المغرب: بلد الحريات… لكن ليس ساحة مفتوحة للعبث

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

نعم، المغرب بلد الحريات. لكن من يقرأ هذه الجملة دون فاصلة، يُخطئ القراءة ويُسيء الفهم ، فالمغرب بلد الحريات بقدر ما هو بلد الثوابت، وبلد الانفتاح بقدر ما هو بلد الخطوط الحمراء.
والملك، والوحدة الترابية، وكرامة المواطن المغربي، ليست شعارات موسمية تُرفع عند الحاجة، بل ثوابت راسخة لا تقبل المساومة ولا تُجزّأ تحت أي غلاف “حقوقي” أو “تضامني” مُلغّم.
المغرب ليس “قنطرة عبور” لمن يريد زرع الشقاق،
ولا منصة مفتوحة لتنفيذ أجندات عابرة للحدود،
ولا مسرحًا لتجارب الفوضى الإيديولوجية التي فشلت في أوطانها، فجاءت تبحث عن جمهور بديل.
والمثير للسخرية—بل للشفقة—أن بعض من يختبئون خلف لافتات “التضامن” لا يحملون في حقائبهم سوى كراهية قديمة للمغرب، ويتصورون أن تغيير اللافتة يُغيّر النوايا،
وأن ارتداء قناع إنساني يُلغي سجلًا حافلًا بالتماهي مع خصوم الوطن.
في اللحظة التي يستعد فيها المغرب لافتتاح نهائيات كأس أمم إفريقيا،
وفي الزمن الذي تحط فيه منتخبات القارة رحالها،
وتُسلّط فيه عدسات الإعلام الدولي على البلاد، يقرر بعض “مناضلي التضامن الموسمي ” أن الشارع هو المكان، وأن التوقيت المشبوه، هو اللحظة مناسبة.
السؤال ليس: لماذا التظاهر؟ بل: لماذا الآن؟
ولماذا دائمًا حين يكون المغرب في واجهة النجاح؟
ولماذا تختفي هذه الحماسة التضامنية حين لا تكون هناك كاميرات، ولا منصات، ولا فرصة لتشويه الصورة؟
هنا تصبح السخرية مُرّة: خرفان صغيرة تُدفع إلى الشارع،
وخرفان كبيرة تراقب من خلف النوافذ الدافئة.
أما فلسطين—التي يُلوّح بها صباح مساء—فلا تظهر إلا كشعار للاستهلاك السياسي، لا كمشروع دعم حقيقي، ولا كقضية تُخدم بوعي ومسؤولية.
وليس سرًا أن بعض الجهات الإقليمية—وفي مقدمتها الجزائر—لا تُخفي حقدها المزمن على المغرب، ولا رغبتها في فشل كل نجاح مغربي، من التنمية إلى الرياضة.
كما ليس خافيًا أن المال الإيديولوجي القادم من الشرق لا يجلب معه سوى الانقسام، وتصدير صراعات لا علاقة لها بسياق الدولة المغربية ولا بتوازناتها.
والمفارقة الساخرة أن من يزايدون اليوم ضد “التطبيع”،
هم أنفسهم من وقّعوا عليه حين كانوا في مواقع القرار،
ثم ارتدوا لاحقًا جبة الوعظ، وكأن الذاكرة الوطنية تعاني الزهايمر.
أما صمت الدولة أمام هذه الاستفزازات ، فلا يعني عجزًا، ولا تساهلًا نابعًا من ضعف أو خوف، بل هو وعي بميزان القوى،
وفهم عميق لمحدودية تأثير هذا الصخب على شعب المغرب بلد الكبير، بتاريخه، بمؤسساته، بذكاء دولته، وبمناعة مجتمعه.
ومن يعتقد أن اللعب في عرين الأسود مغامرة ذكية،
سينتبه متأخرًا أن الصبر ليس غفلة، وأن الدولة حين تقرر، لا تلوّح… بل تفعل.
لأن الوطنية ليست لافتة ، وليست هتافًا عابرًا، ولا مظاهرة موسمية، ولا صورة تُلتقط أمام كاميرا أجنبية.
الوطنية مسؤولية، وعي، واحترام لثوابت بلد اختار الاستقرار طريقًا، والسيادة خيارًا، والحريات ضمن دولة… لا ضدها.
أما من يصرّ على الخلط بين التضامن والتخريب، وبين النقد والعداء، فسيبقى—مهما علا صوته—خارج سياق هذا الوطن،
وعلى هامش تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *