية، وفيها الطبيعة وفيها ما وراء الطبيعة، وفيها الواقع وما فوق الواقع، وفيها العادي والعجائبي، وفيها الكائن والموجود، وفيها ايضا، ما يمكن ان يكون له وجود، هنا او هناك، او في اي مكان او زمان في هذا الكون، وفيها الخرافي والأسطوري، وفيها ما نراه ونسمعه، وفيها ما لا نراه ولا نسمعه، ونحن احرار في ان نكلمه وان ننطقه بكل لغاتتنا الإنسانية، الكائنة والممكنة،
وفي هذا المعنى يردد الاحتفالي اللازمة التي تقول:
(يجوز للفنان ما لا يجوز لغيره)
وفي الفن كل شيء ممكن، والمحال كلمة لا وجود لها إلا في لغة العاجزين والخائفين والمتخلفين والعدمببن، وفي الإبداع الاحتفالي يلتقي كل شيء باي شيء، وتنتفي المسافات بين العقل والجنون، وبين الإنس والجن، وبين الملائكة والشياطين، وبين الجد واللعب، وبين الماساوي والملهاوي، وبين الذي كان والذي سوف يكون، وبين الواقعي و الخرافي والأسطوري
وفي الإبداع المسرحي الاحتفالي تحضر شخصيات من عوالم غريبة وعجيبة وبعيدة جدا، يحضر الشيطان في ثوب خياط اسمه مظلوم بن ظالم الخياط، وذلك في مسرحية ( فاوست والأميرة الصلعاء) ويحضر الموت في شخص حسناء في زي عروس في مسرحية (غريب وعجيب) وتحضر الجنية من خلال احتفالية ( عيشة قنديشة او الجنية التي ارادت ان تصبح إنسية) والتي اخرجها المخرج رضوان الإبراهيمي باسم (المتمردة) وشخصتها الجنية فدوى الفيدي، ويحضر التاريخ في شخص التاريخ، وذلك في ( الرحلة البرشيدية) وتحضر امنا الحياة في شخص ( لونجة) وماذا يمكن ان تكون الفنون في الوجود اذا لم تكن ملح هذا الوجود، ولم تكن ثورة على القبح وعلى الغباء وعلى الفقر وعلى المغلق وعلى المحدود وعلى اللامعنى؟
وفي الجنون العاقل كثير جدا من المعنى ومن الغنى، وهذا ما يمكن ان نبحث عنه في الإبداع الذي يتحدى العدم بالوجود، ويتحدى الغياب بالحضور، ويتحدى الواقع والوقائع بما وراء الواقع وبما فوق الوقائع
العبقرية والجنون والفنون
يقول جلال الدين الرومي:
(ولقد عيروني بالجنون فاجبتهم
اهوى جميلا والفنون جنون)
والعشق، في معناه الحقيقي، ماذا يمكن ان يكون سوى انه جنون، او انه درجة في الجنون، او انه اسمى درجة في سلم الجنون؟
وعبقرية العباقرة، ماذا يمكن ان تكون سوى انها جنون منظم ومرتب؟
ولقد قال ارسطو ( لا توجد عبقرية بدون القليل من الجنون) وفي الاحتفال وفي العيد نسبة معينة من الجنون، قد تقل وقد تكثر، وذلك بحسب حجم الاحتفال، وبحسب وزن الفرح في نفوس المحتلفين والمعيدين والفرحبن، وما يعطي فعل الاحتفال مشروعيته عادة هو انه فعل جديد دائما، وانه لا يشبه غيره من الأفعال اليومية العادية، والتي يسكننا الملل والسأم والرتابة والتكرار والاجترار، ولعل هذا هو ما يجعل كثيرا من اللحظات الاحتفالية والعيدية هي لحظات عربدة وجدانية، وهي لحظات جنون عاقل، وهذا هو ما ينبغي ان يتوفر في الاحتفال المسرحي، اليوم وغدا وفي كل يوم، وبغير هذا، يكون اللقاء المسرحي مجرد نسخة كربونية من ايامنا العادية المتكررة، والتي تكرر الموجود من غير ان تضيف له جديدا
ونعرف ان العبقري في قومه لا يشبه إلا نفسه، وهو وحيد قومه، وهو سلطان زمانه، وهو غريب مثل (عاد في ثمود) كما قال المتنبي
وقد يكون لهذا الجنون معنى الحرية والتحرر، كما قد يكون شكلا من أشكال الاختلاف ومن التمرد ومن العصيان ومن السباق ضد الزمن وضد الراي العام وضد الكسل العام وضد الحمق العام وضد التنميط العام.
الإبداع الحق اذن، هو الجنون المتحرر ، وذلك في مقابل العقل المنغلق والمعتقل
وفي الاحتفالية كثير من الجنون العاقل ومن العبقرية وهي في درجة الجنون، وفي المسرحيات الاحتفالية كثير من الشخصيات المجنونة، مثل شخصية ( البهلول) في احتفالية ( مرافعات الولد الفصيح) ومثل خيطانو في احتفالية ( خيطانو المجنون)
والعنوان الأبرز للجنون هو الاختلاف، وهو الغرابة، وهو الإدهاش وهو الشغب، وهو التمرد، وهو الهذيان الخلاق، وهو الحمى الإبداعية، فان تكون على هامش المجتمع فانت مجنون، وان تكون بلا عنوان وبلا بيت وبلا شهادة فانت صعلوك، وان تمشي وحدك، وان تكون وحدك، فانت مجنون، وان تفهم ما لا تفهمه الجماعة فانت مجنون، وانت مجرد صعلوك بين الأمراء والملوك فانت مجنون
وفي الاحتفالية شيء كثير من الشعرية وفيها شيء كثير من السوريالية، وفيها شيء كثير من الصوفية، وفيها نسبة كبيرة من
الاندهاش والإدهاش، وفيها شيء كثير من الهذيان الخلاق،
وفيها شيء غير قليل من السحر الحلال
وفي المسرح الاحتفالي كثير من الخيال، وفيه كثير من المخاطرة العلمية والفكرية والجمالية، وفيه سباق مع الزمن، وفيه كثير من التحدي لقانون الأشياء، وحتى ل( لقانون) الإبداع المسرحي، والذي لا يحتاج لأي قانون او لأية مسطرة يمكن ان تسيطر العقول والنفوس والحالات الوجدانية
وفي ( احتفالية الصعلوك) يقول رجل من الناس، نصفه عاقل ونصفه الأخر مجنون، رجل هو في وطنه نصف مواطن او ربع مواطن او شبه مواطن، وهو عند كل الناس مجرد صعلوك، ولكنه عند نفسه، هو الملك.. يقول:
(هل تعرفون؟ إن هذا الليل هو كل مملكتي.. نعم، إنه مملكتي التي تشرق عليها شمس الرب يوما بعد يوم، وعاما بعد عام…
آه وآه، ما أسعدني وما أغناني.. عفوا.. كان علي أن أقول ما أسعدنا، وما أغنانا ( وهو ينظر إلى السماء) لقد نسيت أن أقدم لكم صديقي ورفيقي القمر..إنه سلطان مثلي، متوج بتاج البهاء، فهو سيد في السماء وأنا سيد في الأرض، أنا المتوج بلا تاج، وهو السلطان بلا صولجان.. هذا هو رأيي في نفسي، إن كان هذا يضايق أحدا فلا بأس، نسيت أن أقول شيئا مهما، وكل ما يقوله الصعلوك شيء مهم، وهو أنني أتشبث بآرائي دائما، خصوصا عندما لا أكون واثقا من صحتها.. ها ها ..
إنني أنا الآمر الناهي في دولة الليل، أنا الحاكم العام ومعي كل قطط هذه المدينة الملعونة، القطط التي لم تدجن، ولم تدخل بيت الطاعة..
وغدا. غدا صباحا ستشرق الشمس من جديد، وستضيق هذه الشوارع الواسعة بالناس، وسيمتليء هذا الفضاء بالوجوه وبالأقنعة وبالأحذية وبالأرجل الحافية، وساعتها سأبحث عني ولا أجدني.. آه من الزحام.. إنه يضيعني ويبعدني عني، ويحولني إلى وجه من الوجوه العابرة والتائهة في هذه المتاهة.. هنا.. في هذه المدينة الملعونة يدخل الناس ملابسهم ويخرجون منها، تماما كما تخرج الثعابين من جلدها.. إنهم كالخنازير يستحمون في الوحل..)
هو كلام مجانين اذن، وفي كلام المجانين والأطفال كثير من الحق ومن الحقيقية، وبالنسبة لميشال فوكو، صاحب كتاب ( تاريخ الجنون) فإن: «الجنون يغري لأنّه معرفة. إنّه معرفة لأنّ هذه الصور العبثية كلها تمثّل في الواقع عناصر معرفة صعبة، ومنغلقة، وباطنية) هي معرفة اخرى اذن، معرفة غير مدرسية، وغير نمطية،
وهذا الفوكو وقف (طويلاً أمام جنون الفلاسفة والشعراء والأدباء والفنانين، أمثال هولدرلين، نيتشه، آرتو، جيرار دونيرفال، غويا، ساد، إلخ. وهو جنون يحقّ له أن يحاكم العقل الغربي المتغطرس وليس العكس، إذ لا يوجد أي عقل في العالم يستطيع أن يرتفع إلى مستوى جنون فريديريك نيتشه أو الشاعر الكبير هولدرلين، ولا يجد فوكو غير الثناء على هذا الجنون والتحدث عنه بحميمية وشاعرية، فهؤلاء المجانين الكبار قدّموا روائع خالدة للثقافة الإنسانية)
ونحن في نقدنا المسرحي، المغربي والعربي معا، نبحث دائماً عن العقل وعن العقلاء، ونبحث مدرسيا في المعروف والمألوف، وفي ( الحقائق) المدرسية التي اجازتها الجماعة
رسالة في الجني الساكن والمسكون
النفس السابق من هذه الكتابة، والذي كان بعنوان ( احتفالية المتمردة. حرك كثيرا من الأقلام، وقبلها، استفز كثيرا من العقول، والتي تتعلق كلها بالعلاقة الغريبة والعجيبة بين الإنسي والجني في روح ووجدان المبدع، والذي يقتسم مع الجني حالاته وطاقاته الإبداعية الخارقة، وبقتسم مع الإنسان اسئلته ومسائله وقضاياه الفكرية والسياسية والأخلاقية المختلفة.
ومن الذين تفاعلوا مع هذا الموضوع، نجد المسرحي الاحتفالي
الجني جناح التامي، والذي عاش الجنون الاحتفالي في حياته اليومية، تماما كما عاشه في مسرحه، سواء وهو يكتب مسرحيات، او وهو يفكر في المسرح، او وهو في دور الممثل او في دور المخرج، وقبل هذا وذاك، في دور المواطن الاحتفالي الباحث عن الوطن الاحتفالي الحقيقي
هذا الفنان الاحتفالي الشامل والمتكامل، لا يتوقف لحظة عن الإدهاش والاندهاش، وهو عين سحرية ترى القريب وترى البعيد، وترى الخفي، وبالنسبة لهذا الفنان الشامل والمتعدد المواهب، فإن المحال مجرد خرافة، وانه امام عبقرية الانسان الجني، فإن كل شيء ممكن .. هذا الجناح المحلق في السماوات السبعة يمكن ان تتقوقع منه كل شيء، وهو وفي لغرابته، ووفي لاحتفاليته، وهو الذي قال في تعبيره على النفس السابق من سيل هذه الكتابة المتدفقة ما يلي:
(و كما تعود الاحتفالية نعود، وبما انها هذه المرة يلزمها الدكتور عبد الكريم برشيد بشرنقة عوالم الجن والملائكة وحديث الطلسم و الطوطم الذي لا يقدر عليه لا السحرة ولا المنجمون و لا المكلمون نجده في صوره متداخلا مع الإنس الاحتفالي، ولم يكن هذا الإحتفالي وحيدا، بل معه الأشباح و المردة، باعتبارها هي التي تصفد وتسلسل، اما الشياطين تبقى تجول و تصول. و قد تغيب عن الاحتفالات و الأعراس والجنائز، وتختفي بعيدا لتسكن الغابات أو الظلام . و ما أثارني هو هذا الجني “لو جيني ” المبدع لأدخل عالم لوحة ” جويا فرانشيسكو “سبت الساحرات ” اللواتي يستحضرن الشيطان على شكل عنزة لفعل الشر * إبحثوا عن ( اللوحة ). وأنا اعلم أن الشر هو الثابت، وليس الخير .. ربما ابتعدت كثيرا.. لكني صادق مع نفسي، فما تبحث عنه الاحتفالية اليوم ليس المهادنة او التكريمات التي تهادن و تحابي، بل تريد تفسير وتغيير كل الطقوس المعروفة .. تريد تمزيق الأوراق الذابلة و تكسير المرايا التي لا تصلح لشيء .. تريد ان تقتحم عوالم الجن و مساءلته عن معنى الجنون في الفن.. التشكيل، الشعر، السينما الدجيتالية والاختراق لهواثفنا الذكية ومسارحنا المهجورة، وتهريب جمهورنا خارج القاعات الحميمية القديمة . قد يذكر عبد الكريم كل الأسماء لكن حين يقرنها بالجن، يكون قد رأى، و ةاكتشف، و أحس بأشياء لم يخبر عنها، وهي مرحلة لا تفسر بمقال او كتاب او قفشات كلامية .. هناك شيء شبيه بمسحة جنون “الصالفادور دالي” أصل الفن الجنون ” . . و هكذا كل فنان يشتغل على الهروب من الجنون . فعلا أثفق مع “قنديشة ” و مع الحكايات التي تؤولها المجتمعات، وتفسرها الدراسات النقدية، لكنها تبدو في هذا الزمن مبنية على المحاباة.. صور الاحترام وتمثيل الخير . لكن الحقيقة الاحتفالية لا تحناج الى تلميع الصور، ولا بد من احتفاليات الشر التي تستحضر الجن لإخراجها، و أالشموع المنقوشة وروائح البخور الكريهة و الأصوات الخشنة و التجرع المخيف والشعر الأشعث والعيون المخطوفة والأسنان المنخورة و الأضافر المتسخة .. وطقوس ترجف الحضور، و تجعله مسكونا، خارج طاقات الرفض و القبول لما ألفه )
هو لم يكتب كلمة، ولكنه كتب رسالة لكل من يهمه الأمر، وكلنا في هذا الوجد الاحتفالي يهمنا الجنون الاحتفالي، سواء في الإبداع، او في ما وراء الإبداع، الفكري والأدبي والعلمي، ولهذا فإنني اواصل معكم الإنصات لهذا الصوت المتمرد على تفاهات الواقع والوقائع، وفي الجزء الثاني من هذه الرسالة يقول جناح التامي ما يلي:
( ربما مرة أخرى أطرح سؤالا لماذا الإحتفالية تؤمن بالتحولات؟ ولا تستقر على حال؟ فكل الناس تتغير إلا الجن يبقى خصما وندا قويا .. فكيف يكتب عبد الكريم برشيد أعمالا، ويناقش ويحاضر، و يبحث عن الجن في الإنسان . ولعلني اللحظة أكتب دون مراجعة ما أكتب، لأنه هو استحضار لجني احتفالي يسكنني ويعرفني جيدا، وهذه المرة استدعيته بشروط الجن ليفسح لي المجال للكتابة عن الشر، هذا الشر الذي هو الأصل، فالجمهور لا يعترف إلا بمقالات السب و الشتم و” المعاطية”. يجد لذته ويتابع بدرجة عالية، أما كلام التكريمات ورش الورود والعام زين و التصفيقات، كلها تغربنا عن بعضنا، وتجعلنا متهمين بالنفاق والكذب و”اللحيس و التبحليس” والتملق والتزحلق إلى درجة تميع فعل التكريم بإقحام الكل في فهم مغلوط لقيم التكريم
زقد يقع مستقبلا أن تجد ملصقا فيه 50 مكرما يشوشون عن مكرم وحيد، وهذا لا يحصل في عالم الجن . لأنه يلتزم بشروط الطقس واللون والماء والتراب والنار والهواء والزمن والمكان لتحضيره و مخاطبته، وما ستصرع، وتصبح مشوها أو ” مليوطا ” فالجن يؤمن بالصفعة والضربة، فنقول ضربه جن قبل ان القول سكنه، لأن الضرب من الشر، اما السكنى فمن العشق .. وما أصعب ان تكون بوهاليا احتفاليا، تعشقه الجن والإنس، هذا ما لم يقدر عليه أي احد .. لهذا تبقى الاحتفالية مرتبطة بالأخلاق والتربية على الاعتراف، لكن لنمارسها ونطبق شروطها لا يمكن الوصول الى جنونها، وهذا ما تنبه إليه شيخ الاحتفاليين، وجعلها تقف عند حيوية الحياة و إنسانية الإنسان و مدنية المدينة، ولم يجعلها تدخل جنون الجن و المردة والشياطين المتعددة. ليفتح في هذه المرحلة طلسم)
وفي الجزء الثالث من هذه الرسالة العاقلة لحد الجنون، والمجنون لحد العقل المجنون، يقول الاحتفالي المشاغب والمساكين والتمرد جناح التامي ما يلي:
(كنت كتبت في سنة 1984مسرحية ” كرنفال الميم ” وبدأتها “بأبجد – هوزن -صعفض -حطي ” و هي مبعترة نصا لكنها تجمع كل عرض بشكل حسب طقس مبهم المعالم .. ولم استطع فك سلاسل الاحتفالية لأنها اصلا غابة شبيهة بالغابة السوداء، و باعتباري دارس للتشكيل ولبوح الجسد الكوريغرافي، فقد وجدت أن اللون الحقيقي أسود، أما الأبيض فكذبة ولا وجود له، فهو مزيج ألوان فقط .. أعتذر للجني الذين دعاني هذه الليلة إلى جلسة نبيد احتفالي، وجلس معي ولم يشرب قطرة .. بل قولبني وجعلني أكتب بالنبيد ، وبدون توقف اقسم لكم اني لو أطلقت العنان لهذه الكتابة الساردة لن أتوقف أبدا .. لأن أعرف الأغلبية سترد “لم نعرف مايريد قوله ” وانا أرد وهل منكم من يترجم كلام وأصوات الجن ؟
ما أصعب مجالسة الجن أيها السادة .. أحذروا مجالسة الجن الاحتفالي، فهو لا يسكر، ولا يفسد، ولكنه متصوف ناسك .. ولكنه مصاب بلعنة المسرح فقط)
الكاتبة الحيوية باللغة الفردوسية:
وفي النفس السابع والعشرين من الكتابة الاحتفالية السابقة، والذي كان بعنوان (الاحتفالي والبحث عن أعز ما يكتب ) يصادفنا حديث عن الكتابة الإبداعية الاحتفالية، والتي هي كتابة (شاعر يتأمل شعرية الوجود، ويتأمل شعرية الحياة، ويتأمل شعرية الفنون، وكيفما تحركت هذه الكتابة،، ومهما حلقت وابتعدت، ومهما تعددت وتنوعت أساليب الشطح فيها، فإنها لا يمكن أن تحلق إلا في السماوات الاحتفالية والعيدية، الكائنة والممكنة معا، وهي لا تنطلق، ولا تبتعد، ولا تغيب، إلا من أجل أن تحضر، وأن تعود بعد التحليق إلى هذه الأرض الاحتفالية أيضا، وتعود إلى مناخها وزمنها، وهي لا تتغذى ـ فكريا و جماليا وأخلاقيا ـ إلا بالغذاء الاحتفالي، والذي هو غذاء الحرية والتحرر، وهو غذاء الإنسان والإنسانية، وهو غذاء المدينة والمدنية، وهو غذاء الحياة والحيوية، وهو غذاء الجمال والجمالية، وهي لا ترى هذا العالم، ولا تحياه، ولا تتمثله، إلا من خلال رؤية عيدية واحتفالية صادقة وناطقة، رؤية مضاءة بكل الأنوار السحرية، وملونة بكل الألوان الطبيعية، ومفتوحة عن آخرها، على كل عوالم هذا الكون، وهي في أصلها وفصلها رؤية إنسانية وكونية شاملة، فلا هي شرقية فقط، ولا هي غربية بشكل مطلق، وهي رؤية مركبة تتعدد فيها الألوان، وتتقاطع فيها الأشكال، وتتعايش فيها الأجساد والظلال، وتتحاور فيها الأصوات والأصداء، وتتكامل فيها الأجساد الحية والجامدة معا، وتنطق فيها كل الموجودات بلغة الوجود، وتنطق فيها كل عناصر الطبيعة بلغة الطبيعة الحية/ وهذه اللغة، الما فوق طبيعية، لها في الاحتفالية اسم واحد، والتي هي اللغة الفردوسية)
والكتابة الاحتفالية هي كتابة اخرى، ما يميزها اساسا هو حياتها وحيويتها، وهذا ما جعل الاحتفالي يعطيها اسم ( الكتابة الحيوية) ويجعلنا رسما الحياة بالأجساد الحية في اللحظة العبدية والاحتفالية الحية
المتمردة عيشة قنديشة تخاطبكم :
وماذا يمكن ان نقول عن عيشة قنديشة، كما اخرجها المخرج رضوان الإبراهيمي وكما تقمصت روحها ووجدانها الممثلة الجنية نجوى الفيدي؟
وهل هي شخصية مسرحية عادية، بابعاد وملامح عادية، ام انها شخصية مركبة، بابعاد إنسية وجنية ومركبة لا محودة؟
اندع هذه الجنبة التي ارادت ان تصبح إنسية تقدم لكم نفسها، وهي الآن تقف أمامكم وامام مرأتها السحرية، وفي هذه المرأة اليدوية تتأمل وجهها، تقول لنا كلنا ما يلي:
(أنا الأنثى العرافة والمتنبئة والساحرة، لقد لحق هذا الزمان الشيب، وأدركه القدم، وأنا مازلت شابة، وأكثر هذا السحر مني أنا، ومن علمي ومن فقهي، وأقله مما أعطاني السيد العطار، ومما أعطاني السيد الخياط، ومما أعطتني هذه الأزياء الساحرة والمدهشة والمبهرة، ولأنني أنثى، غير عادية طبعا، فإنني أتعدد بتعدد أزيائي وبتعدد أقنعتي وبتعدد أصباغ وجهي.. إنني أعشق العطور الشرقية، وأعشق العطور الباريسية الغربية، وآتابع آخر صيحات الموضة في العالم، وأقول دائما لنفسي: هذه الموضة التي تغير كل شييء، متى يأتي الوقت لتغير نفسها، ومتى نجد كل العالم يردد (الموضة ما بقاتش موضة)
وهذه الجنية الإنسية، والعاشقة لإنسانية الإنسان، وهي في درجة الحق والحقيقة، نجدها في لحظة من لحظات هذه الاحتفالية المسرحية وهي تصلي،. وما يميز هذه الصلاة هو انها صلاة غريبة وعجيبة، صلاة فيها صدق وايمان، وفيها يكون وخشوع، وبها أدعية كثيرة .. تقول:
(يا الله يا الله، ما أوسع هذا الوجود، وهو في سعته ورحابته يحتاج لعين كبيرة جدا جدا، فامنحني هذه العين يا الله، وامنحني معها ألف عين وعين، وعين واحدة لا تكفي يا الله، وربما حتى ألف عين لا تكفي.. آمين..
وجمال هذه الطبيعة، وجمال هذه الموجودات فيها، وجمال هذه الكائنات الحية، تحتاج كلها لقلب يكون كبيرا جدا جدا، فامنحني يا الله قلبا يسع أرضك وسماءك، ويسع كل عيالك من الإنس ومن الجن ومن كل المخلوقات الحية.. آمين..
يا الله يا الله، إن كل ما نراه وما لا نراه، وكل ما نسمعه وما لا نسمعه، وكل ما نلمسه وما نتذوقه وما نحسه وما نعيه وما نتصوره وما ندركه وما لا ندركه من المدركات الغامضة والخفية، يحتاج لعقل كبير جدا جدا، فامنحني هذا العقل الكبير يا الله .. آمين..
هذه هي صلاتي، بها دعواتي ومطالبي يا الله، وهي مطالب صغيرة وبسيطة جدا، بالنسبة لإنسية طبعا، وليس لجنية مثلي، وأنا لا أطلب شيئا سوى أن أكون إنسية من بني الإنسان، وأن أكون أنثى كاملة الأنوثة، وأن أكون امرآة طبيعية في هذه الطبيعة، وأن أكون واقعية في هذا الواقع، وأن تكون لي حياة عادية بين حيوات كل الناس العاديين.. هذا كل شيء يا الله)
هي تدرك أن جمال هذا الوجود يحتاج لأكثر من عينين، وان هذا الكون في اتساعه وفي عمقه وفي غموضه يحتاج لعقل كبير جدا، وان عبقرية هذا الوجود تحتاج لإنسان عبقري، نصفه إنسان ونصفه جني، وهي في كلمتها لنا، تبوح لنا بما يلي:
(أنا.. أنا ضحية خطأ قاتل في هذا الوجود، ولست أدري من المسئول عنه، لست أنا بكل تأكيد، وليس أي واحد من الإنس أو الجن، لأنه خطأ كبير .. كبير جدا، وأكبر من كل كبير وأعظم من كل عظيم. لقد فرض علي هذا الخطأ فرضا، وصنفني في صف الجن، وقال لي كوني جنية.. وكنت .. بدون إرادتي ولا اختياري كنت.. لقد فتحت عيني على الدنيا فوجدت نفسي جنية، هكذا، بدون حيثيات ولا مقدمات، مع أنني ما طلبت ولا رغبت ولا توسلت من أجل أن أكون جنية، لقد أعطوني اسما ورسما وقالوا لي :كوني أنت ولا تكوني إلا أنت.. مع أنني لم أختر جنيتي، وحق الله لم أخترها، ولا كنت يوما سعيدا بها، ولا اخترت أبي، ولا اخترت أمي، ولا اخترت جدي، ولا إخوتي، ولا اخترت لغتي الجنية، ولا اخترت عالمي وكوني، ولو خيروني ما كنت أختار إلا ما أنا هي الآن، امرأة من عامة الناس، لها بيت على سطح عمارة، ولها شرفة تطل على المدينة، ولها جارة غجرية، ولها جارة بدوية، ولها جارة مجوسية، ولها جارة بلا ذاكرة..
أنا عيشة اخترت .. ورأيت أن من حقي أن أختار .. واخترت اليوم أن أكون إنسانة، فقط إنسانة، وأن أسعى من أجل أن تكون إنسانيتي كاملة، وأن تكون لي أفكار جديدة ومتجددة وثورية دائما، وأن تسبق أفكاري زمنها ومكانها، وأن تأتي بالآتي قبل أن يأتي، وأن تكون متمردة على السكون والجمود وأن تشكك في كل شيء في الوجود، إلا في ثوابت هذا الوجود..
هذه هي أنا الجديدة، عيشة الجديدة، كما أريد أن أكون أنا، وليس كما أريد لي أن أكون، أنثى إنسية بأحوال إنسية .. أحوال تتغير على مدار الزمن، ولكن صفاتها ثابتة لا تتغير أبدا، مهما تغيرت أحوالي وأحوال الناس وأحوال الجن)
وهذه الجنية الإنسية، تنطق في هذه الاحتفالية بلسان كل الاحتفاليين في العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *