المسرح العربي والإعلام أية علاقة

 

إنجاز: د الغزيوي بو علي

لمعرفة الآخر، معرفة مفيدة نقدية، بعيدا عن أحاسيس الإذعان والولاء والتبعية، وبعيدا أيضا عن أحاسيس الطهرانية الذاتية وتقديس عبد الله ابراهيم “المركزية الغربية ” الغلاف، فالقراءة التي ينبغي أن يسير عليها المسرحي وهي تعرية الواقع من الداخل الذي ينتج الهزائم ويطيل عمر التخلف الإعلامي العربي، وبالتالي فهناك حاجة إلى تحليل عميق يتخطى الظاهرة الإبداعية المسرحية – ليقف على مسببات وجذور الموت البطيء، وقصور الأداء الفني في جوهر النظام المؤسساتي والبنية الفوقية للمجتمعات العربية، ويقول هشام الشرايبي “علينا أن نتوصل إلى موقف نقدي تجاه تاريخنا كما كتبناه ونكتبه بمعظمه إلا مجموعة أساطير وحكايات، وفي كوننا مجتمعا ضعيفا ومتخلفا، بحاجة إلى تاريخ جديد وبطولات، فليس بمستغرب أن شعبا كشعبنا يحتاج للخروج من حاضره المرير إلى أن يصور ماضيه حسب الحاجات التي يفرضها حاضره.. وأولى الحقائق التي علينا مجابهتها هي حقيقة تاريخنا من دون كذب على النفس وخداع الآخرين “المثقفون العرب والغرب” ص11، فهذا التوجه النقدي كان سمة الفنان بعد أزمة حزيران، لأنه علمته كيف يستخرج من ذاته الأسئلة التي هي عبارة عن أجوبة محتملة، فقادته الرغبة في تحقيق المعرفة الذاتية وبناء تصور ثوري قادر على المراجعة والمغايرة، لكن هذه المرحلة لم تلامس إلا قشور الواقع، ظلت تكابد الفعل التقليدي التراثي دون إبراز العلل والأزمات التي تسكن هذا الجسد الفعال، لأن المجتمعات العربية لم تتحول إلى مجتمع فاعل ونابع في رؤيته، وفي كيفية إيجاد الصبغة الملائمة لهويته ولإنسانيته، لذا يقي المسرحية العربي يوظف الأسباب والهزائم في مواجهة التحولات الخارجية مستعينا بالفكر النهضوي وبالتراث أو بالواقع وبالسياسة من أجل قولبة الفرد على النحو الذي يريده الحاكم بلغة تأخذ من المركز –  الغرب – القرارات لكي تكون على صورة أبيها وارتكاسا لها حسب تعبير هشام الشرايبي. لذا بقي المسرحي العربي يجترح ذاته بثقافة مطبوعة بطابع فوقي في مجتمع يقبل الرضوخ والانصياع، ومتفرج يعيش عنف مستبطن، وعدوانية موروثة، لذا نتساءل هل المسرحي العربي قادر على فك هذا التخلف في رسالته المسرحية؟ ولماذا خسرنا كل المعارك مع التخلف؟ لقد ذهب العديد من الباحثين إلى دراسة هذه التراجعات والانكسارات في السياسية المسرحية، مستخلصين عدة أسباب التي تدين النظام الثقافي، سواء في شكل السلطة الرمزية، أو في الإكراهات التي تمارس من طرف الحكام، لأن هذه الأسباب في ظل هذه الشروط المعاصرة تنعدم القدرة على نقد الذات المبدعة، والمثقفة، مما ينتج عن ذلك الكتمان الذي يتحول في سلوك المتفرج إلى عادة إخفاء النوايا الحسنة، وبذلك يصبح المسرح غير قادر على خلق قارة إعلامية تنافس القارات العالمية الكبرى، لذا يجعلنا ندرك أن الاكتشاف الفني الذي ندركه في أغلب المهرجانات مطبوع بطابع معلب، لا يتميز عن الإكراهات الميلودراميا الساذجة التي تقدمها القنوات كمصر، والمغرب، والعراق، وليبيا، والكويت، وإذا كنا نحمل الفكر المسرحي زيادته للطين بلة في أمراض هذا العالم التقليدي وأن الحداثة القريبة لم تحوله إلى قارة، بل إنها حدثت تخلفه وهجنته بأنماط عشائري مزدوج مع منهجيات متغربة، إلا أن تجارب بعض النقاد كأمثال د عبد الرحمن بن زيدان وج عبد القادر، واسماعيل عز الدين، ومحمود امين العالم، وعبد الله الخدامي، أثبتوا أن المشكلات التي نعانيها على الصعيد الثقافي والإبداعي هي مشكلات جذورية لم ينفع الفكر الاصلاحي السائد على حل هذه المعضلات، نظرا لفقر الوعي الذاتي والنقدي، وكذا الفقر المنهجي، من هنا عمل الباحث الدكتور عبد الرحمن بن زيدان بتقريب المسرح الخليجي والمشرقي، طارحا فيه عدة قضايا التي تخص الوطن العربي، وعارضا جملة من المعايير التي هي من طبيعة الواقع، وأخرى من طبيعة قيمة النصوص المعالجة.

إلا أن هذه الطروحات حسب بن زيدان لیست متجانسة فيما بينها، فبعضها يعود إلى التعارض بين الفكر والواقع، هذا وبعضها يعود إلى غياب كل الحقائق.

ومهما يكن فالموضوع الإعلامي هو عودة لطرح مسألة الديمقراطية والحرية فإحدى أقدم قضايا الأنساق وأعسرها، ولكن العودة هنا تتم من خلال طرح هذه القضايا على المثقفين والمبدعين يهدف تفكيك الشعور السائد في وطننا العربي منذ عصر النهضة، واقتراح قطائع مغايرة للتصورات السائدة، تعتمد معطيات وبدائل في التصنيف والترتيب للإبداع وللإعلام، ومن الطبيعي أن يكون المسرح هو لغة الثورة كما يقول أغوستوبول لمعرفة مختلف الشعريات والسلالات المعرفية بمختلف التأليفات واللغات، وليقترن الإبداع المسرحي بالإحالة على وسائل الإعلام المتنوعة، ضرورة فيما هي موجهة نحو تركيب مجتمعات ديمقراطية في طاقات جديدية غير تجريدية، وقد تعمدت إطلاق هذا العنوان كإضافة لاقتراحات الجديدة المستمدة من المفكرين العرب كأمثال، الدكتور علي أومليل وعلي الراعي، والطيب التزيكي، وحسين مروة وعبد الله العروي.

وكأفق يرفع أسئلة الوطن العربي إلى مستوى أعلى من الممارسة في الوقت الذي يستدعي لاحتواء أسئلتنا المحتملة، ورغم هذا فإنني لا أحيط الموضوع من كل الجوانب لأنه محفوف بالمخاطر ومرتبط بأسئلة مقننة نادرة من تخلف من منعرجاتها. وأسرارها. لذا حاولت أن يكون هذا المقال نقطة النقاش بين الباحثين والقراء، ومحطة تواصل بين الأنا والآخر، لأن المسرحي لا يكون المسرحي حتى يستبط ويبتكر، وأما متى صارت موهبته قادرة على فك ألغاز الواقع، فإنه يتعرض للانهيار من طرف المؤسسة، فيحس بالمرارة والحزن فيلتجئ إلى التراث لكي يختفي وراءه، ولكي يقول ها أنا هنا دون أن يتعرى أمام الأنا الأعلى، فالمسرح إذن هو جنون العظمة والتعالي ينبغي أن تتوفر له التقنيات والوسائل لإيصال صوته إلى المتلقي العربي، ولكن هيهات نظرا الضعف وسائل الإعلام العربية المتحررة، وكذا هيمنة أباطرة المؤسسة على قنوات الثقافة، فالممارس هو ذلك الإنسان الذي يتجاوز ذاته لكي ينخرط في سراديب الواقع مع إيصال كل التصورات، والصور عبر المتخيل، ولكن متى نستيقظ من سباتنا؟ ومتى نحترق بوحل اليومي لنعرف من نحن؟ لماذا لا ننخرط في التقنوية؟ ولماذا الحكام العرب يخافون الوعي الطبقي.

هذه الطروحات حسب بن زيدان ليست متجانسة فيما بينها،

فبعضها يعود إلى التعارض بين الفكر والواقع، وبعضها يعود إلى غياب الحقائق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *