حميد طولست
القاهرة – خاص
لم أكن أتخيّل، وأنا أتهيأ -قبل عشر سنوات -لزيارة الأولى للقاهرة ، المدينة التي كان أجدادنا يطلقون عليها “القِهْرااا” — بكسر القاف وتسكين الهاء — تحمل في طياتها ما يتجاوز مجرد العظمة والاتساع. وكنت أظن أن اختلافها عن سائر العواصم يكمن في عمرها الموغل في القدم؛ في تاريخ يمتد لخمسين قرناً كانت خلال معظمها عاصمة لمصر، منذ بُني حصن بابليون سنة 98 للميلاد، وما تزال أطلاله شاهدة إلى اليوم. أو لعل تميّزها يعود لكونها أضخم مدن إفريقيا والشرق الأوسط، إذ يتجاوز عدد سكانها — إذا أضفنا توسعاتها الحديثة من السادس من أكتوبر إلى الشيخ زايد والجيزة الجديدة ومشاريع الإسكان المتعددة — الثلاثين مليون نسمة.
وكنت أظن، مثل كثيرين، أن سحرها الحقيقي يعود لغزارة ما كُتب عنها وما دوّنه المؤرخون عبر العصور، أو لغناها بالمساجد والكنائس والمباني العتيقة والمعالم الفريدة. لكنني كنت مخطئاً.
منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماي أرض القاهرة، أدركت أني أمام مدينة لا تشبه غيرها. مدينةٌ حملت عبر العصور أسماء متعددة: من “من نفر” الفرعونية، إلى “أون” و”هليوبوليس”، وصولاً إلى “جوهرة الشرق” و”مدينة الألف مئذنة” و”المحروسة”. غير أن كل هذه الألقاب، بما فيها تلك التي كان أجدادنا ينطقونها بلهجة محبّبة: “القِهْرااا”، لا تكفي لوصف حقيقة هذه المدينة كما تبدو اليوم.
كنت أظن، قبل زيارتها، أن سِرّ القاهرة يكمن في تاريخها العريق الممتد لخمسين قرناً، أو في موقعها الذي احتضن عاصمة مصر منذ بناء حصن بابليون سنة 98 ميلادية. وربما في حجمها: أكبر مدن إفريقيا والشرق الأوسط، وأكثرها ازدحاماً، بما يفوق ثلاثين مليون نسمة إذا أضيفت توسعاتها الحديثة كمدينة السادس من أكتوبر والشيخ زايد و”نيو جيزا” ومشاريع الإسكان الجديدة.
لكنني، مثل كثيرين، كنت مخطئاً.
فعطممة القاهرة، تتجلى المعنى الحقيقي للمدينة التي تضج بالحياة. في حركتها التي لا تهدأ ليل نهار، في ملايين البشر الذين يتدفقون في كل الاتجاهات، وفي وسائل النقل التي تبدو كأنها تستيقظ مع الفجر ولا تتوقف حتى ينام آخر مقهى في الحي.
هنا الحافلات القديمة والجديدة، “الميكروباص” الحاضر في كل زقاق، سيارات الأجرة بمختلف أنواعها، الترام، المترو، وقريبا المعلق”المونو راي”والقطارات التي تنطلق من قلب المدينة نحو كل محافظات مصر، وحتى النقل النهري الذي يربط الضفتين في مشهد ساحر أكثر منه عملي. ولا تكتمل الصورة دون “الحناطير” التقليدية و”التوك توك” الذي بات جزءاً من هوية الشارع المصري، رغم ما يثيره من جدل.
مشهدٌ أقرب إلى خلية نمل عملاقة، أو إلى حلبة سباق لا تنتهي على طرق تمتد لمسافات هائلة. هنا ينتصب “كوبري 6 أكتوبر”، واحد من أطول الجسور في العالم، شرياناً يربط بين شرق العاصمة وغربها، شاهداً على جنون الحركة اليومية.
ازدحام يبتلع كل شيء
ورغم الشبكة الواسعة من الطرق والجسور والأنفاق، ورغم محاولات تنظيم النقل عبر خطوط BRT المخصّصة للحافلات السريعة، فإن الازدحام يظل العنوان العريض لحياة القاهريين. فلا يكاد أحد ينجو من الاختناق المروري، سواء داخل المدينة أو في مداخلها ومخارجها.
السبب الحقيقي لا يتعلق بالبنية التحتية وحدها، بل بالسلوك المروري نفسه. فالسائق المصري — سواء كان يقود سيارة خاصة أو وسيلة نقل عامة — غالباً ما يتهرب من الالتزام بالعلامات الأرضية والإشارات الضوئية، بينما تتحول أبواق السيارات إلى لغة يومية للتعبير عن الانفعال وضيق الوقت. ومع اختلاط زعيق المنبهات بضجيج المحركات، تصبح القاهرة واحدة من أكثر المدن ضوضاء في المنطقة.
القاهرة… مدينة تصنع مزاج سكانها
لا يمكن لمدينة بهذا الجنون ألا تترك أثراً على أهلها. فهي تصنع مزاجهم اليومي؛ سرعة انفعالهم، صبرهم الطويل أحياناً وقصره أحياناً أخرى، قدرتهم على التأقلم، وابتسامتهم التي لا تختفي رغم الفوضى.
القاهرة ليست مجرد عاصمة عربية كبرى. إنها مدينة تتنفس بصوت عالٍ، وتجري في شرايينها الملايين، وتتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة والتناقضات. هنا الماضي يجاور المستقبل، والفوضى ترافق النظام، والضجيج يشارك الناس تفاصيل يومهم.
إنها باختصار: مدينة مجنونة… لكنها مجنونة بطريقة تجعل الزائر يعود إليها دائماً، مهما اشتكى من صخبها.
حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.