المرجة بفاس: جريمة عمرانية باسم التنمية

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

كلما تأملت في “المرجة”، تلك المنطقة الرطبة التي شكّلت لعقود طويلة إحدى الرئات الطبيعية لمدينة فاس، والواقعة على ضفة وادي الجواهر بين عين الطيور والحي الصناعي الذكارات، يترسّخ لديّ يقين لا يقبل الشك: أن أخطر ما اقترفه المسؤولون عن الشأن المحلي بمدينة فاس، لم يكن فقط استغلال مجال هشّ وغير صالح للبناء، بل التعامل مع الطبيعة بعقلية متعالية، كأنها مادة طيّعة بلا ذاكرة ولا قوانين.
المرجة، كما يدل اسمها قبل خرائط التعمير وقبل مكاتب الدراسات، أرض فيضية، منخفضة، مشبعة بالمياه ، كانت إلى وقت قريب مراعي خصبة وحقولاً للقنارية والملوخية والخضر الصيفية، وملاذًا لتوازن بيئي صامت ، لكن هذا المجال، الذي كان يفترض أن يُحمى ويُصان، حُوِّل بجرّة قلم إلى ورش إسمنت مفتوح: تجزئات، تراخيص، عمارات من أربع طوابق وأكثر، منتجعات ومؤسسات رسمية ، وكأن السؤال البديهي: هل تصلح هذه الأرض للبناء؟ لم يخطر ببال أحد.
والأدهى من ذلك، أن هذا التوسع العمراني تمّ رغم علم الجميع بأن المرجة عرفت فيضانات في بداية الألفية، قطعت السبل على السكان، مع عودة العيون والأودية التي تصب في وادي الجواهر، ورغم ذلك، لم يُعترض على التخطيط المرتبك، ولا على الزحف العمراني غير المنضبط، ولا على الاستهانة الصارخة بمسارات المياه ومجالات الأودية.
كما أنه لم يحذّر أي عاقل من خطر عودة وادي الحيمر ووادي الكيحل إلى سابق عهدهما، مع تغير المناخ وكثرة الأمطار، فينسابان داخل الأحياء، إن لم يكن داخل المنازل نفسها.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا ابتعد القدماء عن السهول ومجاري الأودية، واختاروا الجبال والأماكن المرتفعة للسكن؟ أكان ذلك صدفة؟ أم حكمة متراكمة صاغتها قرون من التعايش مع الطبيعة، ومعرفة دقيقة بنزواتها وغضبها؟
الطبيعة لا تتكلم لغزًا. إنها تتحدث بلغة واضحة: من يفهمها يعيش في أمان، ومن يتجاهلها يدفع الثمن عاجلًا أو آجلًا ، لتجاوزه قوانين الكون الدقيقة، وتوازنه الأزلي الذي لا يقبل العبث. والمياه، تحديدًا، ليست عنصرًا ساذجًا يمكن حبسه إلى الأبد بين الخرسانة.
هذا ليس سجالًا سياسيًا، ولا تراشقًا بالاتهامات، بل تنبيه قد يرقى إلى التحذير من مصير المرجة ، هذه المنطقة الهشّة، ذات الفرشة المائية القريبة جدًا من السطح ، والتي تحاول العيون الجارية تحتها أن تتنفس، كلما ارتفع منسوب الأمطار، وربما تكسر ما يخنق دورتها الطبيعية .
وكأنه يسمع صوت مياها الجوفية تصرخ في وجه الزحف العمراني: “أخلوا أرضي، وارجعوا من حيث أتيتم. المكان مكاني، والمجال مجالي.” وذلك لأن للمياه ذاكرة أطول من ذاكرة البشر.
ومن المعجزة الإلهية أن جعلها الله سبحانه تستعيد حقوقها دائمًا، وترفض الخضوع المطلق لمحاولات الإخضاع والسيطرة.
فكيف للإنسان أن يتوهم أنه قادر على التحكم في عنصر جعله الله أساس الحياة؟ وكيف يمنعه من إتمام رحلته الطبيعية، وهي دورة ربانية متكاملة ومعجزة مستمرة؟
خلاصة القول:
كل مشروع تُخنق فيه المياه، وتُحاصَر مجاريها، وتُقطَع روابط مساراتها الطبيعية، هو مشروع فاشل، مهما تزيَّن بالخرسانة، ومهما رُوِّج له بشعارات التنمية.
وهذا بالضبط ما حدث ـ ويحدث ـ في المرجة بفاس.
تلك الأرض الفيضية غير الصالحة للبناء، التي حوّلها الجشع وسوء التدبير ـ حتى لا نقول ما هو أثقل ـ من مجال محظور البناء فيه، إلى منطقة آهلة بالسكان، لكنها مهيّأة لأن تكون ضحية الفيضان في أي لحظة.
وقد تأتي فيها السيول على البنيان والإنسان معًا، فتتحول من حيّ سكني إلى منطقة منكوبة.
ولنا في دروس درنة، وألمانيا، وجدة، ما يكفي من العِبَر.
كلها تخبرنا بالحقيقة نفسها: حين يُحاصَر الماء بالخرسانة، يعود ليستعيد مجراه بقوة.
فاحترموا الماء يحترمكم الماء، ويترككم تعيشون في سلام واستقرار.
والله يدير السلامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *