المال واللباس والمناصب… حين تصبح القيم الحقيقية بلا قيمة

بدر شاشا 
في زمن تغيّرت فيه الموازين، لم تعد الصلاة دليلاً على النقاء، ولا الأخلاق جوازًا للقبول، ولا حسن التربية كافيًا لتنال الاحترام أو الفرص. أصبح المظهر يغلب الجوهر، وأصبح من يملك المال، ويرتدي أغلى الثياب، ويجلس على كرسي منصب، هو من يُصغى إليه ويُفتح له الطريق، حتى ولو كان خالي الفكر، ضعيف الأخلاق، سطحي السلوك.
تحوّلت المجتمعات إلى مسرح استعراضي، يُصفّق فيه للواجهة وينسى الداخل. لم يعد يُنظر إلى نقاء القلب، ولا إلى سكينة النفس، بل إلى ماركة الحذاء، وسعر الساعة، واسم السيارة، ومكان السكن، وماذا تملك في حسابك البنكي. بل الأدهى أن القيم التي كانت تُعلي الإنسان وتمنحه مكانته، أصبحت تُعامل وكأنها ضعف أو سذاجة. وكأن الصدق غباء، والأمانة سذاجة، والتواضع خنوع.
كم من إنسان مستقيم خسر مكانته لأنه رفض النفاق، وكم من شخص متعلم وخلوق لم يُفتح له باب لأنه لم يكن يحمل “اسمًا” أو يلبس ما يجذب العيون. وكم من شخص تافه صعد في سلم الشهرة والمال فقط لأنه عرف كيف يُجيد التمثيل أمام الكاميرا أو كيف يستعرض جسده أو ماله أو شكله. أصبح العالم يُدار بالواجهة، وغابت المعايير الحقيقية التي تُفرز أصحاب الكفاءة والنية الطيبة والضمير الحي.
حتى في العلاقات الإنسانية، أصبحت القلوب تُقاس بعدد المتابعين، والحب يُقاس بحجم الهدايا، والاحترام يُشترى بشراء الواجهة. لم تعد الروح تُرى، ولا القلب يُسمع. أصبح كل شيء يُقاس بالمادة، حتى السعادة لم تعد تُطلب في القرب من الله أو في القناعة أو في الطمأنينة، بل صارت مرتبطة بالمال والسفر والسهرات والعناوين الفاخرة.
لكن هذا الانقلاب القيمي لا يبني مجتمعات، ولا يؤسس لأجيال مستقرة. حين يصبح الكذب وسيلة للنجاح، والنفاق طريقًا للترقية، والاستعراض أسلوبًا للحياة، فإننا نبني أبراجًا على رمال، ومظاهر بلا جوهر، ونُفرغ الإنسان من معناه.
الزمن تغير، نعم، لكن هذا لا يعني أن نغيّر مبادئنا لنُرضي واقعًا مريضًا. القيم الحقيقية قد تُهمّش اليوم، لكنها لا تموت، وقد يُستهزأ بها الآن، لكنها هي وحدها التي تترك الأثر حين يمر الزمن، وينكشف الزيف، وتنهار الواجهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *