بقلم الاستاذ : حميد طولست
أعرب نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، عن أسفه العميق لعدم توصل مكونات المعارضة داخل مجلس النواب المغربي إلى توافق يُفضي إلى تفعيل ملتمس رقابة ضد حكومة عزيز أخنوش. لم تكن كلمات بنعبد الله مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيراً عن لحظة ضياع نادرة لإمكانية محاسبة الحكومة أمام الرأي العام، بلغة برلمانية دستورية، كان من شأنها أن تخلخل الجمود السياسي وتُعيد النقاش الديمقراطي إلى قلب المؤسسة التشريعية.
لكن هذا الطموح ما لبث أن تهاوى تحت ضربات “النرجسية السياسية” ومنطق “الحسابات الضيقة” لبعض الفرق النيابية المعارضة، كما ورد في بلاغ الفريق الاشتراكي الذي بخّر أمل ممارسة رقابية راقية، وكشف هشاشة التماسك داخل المعارضة نفسها، التي فشلت في أن تتحول إلى بديل جدي ومتماسك في أعين المواطنين بعد أن عطلت ملتمس الرقابة إحدى أقوى الأدوات الرقابية التي يمنحها الدستور المغربي لمجلس النواب، وفق الفصل 105، والذي يتيح للمعارضة سحب الثقة من الحكومة شريطة حصولها على أغلبية مطلقة من النواب. وإذا كانت المعارضة تدرك مسبقاً أن تحقيق هذا الشرط العددي غير ممكن، فإن رهانها الأكبر كان سياسياً وأخلاقياً: فتح نقاش عمومي حول حصيلة الحكومة والتحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: كيف لمبادرة كان الهدف منها تنشيط الحياة السياسية أن تنتهي إلى تبادل الاتهامات بالتشويش وغياب الجدية؟ وكيف لأداة رقابية راقية أن تُجهض قبل أن يُفعَّل بفعل صراعات حول من يحق له “شرف” تقديمها؟ فهل هو صراع الزعامة أم اختبار النضج السياسي؟
لقد كشفت المفاوضات المتعثرة بين فرق المعارضة عن أزمة زعامة واختلال في ترتيب الأولويات. فالفريق الاشتراكي، الذي بادر بطرح فكرة الملتمس منذ نهاية 2023، رأى في نفسه الجهة الأجدر بتقديمه، نظراً لكونه الأكثر عدداً بين فرق المعارضة ولأنه من بلور المبادرة في صيغتها الأولى.
وفي المقابل، اشترط الفريق الحركي أن يتولى أمينه العام محمد أوزين تقديم الملتمس بصفته الأمين العام الوحيد من المعارضة الموجود تحت قبة البرلمان. أما العدالة والتنمية، فرغم عدم إثارته صراحة مسألة من يقدّم الملتمس، فقد أبدى اعتراضاً ضمنياً على قيادة الاشتراكيين للمبادرة، في ظل التوترات السياسية المتراكمة بين الأطراف الثلاثة.
وبدل أن تتعامل المعارضة بعقل جماعي يوازن بين رمزية المبادرة وقوتها التأثيرية، انزلقت إلى حسابات شخصية وشكلية، أغرقتها في متاهة التأجيل والتسريبات، وانتهى بها المطاف عند انسحاب الفريق الاشتراكي، الذي اعتبر أن المبادرة تحوّلت إلى “تمرين عبثي لا يليق بمستوى انتظارات الرأي العام”.
وتكمن خطورة ما وقع ليس فقط في فشل تقديم ملتمس رقابة، بل في الرسالة السلبية التي بعثتها المعارضة للمواطن المغربي، الذي يتابع أداء الحكومة من جهة، وأداء من يعارضها من جهة أخرى. فالذي يتابع هذا المشهد المرتبك يستنتج، ربما بمرارة، أن المعارضة ليست جاهزة للاضطلاع بدورها كرقابة مسؤولة، ناهيك عن أن تُقدم نفسها كبديل محتمل.
كما أن هذا الفشل يُهدي للحكومة هدية سياسية ثمينة: فهي لم تُجبر على الدفاع عن حصيلتها، ولم تواجه إحراجاً حقيقياً داخل البرلمان، ولم تُساءل أمام المغاربة. بل على العكس، أصبحت قادرة على الطعن في مصداقية المعارضة، مستفيدة من تشرذمها وتناقض خطابها.
رغم إدراك المعارضة لصعوبة تمرير الملتمس من الناحية العددية، فإن المبادرة كانت لتشكل لحظة ديمقراطية نادرة، تُعيد الروح للبرلمان، وتضع الحكومة في موقع مساءلة أخلاقية أمام الرأي العام، وتُظهر أن المعارضة ليست مجرد أصوات احتجاجية بل قوة اقتراح ووزن سياسي منضبط بالآليات الدستورية.
لكن ما بقي الآن هو انطباع سياسي سلبي، وتراجع جديد في منسوب الثقة في الأحزاب، وعودة للنقاش حول أزمة النخب وتغليب المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية.
إن ما جرى لا يعكس فقط فشلًا في تفعيل ملتمس رقابة، بل هو تجلٍّ لأزمة أعمق: أزمة بنيوية في التنسيق داخل المعارضة، وأزمة نضج سياسي لدى بعض الفاعلين، وغياب حس التنازل من أجل القضايا المشتركة. وما لم تتجاوز المعارضة منطق الزعامة الضيقة وتُعيد تعريف دورها كقوة جماعية مسؤولة، فإن أي حديث عن تناوب أو محاسبة سيظل مجرد حلم مؤجل.